فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 139

قال تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) [الأنعام/34، 35]

يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى نَظَرَ رَسُولِهِ إلى مَا لاَقَاهُ الرُّسُلُ قَبْلَهُ مِنْ تَكْذِيبِ أَقْوَامِهِمْ لَهُمْ ، فَصَبَرُوا عَلَى الإِيذَاءِ وَالتَّكْذِيبِ ، حَتَّى جَاءَ نَصْرُ اللهِ . ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَعَلَيْكَ أيُّهَا الرَّسُولُ أنْ تَتَأَسَى بِهِمْ ، وَتَصْبِرَ ، فَكَمَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ مَنْ سَبَقَكَ مِنَ الرُّسُلِ ، كَذَلِكَ سَيَنْصُرُكَ اللهُ عَلَى أَعْدَائِكَ الكَافِرِينَ ، وَلاَ مُبَدِّلَ لَكَلِمَاتِ اللهِ التِي قَضَى فِيهَا أنَّ النَّصْرَ وَالعَاقِبَةَ سَتَكُونَانِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ . وَلَقَدْ جَاءَكَ أيُّهَا الرَّسُولُ نَبَأُ نَصْرِ اللهِ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُمْ وَعَادَاهُمْ مِنْ أَقْوَامِهِمْ ، فِيمَا قَصَّهُ عَلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ نَبَأِ المُرْسَلِينَ قَبْلَكَ ، وَفِي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَكَ ، وَتَثْبِيتٌ . إن موكب الدعوة إلى الله موغل في القدم ، ضارب في شعاب الزمن ، ماض في الطريق اللاحب ، ماض في الخط الواصب . . مستقيم الخطى ، ثابت الأقدام . يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل ، ويقاومه التابعون من الضالين والمتبوعون ، ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة ، وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء . . والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد . . والعاقبة هي العاقبة ، مهما طال الزمن ومهما طال الطريق . . إن نصر الله دائمًا في نهاية الطريق: { ولقد كذبت رسل من قبلك ، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ، ولا مبدل لكلمات الله ، ولقد جاءك من نبأ المرسلين } . .

كلمات يقولها الله - سبحانه - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - . . كلمات للذكرى ، وللتسرية وللمواساة ، والتأسية . . وهي ترسم للدعاة إلى الله من بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طريقهم واضحًا ، ودورهم محددًا ، كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته ، ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق . . .

إنها تعلمهم أن سنة الله في الدعوات واحدة . كما أنها كذلك وحدة . وحدة لا تتجزأ . . دعوة تتلقاها الكثرة بالتكذيب ، وتتلقى أصحابها بالأذى . . وصبر من الدعاة على التكذيب وصبر كذلك على الأذى . . وسنة تجري بالنصر في النهاية . . ولكنها تجيء في موعدها . لا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة الأبرياء الطيبين المخلصين يتلقون الأذى والتكذيب ، ولا أن المجرمين الضالين والمضلين يقدرون على أذى المخلصين الأبرياء الطيبين! ولا يعجلها كذلك عن موعدها أن صاحب الدعوة المخلص المتجرد من ذاته ومن شهواته إنما يرغب في هداية قومه حبًا في هدايتهم ، ويأسى على ما هم فيه من ضلال وشقوة ، وعلى ما ينتظرهم من دمار وعذاب في الدنيا والأخرة .

.لا يعجلها عن موعدها شيء من ذلك كله . فإن الله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه . ولا مبدل لكلماته . سواء تعلقت هذه الكلمات بالنصر المحتوم ، أم تعلقت بالأجل المرسوم .إنه الجد الصارم ، والحسم الجازم ، إلى جانب التطمين والتسرية والمواساة والتسلية . .ثم يبلغ الجد الصارم مداه ، في مواجهة ما عساه يعتمل في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرغبة البشرية ، المشتاقة إلى هداية قومه ، المتطلعة إلى الاستجابة لما يطلبونه من آية لعلهم يهتدون . وهي الرغبة التي كانت تجيش في صدور بعض المسلمين في ذلك الحين ، والتي تشير إليها آيات أخرى في السورة آتية في السياق . وهي رغبة بشرية طبيعية . ولكن في صدد الحسم في طبيعة هذه الدعوة ومنهجها ودور الرسل فيها ، ودور الناس أجمعين ، تجيء تلك المواجهة الشديدة في القرآن الكريم: { وإن كان كبر عليك إعراضهم ، فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض ، أو سلمًا في السماء ، فتأتيهم بآية! ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين . إنما يستجيب الذين يسمعون . والموتى يبعثهم الله ، ثم إليه يرجعون } . .وإنه للهول الهائل ينسكب من خلال الكلمات الجليلة . . وما يملك الإنسان أن يدرك حقيقة هذا الأمر ، إلا حين يستحضر في كيانه كله: أن هذه الكلمات موجهة من رب العالمين إلى نبيه الكريم . . النبي الصابر من أولي العزم من الرسل . . الذي لقي ما لقي من قومه صابرًا محتسبًا ، لم يدع عليهم دعوة نوح - عليه السلام - وقد لقي منهم سنوات طويلة ، ما يذهب بحلم الحليم!. . . تلك سنتنا - يا محمد - فإن كان قد كبر عليك إعراضهم ، وشق عليك تكذيبهم ، وكنت ترغب في إتيانهم بآية . . إذن . . فإن استطعت فابتغ لك نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء ، فأتهم بآية!. . . إن هداهم لا يتوقف على أن تأتيهم بآية . فليس الذي ينقص هو الآية التي تدلهم على الحق فيما تقول . . ولو شاء الله لجمعهم على الهدى: إما بتكوين فطرتهم من الأصل على أن لا تعرف سوى الهدى - كالملائكة - وإما بتوجيه قلوبهم وجعلها قادرة على استقبال هذا الهدى والاستجابة إليه . وإما بإظهار خارقة تلوي أعناقهم جميعًا . وإما بغير هذه من الوسائل وكلها يقدر الله عليها .

ولكنه سبحانه - لحكمته العليا الشاملة في الوجود كله - خلق هذا الخلق المسمى بالإنسان ، لوظيفة معينة ، تقتضي - في تدبيره العلوي الشامل - أن تكون له استعدادات معينة غير استعدادات الملائكة . من بينها التنوع في الاستعدادات ، والتنوع في استقبال دلائل الهدى وموحيات الإيمان ، والتنوع في الاستجابة لهذه الدلائل والموحيات . في حدود من القدرة على الاتجاه ، بالقدر الذي يكون عدلًا معه تنوع الجزاء على الهدى والضلال . .لذلك لم يجمعهم الله على الهدى بأمر تكويني من عنده ، ولكنه أمرهم بالهدى وترك لهم اختيار الطاعة أو المعصية ، وتلقي الجزاء العادل في نهاية المطاف .. فاعلم ذلك ولا تكن مما يجهلونه . { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى . فلا تكونن من الجاهلين } .

يا لهول الكلمة! ويا لحسم التوجيه! ولكنه المقام الذي يقتضي هول الكلمة وحسم التوجيه . .

ــــــــــــ

الرسل مبشرون ومنذرون

قال تعالى: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) [الأنعام/48، 49]

إنَّ اللهَ تَعَالَى يُرْسِلُ الرُّسُلَ لِيُبَشِّرُوا ، مَنْ آمَنَ ، بِالجَنَّةِ ، وَحُسْنِ الثَّوَابِ ، وَلِيُنْذِرُوا ، مَنْ كَفَرَ وَعَتَا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ، بِالعُقُوبَةِ وَالعَذَابِ ، فَالذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، فَهَؤُلاَءِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ، مِمَّا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَلاَ يَحْزَنُونَ عَلى مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيا .

أمَّا الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمِ ، فَإنَّهُمْ سَيُصِيبَهُمُ العَذَابُ ، بِمَا كَفَرُوا بِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ ، وَخَرَجُوا عَنْ أَوَامِرِ رَبِّهِمْ ، وَلَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ .

لقد كان هذا الدين يعد البشرية للرشد العقلي ، ويؤهلها لاستخدام هذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان استخدامًا كاملًا في إدراك الحق الذي تنبث آياته في صفحات الوجود ، وفي أطوار الحياة ، وفي أسرار الخلق؛ والذي جاء هذا القرآن لكشفه وتجليته وتوجيه الإدراك البشري إليه . .

وكان هذا كله يقتضي الانتقال بالبشرية من عهد الخوارق الحسية؛ التي تلوي الأعناق وتجبر المنكرين على الإذعان ، أمام القهر بالخارقة المادية البادية للعيان! إلى توجيه الإدراك البشري لملاحظة بدائع الصنعة الإلهية في الوجود كله . وهي في ذاتها خوارق معجزة . . ولكنها خوارق دائمة يقوم عليها كيان الوجود ، ويتألف منها قوامه وإلى مخاطبة هذا الإدراك بكتاب من عند الله باهر معجز في تعبيره ومعجز في منهجه ومعجز في الكيان الاجتماعي العضوي الحركي الذي يرمي إلى إنشائه على غير مثال . والذي لم يلحق به من بعده أي مثال!

وقد اقتضى هذا الأمر تربية طويلة ، وتوجيهًا طويلًا ، حتى يألف الإدراك البشري هذا اللون من النقلة ، وهذا المدى من الرقي؛ وحتى يتجه الإنسان إلى قراءة سفر الوجود بإدراكه البشري ، في ظل التوجيه الرباني ، والضبط القرآني ، والتربية النبوية . . قراءة هذا السفر قراءة غيبية واقعية إيجابية في آن واحد ، بعيدة عن منهج التصورات الذهنية التجريدية التي كانت سائدة في قسم من الفلسفة الإغريقية واللاهوت المسيحي؛ وعن منهج التصورات الحسية المادية التي كانت سائدة في قسم من تلك الفلسفة وفي بعض الفلسفة الهندية والمصرية والبوذية والمجوسية كذلك ، مع الخروج من الحسية الساذجة التي كانت سائدة في العقائد الجاهلية العربية!

وجانب من تلك التربية وهذا التوجيه يتمثل في بيان وظيفة الرسول ، وحقيقة دوره في الرسالة على النحو الذي تعرضه هاتان الآيتان - كما ستعرضه الموجة التالية في سياق السورة - فالرسول بشر ، يرسله الله ليبشر وينذر ، وهنا تنتهي وظيفته ، وتبدأ استجابة البشر ، ويمضي قدر الله ومشيئته من خلال هذه الاستجابة ، وينتهي الأمر بالجزاء الإلهي وفق هذه الاستجابة . . فمن آمن وعمل صالحًا يتمثل فيه الإيمان ، فلا خوف عليه مما سيأتي ولا هو يحزن على ما أسلف . فهناك المغفرة على ما أسلف ، والثواب على ما أصلح .

.ومن كذب بآيات الله التي جاءه بها الرسول ، والتي لفته إليها في صفحات هذا الوجود . يمسهم العذاب بسبب كفرهم ، الذي يعبر عنه هنا بقوله: { بما كانوا يفسقون } حيث يعبر القرآن غالبًا عن الشرك والكفر بالظلم والفسق في معظم المواضع . .

تصور واضح بسيط لا تعقيد فيه ولا غموض . وبيان محكم عن الرسول ووظيفته وحدود عمله في هذا الدين . . تصور يفرد الله سبحانه بالألوهية وخصائصها؛ ويرد إلى مشيئة الله وقدره الأمر كله ، ويجعل للإنسان - من خلال ذلك - حرية اتجاهه وتبعة هذا الاتجاه ، ويبين مصائر الطائعين لله والعصاة بيانًا حاسمًا؛ وينفي كل الأساطير والتصورات الغامضة عن طبيعة الرسول وعمله ، مما كان سائدًا في الجاهليات . . وبذلك ينقل البشرية إلى عهد الرشد العقلي؛ دون أن يضرب بها في تيه الفلسفات الذهنية ، والجدل اللاهوتي ، الذي استنفذ طاقة الإدراك البشري أجيالًا بعد أجيال!!!

وقال تعالى: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) [الكهف/56]

وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا: إِنَّهُ لاَ يُرْسِلُ الرُّسُلَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ مِنْ صَدَّقَهُمْ ، وَآمَنَ بِدَعْوَتِهِمْ ، بِأَنَّ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم الحُسْنَى؛ وَمُنْذِرِينَ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَخَالَفَهُمْ ، عِقَابَ اللهِ وَعَذَابَهُ ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لاَ يُرْسِلُ المُرْسَلِينَ لِيَقْتَرِحَ عَلَيْهِمُ الظَّالِمُونَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ ، وَيَطْلُبُوا مِنْهُمْ مَا لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهِ . وَالظَّالِمُونَ الكُفَّارُ لاَ يُجَادِلُونَ ، وَلا يَقْتَرِحُونَ لِلاسْتِرْشَادِ وَالاهْتِدَاءِ ، وَإِنَّمَا يُجَادِلُونَ بِالبَاطِلِ لِيُضْعِفُوا الحَقَّ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ الرُّسُلُ ، وَيُبْطِلُوهُ ( لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ) ، وَلَنْ يَبْلُغُوا غَايَتَهُمْ . وَقَدِ اتَّخَذُوا جَمِيعَ الحُجَجِ وَالمُعْجِزَاتِ التِي جَاءَهُمْ بِهَا رُسُلُهُمْ ، وَالعَذَابِ الَّذِي حَذَّرُوهُمْ مِنْهُ ، وَخَوّفُوهُمْ مِنْ نُزُولِهِ بِهِمْ . . . هُزْوًا وَسُخْرِيَةً .

ــــــــــــ

جزاء من سخر بآيات الله وكذب رسله

قال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) [الكهف/103-106]

قُلْ ، أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلاَءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَكَ بِالبَاطِلِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ: هَلْ تُرِيدُونَ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا؟ إِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا اللهَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَةٍ يَرْضَاهَا تَعَالَى ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُصِيبُونَ فِيهَا ، وَأَنَّ عَمَلَهُمْ مَقْبُولٌ . وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ مُخْطِئُونَ وَاهِمُونَ ، وَعَمَلُهُمْ مَرْدُودٌ .

يُفَسِّرُ اللهُ تَعَالَى هُنَا مَعْنَى ( الأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ) ، وَيَدُلٌّ عَلَيْهِمْ ، فَيَقُولُ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا أَعْمَالًا بَاطِلَةً عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ مِنَ الهُدَى وَالصَّوَابِ ، وَأَنَّهُمْ مَقْبُولُونَ وَمَحْبُوبُونَ ، وَأَنَّ أَعْمَالَهُمْ حَسَنَةٌ يَقْبَلُهَا اللهُ تَعَالَى . وَهَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ، وَكَفَرُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا ، وَكَفَرُوا بِحُجَجِ رَبِّهِمْ وَبَرَاهِينِهِ وَدَلاَئِلِهِ التِي أَقَامَهَا عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ ، وَصِدْقِ رُسُلِهِ ، وَكَذَّبُوا بِالآخِرَةِ وَالحِسَابِ ، فَهَلَكَتْ أَعْمَالُهُمْ وَبَطَلَتْ ( حَبِطَتْ ) ، فَلاَ تَزِنُ أَعْمَالُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ شَيْئًا ، وَلاَ يَكُونُ فِي كَفَّةِ أَعْمَالِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَلٌ صَالِحٌ يُرَجِّحُهَا ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ خَالِيَةٌ مِنْ عَمَلِ خَيْرٍ ، وَالمَوَازِينُ لاَ تَرْجَحُ وَلاَ تَثْقُلُ إِلاَّ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ . ( وَفِي الحَدِيثِ:"يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِرَجُلٍ عَظِيمٍ طَوِيلٍ فَلاَ يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جُنَاحَ بَعُوضَةٍ") . ( رَوَاهُ البُخَارِيُّ ) .

وَيَكُونُ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ اللهِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، العَذَابَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، وَقَدْ جَازَاهُمُ اللهُ بِهَذا الجَزَاءِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ، وَاتِّخَاذِهِمْ ، آيَاتِ اللهِ وَرُسُلِهِ وَنُذُرِهِ هُزْوًا ، فَاسْتَهْزَؤُوا وَكَذَّبُوا الرُّسُلَ أَشَدَّ التَّكْذِيبِ .

أي: قل يا محمد، للناس -على وجه التحذير والإنذار-: هل أخبركم بأخسر الناس أعمالا على الإطلاق؟

{ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: بطل واضمحل كل ما عملوه من عمل، يحسبون أنهم محسنون في صنعه، فكيف بأعمالهم التي يعلمون أنها باطلة، وأنها محادة لله ورسله ومعاداة؟"فمن هم هؤلاء الذين خسرت أعمالهم،فـ { فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة؟ ألا ذلك هو الخسران المبين } "

{ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ } أي: جحدوا الآيات القرآنية والآيات العيانية، الدالة على وجوب الإيمان به، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر.

{ فَحَبِطَتْ } بسبب ذلك { أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } لأن الوزن فائدته، مقابلة الحسنات بالسيئات، والنظر في الراجح منها والمرجوح، وهؤلاء لا حسنات لهم لعدم شرطها، وهو الإيمان، كما قال تعالى { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا } لكن تعد أعمالهم وتحصى، ويقررون بها، ويخزون بها على رءوس الأشهاد، ثم يعذبون عليها، ولهذا قال: { ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ } أي: حبوط أعمالهم، وأنه لا يقام لهم يوم القيامة، { وَزْنًا } لحقارتهم وخستهم، بكفرهم بآيات الله، واتخاذهم آياته ورسله، هزوا يستهزئون بها، ويسخرون منها، مع أن الواجب في آيات الله ورسله، الإيمان التام بها، والتعظيم لها، والقيام بها أتم القيام، وهؤلاء عكسوا القضية، فانعكس أمرهم، وتعسوا، وانتكسوا في العذاب.

ــــــــــــ

الله يرعى الرسل ويختارهم

قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) [القصص/7]

لَمَّا أَكثرَ فِرعَونَ القَتْلَ في بَني إِسرائيلَ خَافَ الأَقباطُ أَن يَفْنَى بَنُو إِسرائيلَ ، فَيُضْطَرُّ القِبطُ ، إِلى القِيامِ بِمَا يَقُومُ بهِ بَنُو إِسْرائيلَ مِنَ الأَعمَالِ الشَّاقةِ ، فَقَالُوا لِفرعَوْنَ ذَلِكَ ، فَأَمرَ بِقْتْلِ الوِلْدَانِ عَامًا ، وَتَركِهِمْ عَامًا ، فَوُلِدَ هارُونُ في السَّنةِ التي يَتْركُونَ فِيها الذُّكُورَ ، وَوُلِدَ مُوسَى في السَّنةِ التي يَقْتُلُونَ فِيها الذُّكُورَ فَخَافَتْ أُمُهُ عَلَيه ، وَضَاقَتْ بهِ ذَرْعًا ، وَقَدْ أَحَبَّتْهُ حُبًّا شَديدًا ( فَفَدْ أَلقى اللهُ تَعَالى مَحَبَّتَهُ في قَلْبِ كُلِّ مَنْ رَآهُ كَمَا جَاءَ في حُبًّا شَديدًا( فَقَدْ أَلقى اللهُ تَعَالَى مَحَبَّتَهُ في قَلْبِ كُلِّ مَنْ رَآهُ كَمَا جَاءَ في آيةٍ أُخْرى ) فَأَلْهَمَهَا اللهُ أَنْ تَضَعَهُ فِي تَابُوتٍ ، وَتَقْذِفَهُ فِي المَاءِ حِينَمَا يَدْخُلُ عَلَيها أَحْدٌ تَخَافُهُ . وَرَبَطَتِ التَّابُوتَ بِحَبْلٍ فإِذا ذَهَبَ مَا تَحْذَرُهُ جَذَبَتِ الحَبلَ وأَخْرَجَتْ مُوسَى مِنَ التَّابُوتِ . وذَات يومٍ دَخَلَ عَلَيها مَنْ تَحْذَرُهُ ، فَوَضَعَتْ مُوسَى في المَهْدِ ، وَنَسِيَتْ رَبطَ الحَبْلِ ، فَذَهَبَ بهِ المَاءُ ، واحتَمَلَهُ حَتَّى مَرَّ بهِ أَمامَ دارِ فِرعَونَ . وَقَدْ وَعَدَ اللهُ أُمَّ مُوسَى بمَا يُسلِّيها ، ويُطْمْئِنُ قَلبَها ، وَهُوَ أَنَّهُ سَيَحفَظُهُ لَهَا ، وَسَيَرُدُّهُ إِليها لِتكُونَ مُرضِعَتَهُ ، وأَنَّهُ سيَجعَلُهُ مُرْسَلًا إِلى فِرْعوْنَ الطَّاغِيَةِ ، وسَيَجْعَلُ على يَدَيهِ هَلاَكَ فِرعَونَ ، ونَجَاةَ بَني إِسْرائِيلَ مِمَّا هُمْ فيهِ .

يا لله! يا للقدرة! يا أم موسى أرضعيه . فإذا خفت عليه وهو في حضنك . وهو في رعايتك . إذا خفت عليه وفي فمه ثديك ، وهو تحت عينيك . إذا خفت عليه { فألقيه في اليم } !!

{ ولا تخافي ولا تحزني } إنه هنا . . في اليم . . في رعاية اليد التي لا أمن إلا في جوارها ، اليد التي لا خوف معها . اليد التي لا تقرب المخاوف من حماها . اليد التي تجعل النار بردًا وسلامًا ، وتجعل البحر ملجأ ومناما .اليد التي لا يجرؤ فرعون الطاغية الجبار ولا جبابرة الأرض جميعًا أن يدنوا من حماها الآمن العزيز الجناب .

{ إنا رادوه إليك } . . فلا خوف على حياته ولا حزن على بعده . . { وجاعلوه من المرسلين } . . وتلك بشارة الغد ، ووعد الله أصدق القائلين .

وقال تعالى: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه/37-41]

قَالَ لَهُ تَعَالَى: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ لَهُ أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ ، مَرَّةً أُخْرَى ، إِذْ تَوَلاَّهُ بِعِنَايَتِهِ ، وَأَكْرَمَهُ وَحِفَظَهُ وَرَعَاهُ ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَضَنَّ عَلَيْهِ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ فِيمَا سَأَلَ .

وَكَانَ فِرْعَوْنُ يَقْتُلُ الذُّكُورَ مِنْ مَوَالِيدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، لِرُؤْيَا رَآهَا فَأَزْعَجَتْهُ ، فَلَمَّا وُلِدَ مُوسَى خَافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ فِرْعَونُ ، فَأَلْهَمَ اللهُ أُمَّ مُوسَى إِلْهَامًا طَمْأَنَ قَلْبَها

وَهذا الإِلْهَامُ الَّذِي أَلْهَمَهَا اللهُ هُوَ أَنْ تَضَعَ مُوسَى فِي تَابُوتٍ صَغِيرٍ ، فَتَقْذِفَهُ فِي المَاءِ ( اليَمِّ ) ، فَيَحْمِلَهُ اليَمُّ إِلَى شَاطِئِ النَّهْرِ فِي المَكَانِ المُواجِهِ لِقَصْرِ فِرْعَوْنَ ، فَيَأْخُذُهُ فِرْعَوْنُ - وَهُوَ عَدُوٌّ للهِ وَلِمُوسَى - فَيُرَبِّيِهِ وَزَوْجَهُ ، وَيَقْذِفُ اللهُ حُبَّهُ فِي قَلْبِ فِرْعَوْنَ وَزَوْجِهِ ، وَهَكَذا يُرَبَّى مُوسَى بِعَيْنِ اللهِ وَرِعَايَتِهِ ، وَيُنْشَّأَ أَحْسَنَ تَنْشِئَةٍ ، فَفَعَلَتْ أُمُّ مُوسَى مَا أُلْقِيَ فِي رَوْعِهَا ، فَأَخَذَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ، وَفِرَحَتْ بِهِ زَوْجُهُ ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِ المَرَاضِعَ ، فَلَمْ يَكُنْ يَقْبَلُ الرَّضَاعَ مِنْ ثَدِيِ امْرَأَةٍ أُخْرَى ، وَذَلِكَ لِيُيَسِّرَ اللهُ عَوْدَتَهُ إِلَى أُمِّهِ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهَا وَلاَ تَحْزَنَ لِفِرَاقِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت