فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 139

قال تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) [يوسف/110]

يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلًا قَبْلَهُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعَالَى أَنْ يَتَرَاخَى نَصْرُ اللهِ عَنِ الرُّسُلِ ، وَأَنْ يَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ التَّكْذِيبِ مِنْ قَوْمِهِمْ ، حَتَّى إِذَا زُلْزِلَتِ النُّفُوسُ ، وَاسْتَشْعَرَتِ القُنُوطَ وَاليَأْسَ مِنَ النَّجَاةِ وَالنَّصْرِ ، فَحِينَئِذٍ يَأْتِي نَصْرُ اللهِ ، فَيُنَجِّي مَنْ يَشَاءُ اللهُ إِنْجَاءَهُ ، وَيُهْلِكُ مَنْ يَشَاءُ إِهْلاَكَهُ ، وَلاَ يَرُدُّ أَحَدٌ بَأْسَ اللهِ وَعِقَابَهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ .

وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( كُذِبُوا ) قَرَاءَتَانِ:

الأُولَى - ( كُذِّبُوا ) - بِضَمِّ الكَافِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ - وَكَذَلِكَ كَانَتْ تَقْرَؤُهَا عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا - وَمَعْنَاهَا: إِنَّ الرُّسُلَ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ ، وَلَنْ يُؤْمِنُوا لَهُمْ ، وَيَئِسُوا مِنْ قَوْمِهِم الكَافِرِينَ .

وَالثَّانِيَةُ - ( كُذِبُوا ) - بِضَمِ الكَافِ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ - وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا ابْنُ عَبَّاسٍ - وَمَعْنَاهَا: إِنَّهُ لَمَّا يَئِسَ الرُّسُلُ مِنْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُمْ قَوْمُهُمْ ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهُمْ ، جَاءَ نَصْرُ اللهِ فَأَيَّدَ الرُّسُلَ .

فَفِي القِرَاءَةِ الأُوْلَى: يَشْعُرُ الرُّسُلُ أَنَّهُمْ كُذِّبُوا مِنْ قِبَلِ أَقْوَامِهِمْ .

وَفِي القِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ: يُدْرِكُ القَوْمُ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوهُمْ بِمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ .

إنها صورة رهيبة ، ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل ، وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود . وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل ، وتكر الأعوام والباطل في قوته ، وكثرة أهله ، والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة .

إنها ساعات حرجة ، والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر . والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض . فتهجس في خواطرهم الهواجس . . تراهم كُذِبوا؟ ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا؟

وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر . وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله . . . ؟ } ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ ، ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس ، والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة ، وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات ، وما يحس به من ألم لا يطاق .

في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب ، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل ، ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة . . في هذه اللحظة يجيء النصر كاملًا حاسمًا فاصلًا: { جاءهم نصرنا ، فنجي من نشاء ، ولا يردُّ بأسنا عن القوم المجرمين }

تلك سنة الله في الدعوات . لا بد من الشدائد ، ولا بد من الكروب ، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة . ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس . يجيء النصر من عند الله ، فينجو الذين يستحقون النجاة ، ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين ، وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون . ويحل بأس الله بالمجرمين ، مدمرًا ماحقًا لا يقفون له ، ولا يصده عنهم ولي ولا نصير .

ذلك كي لا يكون النصر رخيصًا فتكون الدعوات هزلًا . فلو كان النصر رخيصًا لقام في كل يوم دعيٌّ بدعوة لا تكلفه شيئًا . أو تكلفه القليل . ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثًا ولا لعبًا . فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج ، ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء .

والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة ، لذلك يشفقون أن يدَّعوها ، فإذا ادَّعوها عجزوا عن حملها وطرحوها ، وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون؛ الذين لا يتخلون عن دعوة الله ، ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة!

