قال تعالى: قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) [يوسف/11-13]
وَبَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا عَلَى الخُطَّةِ ، جَاؤُوا إلى أبِيهِمْ يَعْقُوبَ ، عَلَيهِ السَّلاَمُ ، يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيهِمْ بِأَخِيهِمْ يُوسفُ ، لِيُنَفِّذُوا فِيهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيهِ رَأْيُهُمْ مِنْ إِلْقَائِهِ فِي البِئْرِ ، وَهُمْ يَتَطَاهَرُونَ بِالنُّصْحِ وَالمَحَبَّةِ لأَخِيهِمْ يُوسُفَ . وَقَالُوا لأَبِيهِمْ: لِمَاذَا لاَ تَأَمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَنَحْنُ لَهُ نَاصِحُونَ؟ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا إِلَى البَرِّيَّةِ لِيَسْتَمْتِعَ بِرِفْقَتِنَا وَيَلْعَبَ ، وَإِنَّنَا نَتَكَفّّلُ بِحِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ . قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ: إِنَّهُ لَيَشُقُّ عَلَيْهِ مُفَارَقَةُ يُوسُفَ مُدًَّةَ ذَهَابِهِمْ بِهِ لِلرَّعْيِ لِفَرْطِ تَعَلُّقِهِ بِهِ ، وَلِمَا يَتَوَسَّمُهُ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ العَظِيمِ ، ثُمَّ إِنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَنْشَغِلُوا عَنْهُ فَيَأَتِيَهُ الذِئْبُ وَيَأْكُلَهُ ، وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ .
وقال تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) [يوسف/84-86]
وَأَعْرَضَ يَعْقُوبُ عَنْ بَنِيهِ ، وَقَالَ مُتَذَكِّرًا حُزْنَهُ القَدِيمَ عَلَى يُوسُفَ: ( يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ ) ، وَجَدَّدَ لَهُ حُزْنَهُ الجَدِيدُ عَلَى ابْنِهِ الأَصْغَر ، حُزْنَهُ الدَّفِينَ عَلَى يُوسُفَ ، وَعَمِيَتْ عَيْنَاهُ ، وَأَصَابَتْهُمَا غِشَاوَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ كَثْرَةِ البُكَاءِ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَكْظُمُ غَيْظَهُ عَلَى بَنِيهِ ، وَيَحْمِلُ مَصَابَهُ وَهُوَ صَامِتٌ لاَ يَشْكُو إِلَى مَخْلُوقٍ مَا يُعَانِيهِ .
وَقَالَ لَهُ أَبْنَاؤُهُ: إِنَّكَ لاَ تُفَارِقُ ذِكْرَ يُوسُفَ ، وَإِنَّنَا لَنَخَافُ عَلَيْكَ ، إِن اسْتَمَرَّتْ بِكَ هذِهِ الحَالُ ، أَنْ يَحِلَّ بِكَ الهَلاَكُ وَالتَّلَفُ ، وَأَنْ تَتَدَهْوَرَ صِحَّتُكَ وَتَضْعَفَ قِوَاكَ
فَأَجَابَهُمْ أَبُوهُمْ عَمَّا قَالُوهُ لَهُ: إِنَّهُ لاَ يَشْكُو إِلَيْهِمْ أَمْرَهُ وَحُزْنَهُ ، وَإِنَّمَا يَشْكُو ذَلِكَ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ ، وَإِنَّهُ يَرْجُو مِنْهُ وَحْدَهُ الخَيْرَ ، لأَنَّهُ يَعْلَمُ مِنَ اللهِ أَنَّ رُؤْيَا يُوسُفَ صَادِقَةٌ ، وَأَنَّهَا لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ أَنْ تَتَحَقَّقَ ، وَأَنَّهُ وَأَبْنَاءَهُ سَيَسْجُدُونَ لَهُ تَعْظِيمًا لأَمْرِهِ ، وَأَنَّ الأَوْلاَدَ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلاَ يُدْرِكُونَهُ .
ـــــــــــــ