فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 139

قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) [الحجرات/3، 4]

والذِينَ يَخْفِضُونَ أصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ في حَضْرَتِهِ إِجْلالًا واحتِرامًا ، هُمُ الذِينَ ابتْلَى اللهُ قُلُوبَهم بالمِحَنِ والتَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ ، حَتَّى تَطَهَّرَتْ وَصَفَتْ بِما كَابَدَتْهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى المَشَاقِّ ، وَهَؤُلاءِ لَهُم مَغْفِرةٌ مِنْ رَبِّهمْ لذُنُوبِهمْ ، وَلَهُم ثَوَابٌ عَظِيمٌ عَلَى غَضِّهم أصْواتَهم عِنْدَ النَّبِيِّ احتِرامًا مِنْهُمْ لَهُ ، وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ .

اجْتَمعَ أناسٌ مِنَ العَرَبِ فَقَالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إِلى هَذَا الرَّجلِ ، فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا فَنَحْنَ أسْعَدُ النَّاسِ بِهِ ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا نَعِشْ بِجَنَاحِهِ ، فَجَاؤُوا إلى حُجْرِةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ وَهُو في حُجْرتِهِ: يَا مُحَمَّدُ . فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هَذِهِ الآيةَ الكَريمةَ تأدِيبًا لهؤُلاءِ وأمْثَالِهِمْ ، الذِينَ يَأتُونَ إِلى النَّبيِّ ، وَهُوَ في بَيْتِهِ مَعَ نِسَائِهِ ، فَيُنَادُونَهُ بأصْواتٍ مُرْتَفِعةٍ لِيَخْرُجَ إليهِمْ .

وَيَقُولُ تَعَالى: إِنَّ الذِينَ يَفْعَلُون ذَلِكَ أكْثَرُهُم جُهَّالٌ بِمَا يَجِبُ لِلرَّسُولِ مِنَ التَّعظِيمِ وَالاحتِرامِ .

فالتقوى هبة عظيمة ، يختار الله لها القلوب ، بعد امتحان واختبار ، وبعد تخليص وتمحيص ، فلا يضعها في قلب إلا وقد تهيأ لها ، وقد ثبت أنه يستحقها . والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله قد اختبر الله قلوبهم وهيأها لتلقي تلك الهبة . هبة التقوى . وقد كتب لهم معها وبها المغفرة والأجر العظيم .

إنه الترغيب العميق ، بعد التحذير المخيف .بها يربي الله قلوب عباده المختارين ، ويعدها للأمر العظيم . الذي نهض به الصدر الأول على هدى من هذه التربية ونور .

وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ارتفعت أصواتهما ، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف . فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا!

وعرف علماء هذه الأمة وقالوا: إنه يكره رفع الصوت عند قبره - صلى الله عليه وسلم - كما كان يكره في حياته - عليه الصلاة والسلام - احترامًا له في كل حال .

ثم أشار إلى حادث وقع من وفد بني تميم حين قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العام التاسع الذي سمي « عام الوفود » . . لمجيء وفود العرب من كل مكان بعد فتح مكة ، ودخولهم في الإسلام ، وكانوا أعرابًا جفاة ، فنادوا من وراء حجرات أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - المطلة على المسجد النبوي الشريف: يا محمد . اخرج لنا . فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الجفوة وهذا الإزعاج . فنزل قوله تعالى: { إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم ، والله غفور رحيم } . .

فوصفهم الله بأن أكثرهم لا يعقلون . وكرّه إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي - صلى الله عليه وسلم - وحرمة رسول الله القائد والمربي . وبيّن لهم الأولى والأفضل وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم . وحبب إليهم التوبة والإنابة ، ورغبهم في المغفرة والرحمة .

وقد وعى المسلمون هذا الأدب الرفيع ، وتجاوزوا به شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كل أستاذ وعالم . لا يزعجونه حتى يخرج إليهم؛ ولا يقتحمون عليه حتى يدعوهم . . يحكى عن أبي عبيد - العالم الزاهد الراوية الثقة - أنه قال: « ما دققت بابًا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه » .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت