قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) [سبأ/43-47]
وَقَدِ اسْتَحَقَّ هؤُلاءِ المُشْرِكُونَ العَذَابَ الأَلِيمَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لأَنَّهُمْ كَانُوا إِذا تُلِيَتْ عَلَيهم آياتُ كِتابِ اللهِ ، الدَّالَّةُ عَلى التّوحِيدِ ، وَبُطلاَنِ الشِّرْكِ يَقُولُونَ: إِنَّ هذا الرَّدلَ يريدُ أَنْ يَصْرِفَكُمْ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ ، دِينِ الآباءِ والأجدادِ لِيجْعَلَكُمْ مِنْ أتباعِهِ ، دُونَ أَنْ يكُونَ لهُ حُجَّةٌ وبُرْهَانٌ عَلى صِحَّةِ مَا يَقُولُ . وَقَالُوا: إِنَّ القُرآنَ الذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ، وَقَالَ إِنَّهُ نَزَلَ عَلَيهِ مِنَ السَّمَاءِ ، إِنْ هُوَ إِلا كَذِبٌ افْتَراهُ وَصَنَعُهُ وَنَسَبَهُ إِلى اللهِ ، تَرْوِيجًا لِدَعْوَتِهِ . وَقَالَ المُشْرِكُونَ عَنِ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ مُشْتَمِلًا عَلَى الشَّرائِعِ وَالهَدَى: إِنْ هذا إلاَّ سِحْرٌ بَيِّنٌ لاَ خَفَاءَ فِيهِ . وَقَدْ أًثَّر هذا السِّحْرُ عَلَى عُقُولِنا وَقُلُوبِنَا .
وَرَدَّ اللهُ تَعَالى عَلَى هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ القَائِلينَ: إِنَّ دِينَهُمْ هُوَ الدِّينَ الصَّحِيحُ ، فَقَالَ: إِنَّ الدِّينَ الصَّحِيحُ ، فَقَالَ: إِنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ لاَ يَكُونَ إِلا بِوَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَبِكِتَابٍ يَنْزِلُ عَلَى الرَّسُولِ لِيُبَلِّغَهُ لِلنَّاسِ ، وَيُبَيِّنَ لَهُمْ فِيهِ الشَّرائعَ والأًَحْكَامَ . وهؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِنْ أُمَّةٍ لَمْ يَأْتِها كِتَابٌ قَبْلَ القُرآانِ ، وَلَمْ يُرْسِلِ اللهِ إليهمْ رَسُولًا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ، فَمِنْ أَيْنَ جَاءَهُمْ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيهِ مِنْ شِرْكٍ هُوَ الدِّينَ الصَّحِيحُ؟
وَكَانَ لَهُمْ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ فِيمَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ ، التِي بَلَغَتْ مِنَ القُوّةِ والبَأْسِ والغِنَى أَضْعافًا كَثيرةً مِمَّا بَلَغَهُ مُشْرِكُو قُرَيِشٍ ، فَدَمَّرُهُمُ اللهُ ، وَأَبَادَهُمْ لَمَّا كَذَّبُوا رُسُلَ اللهِ ، وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا ، وَهُمْ يَرَوْنَ آثَارَ هذِهِ الأُمَمِ وَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ وَأَسْفَارِهِمْ ، فَكَيفَ وَجدُوا عِقَابَ اللهِ وَعَذَابَهُ وَنَكَالَهُ بِمَنْ كَفَرَواسْتَكْبَرَ ، وَكَذَّبَ رُسَلَ اللهِ؟ ( فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ ) .
وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ، الزَّاعِمِينَ أَنَّكَ مَجْنُونٌ: إِنَّنِي أَنْصَحُ لَكُمْ ألاَّ تُبَادِرُوا إِلى التَّكْذِيبِ عِنَادًا واسْتِكْبارًا ، بَلِ اتَّئدُوا ، وَتَفَكَّروا مَلِيًّا فيمَا دَعَوْتُكُمْ إِليهِ ، وَابحثوا عَنِ الحَقِّ وَالحَقيقةِ ، إِمَا وَاحدًا واحِدًا ، وَإِما اثْنَينِ اثْنَينِ ( لأَنَّ الازْدِحَامِ يَكُونُ سَبَبًا لِتَخْلِيطِ الكَلامِ ، وقِلَّةِ الإِنْصَافِ ) فَإِنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ ، وَتَرَوَّوْا فِي أَمْرِهِمْ ، وَصَلُوا إِلَى أَنَّ مُحَمَّدًا ليسَ مَجْنُونًا ، لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَرْجَحُ النَّاسِ عَقْلًا ، وأَصْدَقُهُمْ قَوْلًا ، وَأَجْمَعُهُمْ لِلْكَمَالِ النَّفْسِيِّ وَالعَقْلِيِّ ، وَهذا يُوجِبُ عَلَيهمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ ، وَأَنْ يُؤْمِنُوا بِرِسَالَتِهِ ، وَأَنْ يَتذَبِعُوهُ فِيما يَدْعُوهُم إِليهِ ، وَأَنَّهُ ليسَ إِلا نَذِيرًا لِهؤلاءِ بِينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ، يَحِلُّ بِهِمْ يَومَ القَيَامَةِ ، إِنْ قَدِمُواعَلَى رَبذِهِمْ وَهُمْ نُصِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ ، وَإِشْرَاكِهِمْ ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ، وَلَمْ يُحْدِثُوا تَوْبَةً .