إن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل؛ إما أن تربح ربحًا معينًا محددًا في هذه الأرض ، وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحًا وأيسر حصيلة! والذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير الله بالطاعة والاتباع في أي زمان أو مكان يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة ، ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل! إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال ويملكون استخفاف الجماهير حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود! ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى الله ، باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات! . . ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف ، وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثيرة التكاليف أيضًا . وأنه من ثم لا تنضم إليها في أول الأمر الجماهير المستضعفة ، إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله ، التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة ، وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا . وأن عدد هذه الصفوة يكون دائمًا قليلًا جدًا . ولكن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق ، بعد جهاد يطول أو يقصر . وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين الله أفواجًا .

وقال تعالى: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) [إبراهيم/44، 45]

خَوِّفْ أَيُّها الرَّسُولُ هَؤُلاَءِ الظَّالِمِينَ مِنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيَامَةِ وَشَدَّتِهِ ، إِذْ يَقُولُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذَابَ: رَبَّنا آخِّرْنا إِلَى مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ، وَنُؤْمِنَ بِكَ ، وَبِكُتُبِكَ وَرُسُلِكَ .

وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا: لَقَدْ كُنْتُمْ أَقْسَمْتُمْ ، وَأَنْتُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا ، أَنَّهُ لاَ زَوَالَ لَكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ ، وَأَنَّهُ لاَ حَشْرَ وَلاَ مَعَادَ وَلاَ حِسَابَ؟ فَذُوقُوا هَذَا العَذَابِ بِذَاكَ الكُفْرِ .

وَقَدْ بَلَغَكُمْ مَا أََنْزَلْنَاهُ مِنَ العِقَابِ الشَّدِيدِ بِالأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ التِي كَذَّبَتْ رُسُلَهَا ، وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ بِهِمْ ، وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ هَؤُلاَءِ المِكَذِّبِينَ ، وَلَمْ تَعْتَبِرُوا ، وَلَمْ تَزْدَجِرُوا عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالظُّلْمِ ، وَالآنَ تَسْأَلُونَ التَّأخِيرَ لِلتَّوْبَةِ حِينَ نَزَلَ بِكُمُ العَذَابُ ، فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لَقَدْ فَاتَ الأَوَانُ .

إن هذا المثل ليتجدد في الحياة ويقع كل حين . فكم من طغاة يسكنون مساكن الطغاة الذين هلكوا من قبلهم . وربما يكونون قد هلكوا على أيديهم . ثم هم يطغون بعد ذلك ويتجبرون؛ ويسيرون حذوك النعل بالنعل سيرة الهالكين؛ فلا تهز وجدانهم تلك الآثار الباقية التي يسكنونها ، والتي تتحدث عن تاريخ الهالكين ، وتصور مصائرهم للناظرين . ثم يؤخذون إخذة الغابرين ، ويلحقون بهم وتخلوا منهم الديار بعد حين!

وقال تعالى: وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) [الفرقان/35-38]

ولقَدْ أنْزَلنا التوراةَ على مُوسَى ، كما أنزلْنَا عليكَ القرآنَ يا مُحمدُ ، وجعلنا مَعَهُ أخَاهُ هارونَ وزيرًا وظَهِيرًا ومُعِينًا .

وأرْسَلَهُمَا اللهُ تَعالى إلى فِرعَونَ وقَوْمِهِ ، فَكَذَّبُوا بآياتِ اللهِ ، فَدَمَّرَهُمُ اللهُ تَدْمِيرًا ، وأغْرَقَهُمْ في صَبيحةٍ واحدةٍ .

وَاذْكُرْ قَوْمَ نُوحٍ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ نُوحًا عليهِ السَّلامُ ، وقَدْ لَبِثَ فيهمْ أمَدًا طَويلًا يَدْعُوهُم إلى اللهِ ، ويُحَذِّرُهُمْ نِقَمَهُ ، فلَم يُؤْمِنْ لَهُ إلا قليلٌ منهمْ ( كما جَاءَ في آيةٍ أُخْرى ) ، فأغْرَقَهُمُ اللهُ جَمِيعًا بالطُّوفان ، ولمْ يُبْقِ مِنْهُم إلا مَنْ كَانَ في السَّفينةِ مَعَ نُوحٍ ، وَجَعَلُهُمُ اللهُ عِبْرَةً للنَّاسِ ، وقَدْ أعَدَّ اللهُ للكَافرينَ الظَّالمينَ عَذَابًا أليمًا في الدُّنيا والآخِرَةِ .

( وفي هذا تَحْذيرٌ لقُرَيِشٍ بأَنَّهُمْ سَيَحِلُّ بهِمْ ما حَلَّ بالأُمَمِ السَّالِفَةِ ) .

وقَدْ كَذَّبَ قومُ عَادٍ رَسُولَهُمْ هُودًا عليهِ السَّلامُ ، وكَذَّبَ قومُ ثَمُودَ نَبيَّهمْ صَالحًا ، وكذَّبَ أصحابُ الرَّسِّ رسولَهُم ، وقد كَذَّبَتْ جميعُ هذه الأقوامِ رسُلَهَا فأهْلَكَها الله ، كما أهْلَكَ أُمَمًا وأقْوامًا آخَرينَ ( قُرونًا ) غيرَ هؤلاءِ لَمَّا كَذَّبُوا رسُلَهُمْ .

فهذا موسى يؤتى الكتاب ويرسل معه أخوه هارون وزيرًا ومعينًا . ويؤمر بمواجهة { القوم الذين كذبوا بآياتنا } ذلك أن فرعون وملأه كانوا مكذبين بآيات الله حتى قبل إرسال موسى وهارون إليهم ، فآيات الله قائمة دائمة ، والرسل إنما يذكرون بها الغافلين . . وقبل أن تتم الآية الثانية في السياق يرسم مصيرهم في عنف وإجمال { فدمرناهم تدميرًا } .

وهؤلاء قوم نوح: { لما كذبوا الرسل أغرقناهم } . . وهم كذبوا نوحًا وحده . ولكن نوحًا إنما جاءهم بالعقيدة الواحدة التي أرسل بها الرسل جميعًا . فلما كذبوه كانوا قد كذبوا الرسل جميعًا . { وجعلناهم للناس آية } فإن آية الطوفان لا تنسى على الدهر ، وكل من نظر فيها اعتبر إن كان له قلب يتدبر { وأعتدنا للظالمين عذابًا أليمًا } فهو حاضر لا يحتاج إلى إعداد . ويظهر لفظ الظالمين بدل الضمير لإثبات هذا الوصف لهم وبيان سبب العذاب . وهؤلاء عاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك . كلهم لاقوا ذات المصير بعد أن ضربت لهم الأمثال ، فلم يتدبروا القول ، ولم يتقوا البوار والدمار . .

وهذه الأمثلة كلها من قوم موسى ونوح ، وعاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك ، ومن القرية التي أمطرت مطر السوء وهي قرية لوط كلها تسير سيرة واحدة وتنتهي نهاية واحدة { وكلا ضربنا له الأمثال } للعظة والاعتبار { وكلا تبرنا تتبيرًا } وكانت عاقبة التكذيب هي التحطيم والتفتيت والدمار . والسياق يستعرض هذه الأمثلة ذلك الاستعراض السريع لعرض هذه المصارع المؤثرة . وينهيها بمصرع قوم لوط وهم يمرون عليه في سدوم في رحلة الصيف إلى الشام . وقد أهلكها الله بمطر بركاني من الأبخرة والحجارة فدمرها تدميرًا . ويقرر في نهايته أن قلوبهم لا تعتبر ولا تتأثر لأنهم لا ينتظرون البعث ، ولا يرجون لقاء الله .فذلك سبب قساوة تلك القلوب . وانطماسها . ومن هذا المعين تنبع تصرفاتهم واعتراضاتهم وسخرياتهم من القرآن ومن الرسول .

وقال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) [ص/12-14]

وَيُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى هُؤَلاَءِ المُكَذِّبِينَ مِنْ قُرَيْشٍ ، بِأَقْوَامٍ كَانَتْ قَبْلَهُمْ ، وَكَانَتْ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَأْسًا وَبَطْشًا وَقُوَّةً ، فَطَغَوْا وَبَغَوْا ، فَجَاءَهُمْ رُسُلُ اللهِ تَعَالَى ، فَكَذَّبُوهُمْ ، فَدَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يُبْقِ لَهُمْ فِي أَرْضِهِمْ بَاقِيةً .

وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الأَقْوَامِ المُكَذِّبَةِ: قَوْمَ نُوحٍ الذِينَ أَغْرَقَهُمْ بالطُّوفَانِ ، وَقَوْمَ عَادٍ الذِينَ أَهْلَكَهُمْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ، وَفِرْعُونَ مَلِكَ مِصْرَ وَجُنْدَهُ ، وَقَدْ أَغْرَقَهُمُ اللهُ فِي البَحْرِ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ . وَأَشَارَ تَعَالَى إِلَى ثَبَاتِ مُلْكِ فِرْعَوْنَ واسْتِقْرَارِهِ فَشَبَّهَهُ بِبَيْتٍ مِنَ الشَّعْرِ ثُبَّتَتْ أَوْتَادُهُ فِي الأَرْضِ .

( وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى - ذُو الأَوْتَادِ - هُوَ أَنَّهُ صَاحِبُ الأَهْرَامَاتِ والأَبْنِيَةِ الفَخْمَةِ المُتَرَسِّخَةِ فِي الأَرْضِ كَالأَوْتَادِ ) .

( وَقِيلَ أَيْضًا إِنَّ مَعْنَاهَا هُوَ أَنَّ فِرْعُونَ سُمِّيَ بِذِي الأَوْتَادِ لأَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ قَتْلَ خُصُومِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ لَهُمْ فِي الأَرْضِ أَوْتَادًَا يَشُدُّ إِلَيْهَا أَطْرَافَهُمْ ، ثُمَّ يَقْتُلُهُمْ بِالنِّبَالِ ) . ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى ثَمُودَ قَوْمَ صَالِحٍ ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمْ اللهُ بِالصَّيْحَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْمَ لُوطٍ وَقَدْ دَمَّرَ اللهُ قُرَاهُمْ ، وَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا ، فَلَمْ يَنْجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ .

ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَصْحَابَ الأَيْكَةِ ، وَهُمْ قَوْمُ شُعَيبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وَكَانَتْ بِلادُهُمْ جَنُوبِيِّ الأَرْدُنِّ - قُرْبَ العَقَبَةِ - وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ ، وَهُؤُلاَءِ جَمِيعًا تَحَزَّبُوا عَلَى رُسُلِهِمْ ، وَهُمْ كالأَحْزَابِ الذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ .

وَكُلُّ هَؤُلاءِ الأَقْوَامِ قَدْ كَذَّّبُوا رُسُلَ اللهِ ، وَكَانُوا ذَوِي قُوَّةٍ وَبَأْسٍ وَبَطْشٍ ، وَعَدَدٍ وَبُنْيَانٍ رَاسِخٍ فِي الأَرْضِ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ تَعَالَى ، وَلَمْ يُبَالِ بِهِمْ ، فَكَيْفَ يَكُونَ حَالُ المَكَذِّبِينَ الضُّعَفَاءِ مِنْ قَوْمِكَ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ مَا لاَ قِبلَ لَهُمْ بِهِ مِنَ العَذَابِ؟

فهذه أمثلة ممن سبقوا قريشًا في التاريخ . قوم نوح . وعاد . وفرعون صاحب الأهرام التي تقوم في الأرض كالأوتاد . وثمود . وقوم لوط . وقوم شعيب أصحاب الأيكة - الغابة الملتفة - (أولئك الأحزاب) ! الذين كذبوا الرسل . فماذا كان من شأنهم وهم طغاة بغاة متجبرون ? . . (فحق عقاب) . . وكان ما كان من أمرهم . وذهبوا فلم يبق منهم غير آثار تنطق بالهزيمة والاندحار !

ذلك كان شأن الأحزاب الغابرة في التاريخ . .

وقال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) [ق/12-14]

بَعْدَ أنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالى تَكْذِيبَ الأمَمِ الخَالِيَةِ ، أشَارَ هُنَا إلى مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ عِقَابٍ ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِم ، وَتَمادِيهِمْ في الضَّلاَلَةِ والتَّكْذِيبِ لِرُسُلِ اللهِ ، واسْتَهْزائِهِم بِمَا أنْذَرَهُم بهِ رُسُلُهُمْ مِنْ عَذاب اللهِ ، وَهُوَ بِذَلِكَ يُهدِّدُ مُشْرِكي قُريشٍ ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بالمُكَذِّبِينَ مِنَ الأمَمِ الخَالِيَةِ .

وَأخبَرَ تَعَالى: أنّ قَوَمَ نُوح كَذَّبُوا رَسُولَهُم نُوحًا فأغْرَقَهُم اللهُ بالطُّوفَان . وَكَذَّبَ أصْحَابُ الرَّسَّ رَسُولَهُمْ فَأهلَكَهُمُ اللهُ . وَكَذَّبَتْ ثَمُودُ رَسُولَهُمْ صَالِحًا فأهْلَكَهُمُ اللهُ بالصِّيَحَةِ .

وَكَذَّبَتْ عَادٌ رسُولَهُم هُودًا فأهْلَكَهُم اللهُ ، بالرِّيحِ العَقِيم ، وَكَذَّبَ فِرْعَونُ مُوسَى وَهَارُونَ فأغْرقَه اللهُ وَقَوْمَهُ في البَحْرِ . وَأهْلَكَ اللهُ تَعَالى قَوْمَ لُوطٍ بَعْدَ أنْ أصَرَّوا عَلَى الكُفْرِ والفُسُوقِ وَإتيَانِ الفَاحِشَةِ ، فَجَعلَ اللهُ عَاليَ بِلادِهِمْ سَافِلَهَا .

وَكَذَّبَ أصْحَابُ الأيْكَةِ ( وَهُمْ قَوْمُ شُعَيِبٍ ) ، رَسُولَهم شُعَيْبًا فَأهْلَكَهُمُ اللهُ بالرَّجْفَةِ ، وَعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ . وَكَذَلِكَ أهْلَكَ اللهُ تَعَالى قَوْمَ تُبَّعٍ لِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ رَبَّهِمْ ، وَإقَامَتِهِمْ عَلَى الكُفْرِ وَالضَّلالِ .

وَكُلُّ هَؤلاءِ الأقوَامِ كَذَّبوا رَسُلَ اللهِ فيما جَاؤُوهُمْ بِهِ ، فَحَقَّ عَلَيهِمْ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مَا أوْعَدَهُمْ بهِ اللهُ مِنْ عَذَابٍ أليمٍ .

وواضح أن الغرض من هذه الإشارة السريعة ليس تفصيل أمر هذه الأقوام . ولكنه إيقاع على القلوب بمصارع الغابرين . حين كذبوا الرسل . والذي يلفت النظر هو النص على أن كلًا منهم كذب الرسل: { كل كذب الرسل فحق وعيد } . وهي لفتة مقصودة لتقرير وحدة العقيدة ووحدة الرسالة . فكل من كذب برسول فقد كذب بالرسل أجمعين؛ لأنه كذب بالرسالة الواحدة التي جاء بها الرسل أجمعون . والرسل إخوة وأمة واحدة وشجرة ضاربة الجذور في أعماق الزمان ، وكل فرع من تلك الشجرة تلخيص لخصائصها ، وصورة منها . ومن يمس منها فرعًا فقد مس الأصل وسائر الفروع . . { فحق وعيد } ونالهم ما يعرف السامعون!

وقال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) [النحل/112-113]

جَعَلَ اللهُ تَعَالَى حَالَ أَهْلِ مَكَّةَ مِثْلَ حَالِ هَذِهِ القَرْيَةِ ، التِي كَانَتْ آمِنَةً لاَ تَخَافُ عَدُوًّا ، وَقَدْ تَدَفَّقَ الرِّزْقُ الوَفِيرُ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ، فَكَفَرَ أَهْلُهَا بِأَنْعُمِ اللهِ عَلَيْهِمْ ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ ، وَأَذَاقَهُمْ مَرَارَةَ الجُوعِ . كَذَلِكَ كَانَ أَهْلُ مَكَّة ، فَقَدْ كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِها ، وَمَنْ دَخَلَهَا كَانَ آمِنًا ، لاَ يَخَافُ شَيْئًا ، وَكَانَ الرِّزْقُ الوَفِيرُ يَتَدَفَّقُ عَلَيْهَا هَنِيئًا سَهْلًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَمَكَانٍ ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ ، وَجَحَدَتْ بِهَا ، وَأَعَظْمُ هَذِهِ النِّعَمُ هِيَ بِعْثَةُ رَسُولٍ مِنْهُمْ . وَلِهَذا بَدَّلَ اللهُ أَهْلَهَا بِحَالَيْهِمْ ( الأَمْنِ وَالعَيْشِ الرَّغِيدِ ) ، بِحَالَيْنِ جَدِيدَيْنِ ، هُمَا: ( الجُوعُ وَالخَوْفُ - لِبَاسَ الجُوْعِ وَالخَوْفِ ) فَقَدْ جَاءَتْهُمْ سِنُونَ شِدَادٌ فَجَاعُوا ، وَهَاجَرَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى المَدِينَةِ فَكَانَتْ سَرَايَا المُسْلِمِينَ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى قَوَافِلِهِمْ إِلَى الشَّامِ ، فَخَافُوا . وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ عِقَابًا لَهُمْ مِنَ اللهِ بِسَبَبِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ ، وَبَغْيِّهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ رَبِّهِمْ .

لَقَدْ مَنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ اللهِ ، وَيُذَكِّرَهُمْ بِمِنَنِ اللهِ عَلَيْهِمْ ، إِذْ جَعَلَ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يَتَخَطَّفُ النَّاسَ مِنْ حَوْلِهِ ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَشْكُرُوا اللهَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ ، وَلَكِنَّهُمْ بَدَلًا مِنَ الشُّكْرِ كَذَّبُوا الرَّسُولَ ، وَاسْتَكْبَرُوا ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ، فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ ، وَأَذَلَّهُمُ اللهُ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَبَغْيِّهِمْ ، فَهُزِمُوا فِي بَدْرٍ ، وَتَتَالَتْ هَزَائِمُهُمْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - .

وهي حال أشبه شيء بحال مكة . جعل الله فيها البيت ، وجعلها بلدا حراما من دخله فهو آمن مطمئن ، لا تمتد إليه يد ولو كان قاتلا ، ولا يجرؤ أحد على إيذائه وهو في جوار بيت الله الكريم . وكان الناس يتخطفون من حول البيت وأهل مكة في حراسته وحمايته آمنون مطمئنون . كذلك كان رزقهم يأتيهم هينا هنيئا من كل مكان مع الحجيج ومع القوافل الآمنة ، مع أنهم في واد قفر جدب غير ذي زرع ، فكانت تجبى إليهم ثمرات كل شيء فيتذوقون طعم الأمن وطعم الرغد منذ دعوة إبراهيم الخليل .ثم إذا رسول منهم ، يعرفونه صادقا أمينا ، ولا يعرف عنه ما يشين ، يبعثه الله فيهم رحمة لهم وللعالمين ، دينه دين إبراهيم باني البيت الذي ينعمون في جواره بالأمن والطمأنينة والعيش الرغيد؛ فإذا هم يكذبونه ، ويفترون عليه الافتراءات ، وينزلون به وبمن اتبعوه الأذى . وهم ظالمون .

والمثل الذي يضربه الله لهم منطبق على حالهم ، وعاقبة المثل أمامهم . مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله ، وكذبت رسوله { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } وأخذ قومها العذاب وهم ظالمون .

ويجسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسا؛ ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقا ، لأن الذوق أعمق أثرا في الحس من مساس اللباس للجلد . وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس . لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت