فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 139

قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) [النساء/115]

مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - بِارْتِدَادِهِ عَنِ الإِسْلاَمِ ، وَإِظْهَارِ العَدَاوَةِ لَهُ ، وَمَنْ يَسْلُكْ غَيْرَ طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ التِي جَاءَ بِهَا الرَّسُولُ ، فَصَارَ فِي شِقٍّ ، وَالشَّرْعُ فِي شِقٍّ آخَرَ ، وَذَلِكَ عَنْ عَمَدٍ مِنْهُ ، بَعْدَمَا ظَهَرَ لَهُ الحَقُّ ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الرُّشْدُ ، وَمَنْ يَتَّبعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ ، التِي قَامَ عَلَيْهَا إِجْمَاعُ الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ ( وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ دَلِيلٌ عَلَى العِصْمَةِ مِنَ الخَطَأ ) ، جَازَاهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُحَسِّنَ لَهُ أَفْعَالَهُ فِي صَدْرِهِ ، وَيُزَيِّنَهَا لَهُ اسْتِدْارَجًا لَهُ ، وَيَجْعَلَ مَصِيرَهُ فِي جَهَنَّمَ ، يَصْطَلِي بِلَظَاهَا ، وَسَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمَصِيرًا .

وقد ذكر في سبب نزول هذه المجموعة من الآيات . أن بشير بن أبيرق قد ارتد والتحق بالمشركين . . { من بعد ما تبين له الهدى } . . فقد كان في صفوف المسلمين ، ثم اتبع غير سبيل المؤمنين . . ولكن النص عام ، ينطبق على كل حالة ، ويواجه كل حالة من مشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومشاقته كفر وشرك وردة ، ينطبق عليه ما ينطبق على ذلك الحادث القديم .والمشاقة - لغة - أن يأخذ المرء شقًا مقابلًا للشق الذي يأخذه الآخر . والذي يشاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يأخذ له شقًا وجانبًا وصفًا غير الصف والجانب والشق الذي يأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعنى هذا أن يتخذ له منهجًا للحياة كلها غير منهجه ، وأن يختار له طريقًا غير طريقه . فالرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء يحمل من عند الله منهجًا كاملًا للحياة يشتمل على العقيدة والشعائر التعبدية ، كما يشتمل على الشريعة والنظام الواقعي لجوانب الحياة البشرية كلها . . وهذه وتلك كلتاهما جسم هذا المنهج ، بحيث تزهق روح هذا المنهج إذا شطر جسمه فأخذ منه شق وطرح شق! والذي يشاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو كل من ينكر منهجه جملة ، أو يؤمن ببعض ويكفر ببعض ، فيأخذ بشق منه ويطرح شقًا!

وقد اقتضت رحمة الله بالناس ، ألا يحق عليهم القول ، ولا يصلوا جهنم وساءت مصيرًا ، إلا بعد أن يرسل إليهم رسولًا . وبعد أن يبين لهم . وبعد أن يتبينوا الهدى . ثم يختاروا الضلالة . وهي رحمة الله الواسعة الحانية على هذا المخلوق الضعيف . فإذا تبين له الهدى . أي إذا علم أن هذا المنهج من عند الله . ثم شاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه ، ولم يتبعه ويطعه ، ولم يرض بمنهج الله الذي تبين له ، فعندئذ يكتب الله عليه الضلال ، ويوليه الوجهة التي تولاها ، ويلحقه بالكفار والمشركين الذين توجه إليهم . ويحق عليه العذاب المذكور في الآية بنصه: { ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ، ونصله جهنم . وساءت مصيرًا! } . .

وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) [محمد/32 ]

إنَّ الذِينَ كَفَرُوا باللهِ ، وَارتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَم وَخَالَفُوا الرَّسُولَ ، وَوَقَفُوا في وَجْهِ الحَقِّ أنْ يَبْلغَ النَّاسَ ، وَصَدُّوا النَّاسَ عنِ الدُّخُولِ في الإِسْلامِ بالقُّوَّةِ وبِالمَالِ وَبالخِدَاعِ ، وَشَاقُّوا الرَّسُولَ بِمُحَارَبتِهِ في حَيَاتِهِ ، وَبِمُحَارَبةِ دِينِهِ أَوْ شَرِيعَتِهِ بَعْدَ مَماتِهِ .

إنَّ الذِينَ يُقْدِمُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ ، بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ هُوَ الحَقُّ ، فَإنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيئًا ، لأنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ، وَنَاصِرُ رَسُولِهِ وَمُظْهِرُ دِينِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّه ، وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ ، وَسَيُحْبِطُ اللهُ أعْمَالَهَم ، فَتَنْتَهِي إلى الخَيْبَةِ والدَّمَارِ .

إنه قرار من الله مؤكد ، ووعد منه واقع: أن الذين كفروا ، ووقفوا في وجه الحق أن يبلغ إلى الناس؛ وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع أو أية وسيلة من الوسائل ، وشاقوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته بإعلان الحرب عليه ، والمخالفة عن طريقه ، والوقوف في غير صفه . أو بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه والمتبعين لسنته والقائمين على دعوته . وذلك { من بعد ما تبين لهم الهدى } . . وعرفوا أنه الحق؛ ولكنهم اتبعوا الهوى ، وجمح بهم العناد ، وأعماهم الغرض ، وقادتهم المصلحة العاجلة . .

قرار من الله مؤكد ، ووعد من الله واقع أن هؤلاء { لن يضروا الله شيئًا } . . وهم أضأل وأضعف من أن يذكروا في مجال إلحاق ضرر بالله سبحانه وتعالى . فليس هذا هو المقصود . إنما المقصود أنهم لن يضروا دين الله ولا منهجه ولا القائمين على دعوته .

ولن يحدثوا حدثًا في نواميسه وسننه . مهما بلغ من قوتهم ، ومهما قدروا على إيذاء بعض المسلمين فترة من الوقت . فإن هذا بلاء وقتي يقع بإذن الله لحكمة يريدها؛ وليست ضرًا حقيقيًا لناموس الله وسنته ونظامه ونهجه وعباده القائمين على نظامه ونهجه . والعاقبة مقررة: { وسيحبط أعمالهم } . . فتنتهي إلى الخيبة والدمار . كما تنتهي الماشية التي ترعى ذلك النبات السام!

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت