فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 139

قال تعالى: الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) [التوبة/97-99]

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ فِي الأَعْرَابِ ( وَالأَعْرَابُ هُمْ رِجَالُ البَادِيَةِ مِنَ العَرَبِ ) كُفّارًا وَمُنَافِقِينَ ، وَأَنَّ الكُفْرَ وَالنِّفَاقَ فِيهِمْ أَشَدُّ وَأَغْلَظُ مِمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ المُدُنِ ، نَظَرًا لِجَفَاءِ طِبَاعِهِمْ ، وَغِلْطَةِ قُلُوبِهِمْ ، وَلِبُعْدِهِمْ عَنِ الحِكْمَةِ ، وَمَنَابِعِ العِلْمِ ، وَلِذَلِكَ فَحَرِيٌّ بِهِمْ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ، وَلاَ أَحْكَامَ الإِسْلاَمِ ، لأَنَّهُمْ لاَ يَجِدُونَ مَنْ يُعَلِّمُهُمْ إِيَّاهَا ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يُصْلِحُ النَّاسَ ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ .

وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَعُدُّونَ مَا يُنْفِقُونَهُ مِنْ مَالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ غُرْمًا وَخَسَارًا ، يَحْتَمِلُونَهما مُكْرِهِينَ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ فِي ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى عَنِ الجِهَادِ ، وَأَعْمَالِ الخَيْرِ ، وَيَنْتَظِرُونَ أَنْ تَحِلَّ بِكُمُ المَصَائِبُ وَالكَوَارِثُ ، وَأَنْ تَدُورَ عَلَيْكُمُ الدَّوَائِرُ فِي الحَرْبِ . وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ قَائِلًا: عَلَيْهِمْ هُمْ دَائِرةُ السَّوْءِ وَالبَوَارِ ، وَاللهُ سَمِيعٌ لِدُعَاءِ عِبَادِهِ المُخْلِصِينَ ، عَليمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الخِذْلاَنَ .

وَهُنَاكَ مِنَ الأَعْرَابِ جَمَاعَةٌ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ، وَاليَوْمِ الآخِرِ ، وَيَعُدُّونَ مَا يُنْفِقُونَهُ مِنْ مَالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ ، قُرْبَةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللهِ ، وَيَبْتَغُونَ بِهَا دُعَاءَ الرَّسُولِ لَهُمْ ( وَصَلَوَاتُ الرَّسُولِ ) لأَنَّهُ ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ ، كَانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ . وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ قَبِلَ هذِهِ النَّفَقَةَ مِنْهُمْ ، وَسَتَكُونُ قُرْبةً عَظِيمَةً لَهُمْ عِنْدَهُ ، وَسَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ، وَسَيَغْفِرُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ ، وَسَيَرْحَمُهُمْ لأَنَّهُ تَعَالَى كَثِيرُ الغُفْرَانِ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ ، رَحِيمٌ بِهِمْ .

والتعبير بهذا العموم يعطي وصفًا ثابتًا متعلقًا بالبدو وبالبداوة . فالشأن في البدو أن يكونوا أشد كفرًا ونفاقًا ، وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله .

والجدارة بعدم العلم بما أنزل الله على رسوله ناشئة من ظروف حياتهم ، وما تنشئه في طباعهم من جفوة ، ومن بعد عن المعرفة وعن الوقوف عند الحدود ، ومن مادية حسية تجعل القيم المادية هي السائدة . وإن كان الإيمان يعدل من هذه الطباع ، ويرفع من تلك القيم ، ويصلهم بالأفق الوضيء المرتفع على الحسية .

وقد وردت روايات كثيرة عن جفوة الأعراب . . ومما أورده ابن كثير في التفسير

» قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان ، وهو يحدث أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم « نهاوند » ، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني ، وإن يدك لتريبني! فقال زيد: وما يربيك من يدي؟ إنها الشمال! فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال! فقال زيد ابن صوحان: صدق الله ورسوله: { الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } . « وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن وهب بن منبه ، عن ابن عباس ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: » من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن « .

ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولًا ، وإنما كانت البعثة من أهل القرى كما قال تعالى: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى } » ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرد عليه أضعافها حتى رضي - ، قال: « لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي » لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن: مكة والطائف والمدينة واليمن ، فهم ألطف أخلاقًا من الأعراب لما في طباع الأعراب من الجفاء

قال حديث مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو أسامة وابن نمير ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم! قالوا: لكنا والله ما نقبل! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « وما أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة؟ » .

وكثير من الروايات يكشف عن طابع الجفوة والفظاظة في نفوس الأعراب . حتى بعد الإسلام . فلا جرم يكون الشأن فيهم أن يكونوا أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ، لطول ما طبعتهم البداوة بالجفوة والغلظة عندما يقهرون غيرهم؛ أو بالنفاق والالتواء عندما يقهرهم غيرهم؛ وبالاعتداء وعدم الوقوف عند الحدود بسبب مقتضيات حياتهم في البادية .

{ والله عليم حكيم } . .عليم بأحوال عباده وصفاته وطباعهم . حكيم في توزيع المواهب والخصائص والاستعدادات ، وتنويع الأجناس والشعوب والبيئات .

وبعد الوصف الرئيسي العام للأعراب يجيىء التصنيف حسبما أحدث الإيمان في النفوس من تعديلات؛ وما أنشأه كذلك من فروق بين القلوب التي خالطتها بشاشته والقلوب التي بقيت على ما فيها من كفر ونفاق؛ مما يمثل الواقع في المجتمع المسلم حينئذاك: { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرمًا ، ويتربص بكم الدوائر . عليهم دائرة السوء ، والله سميع عليم } . .

وربما عجل بذكر المنافقين من الأعراب قبل المؤمنين منهم ، إلحاقًا لهم بمنافقي المدينة الذين كان يتحدث عنهم في المقطع السالف كله؛ وليتصل جو الحديث عن المنافقين من هؤلاء ومن هؤلاء . { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرمًا } . .

فهو مضطر لأن ينفق من ماله في الزكاة ، وفي غزوات المسلمين؛ تظاهرًا بالإسلام ، ليستمتع بمزايا الحياة في المجتمع المسلم؛ ومداراة للمسلمين وهم أصحاب السلطان اليوم في الجزيرة! وهو يعد ما ينفقه غرامة وخسارة يؤديها كارهًا ، لا مساعدة للغزاة المجاهدين ، ولا حبًا في انتصار الإسلام والمسلمين .

{ ويتربص بكم الدوائر } . .وينتظر متى تدور الدائرة على المسلمين ، ويتمنى ألا يعودوا من غزاة سالمين!

وهنا يعاجلهم السياق بدعاء من الله - سبحانه - عليهم؛ ودعاء الله معناه وقوع مدلول الدعاء عليهم: { عليهم دائرة السوء } . .

كأن للسوء دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم؛ وتدور عليهم فلا تدعهم . وذلك من باب تجسيم المعنوي وتخييله ، الذي يعمق وقع المعنى ويحييه .

{ والله سميع عليم } .والسمع والعلم يتناسبان هنا مع جو التربص بالسوء من أعداء الجماعة المسلمة ، والنفاق الذي تحتويه جوانحهم ، وتخفيه ظواهرهم . . والله سميع لما يقولون عليم بما يظهرون وما يكتمون .

وهناك الفريق الآخر ممن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان: { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول . ألا إنها قربة لهم . سيدخلهم الله في رحمته . إن الله غفور رحيم } . .

فهو الإيمان بالله واليوم الآخر باعث الإنفاق عند هذا الفريق ، لا الخوف من الناس ، ولا الملق للغالبين ، ولا حساب الربح والخسارة في دنيا الناس!

وهذا الفريق المؤمن بالله واليوم الآخر يبتغي بما ينفق أن يكون قربى من الله؛ ويتطلب صلوات الرسول . . أي دعواته . . الدالة على رضاه - صلى الله عليه وسلم - ، المقبولة عند الله ، وهو يدعو بها للمؤمنين بالله واليوم الآخر ، المنفقين ابتغاء القربى من الله ورضاه .

لذلك يبادر السياق فيقرر لهم أنها قربى مقبولة عند الله: { ألا إنها قربة لهم } . .

ويبشرهم بحسن العاقبة وعدًا من الله حقًا: { سيدخلهم الله في رحمته } . .

ويجسم الرحمة كأنها دار يدخلونها فتحتويهم؛ وذلك في مقابل تجسيم { دائرة السوء } على الفريق الآخر ، الذي يتخذ ما ينفق مغرمًا ، ويتربص بالمؤمنين الدوائر .

{ إن الله غفور رحيم } . .

يقبل التوبة ، ويتقبل النفقة ، ويغفر ما كان من ذنب ، ويرحم من يبتغون الرحمة . ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت