قال تعالى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50) [الأنعام/50]
قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ ، الذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ الآيَاتِ تَعْجِيزًا لِجَهْلِهْم بِحَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ ، وَلِظَنِّهِمْ أنَّ النَّبِيَّ لاَ يَكُونُ نَبِيًّا إلاّ إذَا أَصْبَحَ قَادِرًا عَلَى مَا لاَ يَقْدِرُ البَشَرُ عَلَيْهِ: إنِّي لاَ أَقُولُ لَكُمْ إنِّي أَمْلِكُ خَزَائِنَ اللهِ ، وَلاَ أَتَصَرَّفُ بِهَا ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ إنَّي أَعْلَمُ غَيْبَ اللهِ ، فَعِلْمُ الغَيْبِ عِنْدَ اللهِ وَحْدَهُ وَلا أَطَّلِعُ مِنْهُ إلاَّ عَلَى مَا أَطْلَعَنِي عَلَيْهِ رَبِّي ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَلاَ أَدَّعِي أنِّي مَلَكٌ ، إنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوحِي إِليهِ اللهُ ، وَقَدْ شَرَّفَنِي سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ ، وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ ، وَإِنَّنِي أَتَّبِعُ مَا يُوحِيهِ اللهُ إلَيَّ ، وَلاَ أَخْرُجُ عَنْهُ مُطْلَقًا . قُلْ لَهُمْ: هَلْ يَسْتَوِي مَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ وَهُدِيَ إلَيهِ ، مَعَ مَنْ ضَلَّ عَنْهُ ، فَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ ، وَلَمْ يَنْقَدْ إِلَيهِ؟ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ فِي أنَّهُمَا لاَ يَسْتَوِيَانِ؟
إن اتباع الوحي وحده هداية وبصر ، والمتروك بغير هذا الهادي متروك أعمى . . هذا ما تقرره هذه الآية في وضوح وصرامة . . فما شأن العقل البشري في هذا المجال؟
سؤال جوابه في التصور الإسلامي واضح بسيط . . إن هذا العقل الذي وهبه الله للإنسان قادر على تلقي ذلك الوحي ، وإدراك مدلولاته . . وهذه وظيفته . . ثم هذه هي فرصته في النور والهداية؛ وفي الانضباط بهذا الضابط الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .فأما حين يستقل هذا العقل البشري بنفسه بعيدًا عن الوحي ، فإنه يتعرض حينئذ للضلال والانحراف ، وسوء الرؤية ، ونقص الرؤية ، وسوء التقدير ، وسوء التدبير .
يتعرض لهذا كله بسبب طبيعة تركيبه ذاتها في رؤية الوجود أجزاء لا كلا واحدًا . تجربة بعد تجربة ، وحادثة بعد حادثة ، وصورة بعد صورة . . حيث يتعذر عليه أن يرى الوجود جملة ، ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكامًا ، ويضع على أساسها نظامًا ، ملحوظًا فيه الشمول والتوازن .
.ومن ثم يظل - حين ينعزل عن منهج الله وهداه - يرتاد التجارب ، ويغير الأحكام ، ويبدل النظام ، ويضطرب بين الفعل وردود الفعل ، ويتخبط من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال . . وهو في ذلك كله يحطم كائنات بشرية عزيزة ، وأجهزة إنسانية كريمة . . ولو اتبع الوحي لكفى البشر هذا الشر كله؛ وجعل التجارب والتقلبات في « الأشياء » وفي « المادة » وفي « الأجهزة » وفي « الآلات » . . وهي مجاله الطبيعي الذي يمكن أن يستقل فيه . والخسارة في النهاية مواد وأشياء . لا أنفس وأرواح!
ويتعرض لهذا كله - بعد طبيعة تركيبه - بسبب ما ركب في الكيان البشري من شهوات وأهواء ونزعات ، لا بد لها من ضابط ، يضمن أن تؤدي وظائفها في استمرار حياة البشرية وارتقائها ، ولا تتعدى هذا الحد المأمون فتؤدي إلى تدمير الحياة أو انتكاسها! وهذا الضابط لا يمكن أن يكون هو العقل البشري وحده؛ فلا بد لهذا العقل الذي يضطرب تحت ضغط الأهواء والشهوات والنزعات - وهي شتى - من ضابط آخر يضبطه هو ذاته؛ ويحرسه بعد أن يضبطه من الخلل أيضًا ، ويرجع إليه هذا العقل بكل تجربة ، وكل حكم - في مجال الحياة البشرية - ليقّوم به تجربته وحكمه ، وليضبط به اتجاهه وحركته .
والذين يزعمون للعقل البشري درجة من الأصالة في الصواب كدرجة الوحي ، باعتبار أن كليهما - العقل والوحي - من صنع الله فلا بد أن يتطابقا . . هؤلاء إنما يستندون إلى تقريرات عن قيمة العقل قال بها بعض الفلاسفة من البشر ، ولم يقل بها الله سبحانه!
والذين يرون أن هذا العقل يغني عن الوحي - حتى عند فرد واحد من البشر مهما بلغ عقله من الكبر - إنما يقولون في هذه القضية غير ما يقول الله . . فالله قد جعل حجته على الناس هي الوحي والرسالة ، ولم يجعل هذه الحجة هي عقلهم البشري ، ولا حتى فطرتهم التي فطرهم الله عليها من معرفة ربها الواحد والإيمان به . لأن الله سبحانه يعلم أن العقل وحده يضل ، وأن الفطرة وحدها تنحرف . وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة ، إلا أن يكون الوحي هو الرائد الهادي ، وهو النور والبصيرة .
والذين يزعمون أن الفلسفة تغني العقل عن الدين؛ أو أن العلم - وهو من منتجات العقل - يغني البشرية عن هدى الله؛ إنما يقولون قولًا لا سند له من الحقيقة ولا من الواقع كذلك . . فالواقع يشهد أن الحياة البشرية التي قامت أنظمتها على المذاهب الفلسفية أو على العلم ، هي أبأس حياة يشقى فيها « الإنسان » مهما فتحت عليه أبواب كل شيء؛ ومهما تضاعف الإنتاج والإيراد؛ ومهما تيسرت أسباب الحياة ووسائل الراحة فيها على أوسع نطاق . . وليس مقابل هذا أن تقوم الحياة على الجهل والتلقائية! فالذين يضعون المسألة هكذا مغرضون! فإن الإسلام منهج حياة يكفل للعقل البشري الضمانات التي تقيه عيوب تركيبه الذاتي ، وعيوب الضغوط التي تقع عليه من الأهواء والشهوات والنزعات .ثم يقيم له الأسس ، ويضع له القواعد ، التي تكفل استقامته في انطلاقه للعلم والمعرفة والتجربة؛ كما تكفل له استقامة الحياة الواقعية التي يعيش في ظلها - وفق شريعة الله - فلا يضغط عليه الواقع لينحرف بتصوراته ومناهجه كذلك!
والعقل بمصاحبة وحي الله وهداه بصير ، وبترك وحي الله وهداه أعمى ، واقتران الحديث عن تلقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الوحي وحده ، بالإشارة إلى العمى والبصر ، بالسؤال التحضيضي على التفكير: { إن أتبع إلا ما يوحى إليّ قل: هل يستوي الأعمى والبصير: أفلا تتفكرون؟ } . .
اقتران الإشارات وتتابعها على هذا النحو في السياق ، أمر ذو دلالة في التعبير القرآني . . فالتفكر مطلوب ، والحض عليه منهج قرآني؛ ولكنه التفكر المضبوط بضابط الوحي ، الذي يمضي معه مبصرًا في النور؛ لا مطلق التفكر الذي يخبط في الظلام أعمى ، بلا دليل ولا هدى ولا كتاب منير . .
والعقل البشري حين يتحرك في إطار الوحي لا يتحرك في مجال ضيق ، إنما يتحرك في مجال واسع جدًا . . يتحرك في مجال هو هذا الوجود كله ، الذي يحتوي عالم الشهادة وعالم الغيب أيضًا؛ كما يحتوي أغوار النفس ومجالي الأحداث ، ومجالات الحياة جميعًا . . فالوحي لا يكف العقل عن شيء إلا عن انحراف المنهج ، وسوء الرؤية والتواء الأهواء والشهوات! وبعد ذلك يدفعه إلى الحركة والنشاط دفعًا . فهذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان . . العقل . . إنما وهبها له لتعمل وتنشط في حراسة الوحي والهدى الرباني . . فلا تضل إذن ولا تطغى . .
وقال تعالى: قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) [الأعراف/188]
يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ يُفَوِّضُ الأُمُورَ إِلَيْهِ تَعَالَى ، وَأَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لاَ يَعْلَمُ الغَيْبَ ، وَلاَ هُوَ مُطَّلِعٌ عَلَى شَيءٍ مِنْهُ ، إلاّ مَا أطْلَعَهُ عَلَيهِ رَبُّهُ . وَأنَهُ لَوُ كَانَ يَعْلَمُ الغَيْبَ ، وَيَعْلَمُ مَتَى يَمُوتُ ، لاسْتَكْثَرَ مِنْ فِعْلِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَالخَيْرَاتِ ، وَلَتَزَوَّدَ لِلآخِرَةِ؛ أوْ لَوْ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أنَّهُ إذا اشْتَرَى شَيئًا رَبحَ فِيهِ لَفَعَلَ ذَلِكَ . أوْ أنَّهُ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ الغَيْبَ لاجْتَنَبَ الشَّرَّ وَالسُوءَ واتَّقَاهُمَا . ثُمَّ أمَرَ اللهُ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ للنَّاسِ: إِنَّهُ نَذِيرٌ مِنَ العَذَابِ ، وَبشيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ ، وَهَذِهِ هِيَ مَهَمَّتُهُ ..
وبهذا الإعلان تتم لعقيدة التوحيد الإسلامي كل خصائص التجريد المطلق ، من الشرك في أية صورة من صوره . وتتفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها البشر في شيء منها . ولو كان هذا البشر محمدًا رسول الله وحبيبه ومصطفاه - عليه صلوات الله وسلامه - فعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية ، ويقف العلم البشري . وعند حدود البشرية يقف شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتتحدد وظيفته: { إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } . .
والرسول - صلى الله عليه وسلم - نذير وبشير للناس أجمعين . ولكن الذين { يؤمنون } هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة؛ فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه؛ وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به . ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها ، كما أنهم هم الذين يخلص بهم الرسول من الناس أجمعين
إن الكلمة لا تعطي مدلولها الحقيقي إلا للقلب المفتوح لها ، والعقل الذي يستشرفها ويتقبلها ، وإن هذا القرآن لا يفتح كنوزه ، ولا يكشف أسراره ، ولا يعطي ثماره ، إلا لقوم يؤمنون . ولقد ورد عن بعض صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كنا نؤتى الإيمان قبل أن نؤتى القرآن . . وهذا الإيمان هو الذي كان يجعلهم يتذوقون القرآن ذلك التذوق ، ويدركون معانيه وأهدافه ذلك الإدراك ، ويصنعون به تلك الخوارق التي صنعوها في أقصر وقت من الزمان .
لقد كان ذلك الجيل المتفرد يجد من حلاوة القرآن ، ومن نوره ، ومن فرقانه ، ما لا يجده إلا الذين يؤمنون إيمان ذلك الجيل . ولئن كان القرآن هو الذي أخذ بأرواحهم إلى الإيمان ، لقد كان الإيمان هو الذي فتح لهم في القرآن ما لا يفتحه إلا الإيمان!
لقد عاشوا بهذا القرآن ، وعاشوا له كذلك . . ومن ثم كانوا ذلك الجيل المتفرد الذي لم يتكرر - بهذه الكثرة وبهذا التوافي على ذلك المستوى - في التاريخ كله . . اللهم إلا في صورة أفراد على مدار التاريخ يسيرون على أقدام ذلك الجيل السامق العجيب!
لقد خلصوا لهذا القرآن فترة طويلة من الزمان ، فلم تشب نبعه الرائق شائبة من قول البشر ، اللهم إلا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه . . وقد كان من نبع القرآن ذاته كذلك . . ومن ثم كان ذلك الجيل المتفرد ما كان .
وما أجدر الذين يحاولون أداء ما أداه ذلك الجيل أن ينهجوا نهجه ، فيعيشوا بهذا القرآن ولهذا القرآن فترة طويلة من الزمان ، لا يخالط عقولهم وقلوبهم غيره من كلام البشر ليكونوا كما كان!
وقال تعالى: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) [هود/31]
يُخْبِرُهُمْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ، وَأَنَّهُ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَتِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ ، وَلاَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَجْرًا ، وَهُوَ مُكَلَّفٌ بِدَعْوَةِ النَّاسِ جَمِيعًا ، الشَّرِيفِ وَالوَضِيعِ ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لَهُ فَقَدْ أَفْلَحَ وَنَجَا وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي خَزَائِنِ اللهِ ، وَأَنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ ، إِلاّ مَا أَطْلَعَهُ اللهُ عَلَيهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَلكٍ مِنَ المَلائِكَةِ ، بَلْ هُوَ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ وَمِنْهُمْ ، مُرْسَلٌ إِلَيْهِمْ مِنَ اللهِ رَبِّهِمْ ، وَمُؤَيَّدٌ بِمُعْجِزَاتِهِ ، وَأَنَّهُ لاَ يَقُولُ عَنِ المُؤْمِنِينَ ، الذِي يَحْتَقِرُونَهُمْ وَيَزْدَرُونَهُمْ: إِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ ثَوَابٌ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ ، وَاللهَ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ ، فَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ، حَقًّا وَصِدْقًا فَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ جَزَاءُ الحُسْنَى ، وَإِنَّهُ إِنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ .
إن إدعيت أية دعوى من هذه الدعاوي . الظالمين للحق وقد جئت أبلغه؛ والظالمين لنفسي فأعرضها لغضب الله؛ والظالمين للناس فأنزلهم غير ما أنزلهم الله .
وهكذا ينفي نوح عليه السلام عن نفسه وعن رسالته كل قيمة زائفة وكل هالة مصطنعة يتطلبها الملأ من قومه في الرسول والرسالة . ويتقدم إليهم بها مجردة إلا من حقيقتها العظيمة التي لا تحتاج إلى مزيد من تلك الأعراض السطحية . ويردهم في نصاعة الحق وقوته ، مع سماحة القول ووده إلى الحقيقة المجردة ليواجهوها ، ويتخذوا لأنفسهم خطة على هداها . بلا ملق ولا زيف ولا محاولة استرضاء على حساب الرسالة وحقيقتها البسيطة . فيعطي أصحاب الدعوة في أجيالها جميعًا نموذجًا للداعية ودرسًا في مواجهة أصحاب السلطان بالحق المجرد ، دون استرضاء لتصوراتهم ، ودون ممالأة لهم ، مع المودة التي لا تنحني معها الرؤوس!
وقال تعالى: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) [الأحقاف/9 ]
وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحمَّدُ: إِنَّني لَسْتُ بِأَوَّلِ رَسُولٍ جَاءَ إِلى الخَلْقِ في الأَرْضِ وَبلِّغَ رِسَالَةً عَنْ رَبِّهِ ، فَقَدْ جَاءَتْ رُسُلٌ قَبْلي ، وَأَبْلَغُوا أَقْوَامَهُمْ رِسَالاتِ رَبِّهِمْ ، وَتَلَوا عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَكُتُبَهُ المُنَزَّلةَ عَلَيهِمْ .
وَأَنا بَشَرٌ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ آتيِ بِشَيءٍ مِنْ عِنْدِي ، والذِي يُرسِلُ المُعجِزاتِ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ ، يُرسِلُها حِينَما يشاءا وأَنا لاَ أَعْلَمُ مَا يُفْعَلُ بي في الدُّنيا أَأُخْرَجُ مِنْ بَلَدِي أَمْ أُقتَلُ؛ وأَنا لاَ أَتَّبعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِليَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالى مِنَ القُرآنِ ، لا أَبْتَدِعُ شَيْئًا مِن عِندِي ، وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ أُنذِرُكُمْ عِقَابَ اللهِ ، وَأُخَوِّفُكُمْ مِنْ عذابها وَآتِيكُمْ بِالشَّوَاهِدِ الوَاضِحَةِ عَلَى صِدْقِ مَا جِئْتُكمْ بِهِ .
إنه - صلى الله عليه وسلم - ليس أول رسول . فقد سبقته الرسل . وأمره كأمرهم . وما كان بدعا من الرسل . بشر يعلم الله أنه أهل للرسالة فيوحي إليه , فيصدع بما يؤمر . هذا هو جوهر الرسالة وطبيعتها . . والرسول حين يتصل قلبه لا يسأل ربه دليلا , ولا يطلب لنفسه اختصاصا إنما يمضي في سبيله , يبلغ رسالة ربه , حسبما أوحي بها إليه: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم . إن أتبع إلا ما يوحى إلي) . . فهو لا يمضي في رسالته لأنه يعلم الغيب ; أو لأنه يطلع على ما يكون من شأنه وشأن قومه وشأن الرسالة التي يبشر بها . إنما هو يمضي وفق الإشارة وحسب التوجيه . واثقا بربه , مستسلما لإرادته , مطيعا لتوجيهه , يضع خطاه حيث قادها الله . والغيب أمامه مجهول , سره عند ربه . وهو لا يتطلع إلى السر من وراء الستر لأن قلبه مطمئن , ولأن أدبه مع ربه ينهاه عن التطلع لغير ما فتح له . فهو واقف أبدا عند حدوده وحدود وظيفته: (وما أنا إلا نذير مبين) . .
وإنه لأدب الواصلين , وإنها لطمأنينة العارفين , يتأسون فيها برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمضون في دعوتهم لله . لا لأنهم يعرفون مآلها , أو يعلمون مستقبلها . أو يملكون فيها قليلا أو كثيرا . ولكن لأن هذا واجبهم وكفى . وما يطلبون من ربهم برهانا فبرهانهم في قلوبهم . وما يطلبون لأنفسهم خصوصية فخصوصيتهم أنه اختارهم . وما يتجاوزون الخط الدقيق الذي خطه لهم , ورسم لهم فيه مواقع أقدامهم على طول الطريق .
وقال تعالى: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) [الجن/25-28]
أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبِ فِيهَا ، وَلَكِنَّ وَقْتَهَا لاَ يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللهُ ، وَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي إِنْ كَانَ وَقْتُهَا قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا .
وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي يَعْلَمُ مَا غَابَ عَنْ أَبْصَارِ خَلْقِهِ فَلَمْ يَرَوْهُ ، وَلاَ يُطْلِعُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ .
إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى اللهُ تَعَالَى أَنْ يُطْلِعَهُ مِنَ الرُّسُلِ ، عَلَى مَا شَاءَ مِنَ الغَيْبِ ، فَإِنَّهُ يُطْلِعُهُ . وَاللهُ يَجْعَلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ رُسُلِهِ ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ ، حَفَظَةً مِنَ المَلاَئِكَةِ الأَبْرَارِ يَحْفَظُونَهُمْ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيَاطِينِ ، حَتَّى يُبَلِّغُوا مَا أَوْحَى اللهُ بِهِ إِلَيْهِمْ ، كَمَا تَحْفَظُهُمُ المَلاَئِكَةُ مِنْ أَذَى شَيَاطِينِ الإِنْسِ حَتَّى لاَ يُؤْذُوهُمْ ، وَلاَ يَضُرُّوهُمْ .
وَاللهُ تَعَالَى يَحْفَظُ رُسُلَهُ لِيتَمَكَّنُوا مِنْ أَدَاءِ رِسَالاَتِهِ ، وَيَحْفَظُوا مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الوَحْيِ لِيَعْلَمَ إِنْ كَانُوا قَدْ بلَّغُوا هَذِهِ الرِّسَالاَتِ؛ وَهُوَ تَعَالَى قَدْ أَحَاطَ عِلْمًا بِمَا عِنْدَ الرَّاصِدِ مِنَ المَلاَئِكَةِ ، وَأَحْصَى مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ فَرْدًا فَرْدًا ، فَهُوَ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الأَشْيَاءِ ، لاَ يُشَاركُهُ فِي عِلْمِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ لاَ المَلاَئِكَةُ وَلاَ غَيْرُهُمْ .
إن الدعوة ليست من أمره ، وليس له فيها شيء ، إلا أن يبلغها قيامًا بالتكليف ، والتجاء بنفسه إلى منطقة الأمان الذي لا يبلغه إلا أن يبلغ ويؤدي . وإن ما يوعدونه على العصيان والتكذيب هو كذلك من أمر الله ، وليس له فيه يد ، ولا يعلم له موعدًا . فما يدري أقريب هو أم بعيد يجعل له الله أمدًا ممتدًا . سوء عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة . فكله غيب في علم الله؛ وليس للنبي من أمره شيء ، ولا حتى علم موعده متى يكون والله سبحانه هو المختص بالغيب دون العالمين: { عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحدًا } . .ويقف النبي - صلى الله عليه وسلم - متجردًا من كل صفة إلا صفة العبودية . فهو عبد الله . وهذا وصفه في أعلى درجاته ومقاماته . . ويتجرد التصور الإسلامي من كل شبهة ومن كل غبش . والنبي - صلى الله عليه وسلم - يؤمر أن يبلغ فيبلغ: { قل: إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدًا ، عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحدًا } . .هناك فقط استثناء واحد . . وهو ما يأذن به الله من الغيب ، فيطلع عليه رسله ، في حدود ما يعاونهم على تبليغ دعوته إلى الناس . فما كان ما يوحي به إليهم إلا غيبًا من غيبه ، يكشفه لهم في حينه ويكشفه لهم بقدر ، ويرعاهم وهم يبلغونه ، ويراقبهم كذلك . . ويؤمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن هذا في صورة جادة رهيبة: { إلا من ارتضى من رسول ، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا ، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ، وأحاط بما لديهم ، وأحصى كل شيء عددًا } . .فالرسل الذين يرتضيهم الله لتبليغ دعوته ، يطلعهم على جانب من غيبه ، هو هذا الوحي: موضوعه ، وطريقته ، والملائكة الذين يحملونه ، ومصدره ، وحفظه في اللوح المحفوظ . إلى آخر ما يتعلق بموضوع رسالتهم مما كان في ضمير الغيب لا يعلمه أحد منهم .
وفي الوقت ذاته يحيط هؤلاء الرسل بالأرصاد والحراس من الحفظة , للحفظ والرقابة . يحمونهم من وسوسة الشيطان ونزغه , ومن وسوسة النفس وتمنيتها , ومن الضعف البشري في أمر الرسالة , ومن النسيان أو الانحراف . ومن سائر ما يعترض البشر من النقص و الضعف . .والتعبير الرهيب - (فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) . . يصور الرقابة الدائمة الكاملة للرسول , وهو يؤدي هذا الأمر العظيم . . (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) . . والله يعلم . ولكن المقصود هو أن يقع منهم البلاغ فيتعلق به علمه في عالم الواقع .
(وأحاط بما لديهم) . . فما من شيء في نفوسهم وفي حياتهم ومن حولهم , إلا وهو في قبضة العلم لا يند منه شيء . .
(وأحصى كل شيء عددا) . . لا يقتصر على ما لدى الرسل ; بل يحيط بكل شيء إحصاء وعدا , وهو أدق الإحاطة والعلم !
وتصور هذه الحال . والرسول محوط بالحراس والأرصاد . وعلم الله على كل ما لديه . وكل ما حوله . وهو يتلقى التكليف جنديا لا يملك إلا أن يؤدي . ويمضي في طريقه ليس متروكا لنفسه , ولا متروكا لضعفه , ولا متروكا لهواه , ولا متروكا لما يحبه ويرضاه . إنما هو الجد الصارم والرقابة الدقيقة . وهو يعلم هذا ويستقيم في طريقه لا يتلفت هنا أو هناك . فهو يعلم ماذا حوله من الحرس والرصد , ويعلم ما هو مسلط عليه من علم وكشف !
إنه موقف يثير العطف على موقف الرسول , كما يثير الرهبة حول هذا الشأن الخطير .
ـــــــــــــ