وَقُلْ لَهُمْ: إِنِّي لا أُرِيدُ مِنْكُمْ جُعْلًا وَلاَ أَجْرًا ، وَلاَ عَطَاءَ عَلَى أَدَاءِ الرِّسَالةِ التِي أَمَرني اللهُ بِإِبْلاَغِها إِليكُمْ ، وَإِنَّما أَطْلُبُ ثَوَابَ ذَلِكَ مِنَ اللهِ ، وَهُوَ العَلِيمُ بِجَمِيعِ الأُمُورِ ، المُشَاهِدُ لَها ، فَيَعلَمُ صِدْقي وإِخْلاصِي فِيما دَعَوْتُكُمْ إِليهِ .
لقد قابلوا الحق الواضح البين الذي يتلوه عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برواسب غامضة من آثار الماضي ، وتقاليد لا تقوم على أساس واضح ، وليس لها قوام متماسك . ولقد أحسوا خطورة ما يواجههم به القرآن الكريم من الحق البسيط المستقيم المتماسك . أحسوا خطورته على ذلك الخليط المشوش من العقائد والعادات والتقاليد التي وجدوا عليها آباءهم فقالوا قولتهم تلك: { ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم } . .
ولكن هذا وحده لا يكفي . فإن مجرد أنه يخالف ما كان عليه الآباء ليس مطعنًا مقنعًا لجميع العقول والنفوس . ومن ثم اتبعوا الادعاء الأول بادعاء آخر يمس أمانة المبلغ ، ويرد قوله أنه جاء بما جاء به من عند الله: { وقالوا: ما هذا إلا إفك مفترى } . .
والإفك هو الكذب والافتراء؛ ولكنهم يزيدونه توكيدًا: { ما هذا إلا إفك مفترى } .
ذلك ليشككوا في قيمته ابتداء ، متى أوقعوا الشك في مصدره الإلهي .
ثم مضوا يصفون القرآن ذاته: { وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم: إن هذا إلا سحر مبين } . .
فهو كلام مؤثر يزلزل القلوب ، فلا يكفي أن يقولوا: إنه مفترى . فحاولوا إذن أن يعللوا وقعه القاهر في القلوب .فقالوا: إنه سحر مبين!
فهي سلسلة من الاتهامات ، حلقة بعد حلقة ، يواجهون بها الآيات البينات كي يحولوا بينها وبين القلوب . ولا دليل لهم على دعواهم . ولكنها جملة من الأكاذيب لتضليل العامة والجماهير . أما الذين كانوا يقولون هذا القول وهم الكبراء والسادة فقد كانوا على يقين أنه قرآن كريم ، فوق مقدور البشر ، وفوق طاقة المتكلمين! وقد سبق في الظلال ما حدث به بعض هؤلاء الكبراء بعضًا في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمر القرآن؛ وما دبروا بينهم من كيد ليصدوا به الجماهير عن هذا القرآن الذي يغلب القلوب ويأسر النفوس!
وقد كشف القرآن أمرهم ، وهو يقرر أنهم أميون لم يؤتوا من قبل كتابًا يقيسون به الكتب؛ ويعرفون به الوحي؛ فيفتوا بأن ما جاءهم اليوم ليس كتابًا وليس وحيًا ، وليس من عند الله . ولم يرسل إليهم من قبل رسول . فهم يهرفون إذن بما لا علم لهم به ويدعون ما ليس يعلمون: { وما آتيناهم من كتب يدرسونها ، وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير } !
ويلمس قلوبهم بتذكيرهم بمصارع الذين كذبوا من قبل . وهم لم يؤتوا معشار ما أوتي أولئك الغابرون . من علم ، ومن مال ، ومن قوة ، ومن تعمير . . فلما كذبوا الرسل أخذهم النكير . أي الهجوم المدوي المنكر الشديد: { وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي . فكيف كان نكير؟ } . .
ولقد كان النكير عليهم مدمرًا مهلكًا . وكانت قريش تعرف مصارع بعضهم في الجزيرة . فهذا التذكير يكفي . وهذا السؤال التهكمي { فكيف كان نكير؟ } سؤال موح يلمس المخاطبين . وهم يعرفون كيف كان ذلك النكير!
وهنا يدعوهم دعوة خالصة إلى منهج البحث عن الحق ، ومعرفة الافتراء من الصدق ، وتقدير الواقع الذي يواجهونه من غير زيف ولا دخل: { قل: إنما أعظكم بواحدة . . أن تقوموا لله مثنى وفرادى ، ثم تتفكروا . ما بصاحبكم من جنة . إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } . .
إنها دعوة إلى القيام لله . بعيدًا عن الهوى . بعيدًا عن المصلحة . بعيدًا عن ملابسات الأرض . بعيدًا عن الهواتف والدوافع التي تشتجر في القلب ، فتبعد به عن الله . بعيدًا عن التأثر بالتيارات السائدة في البيئة . والمؤثرات الشائعة في الجماعة .
دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط ، لا مع القضايا والدعاوى الرائجة؛ ولا مع العبارات المطاطة ، التي تبعد القلب والعقل من مواجهة الحقيقة في بساطتها .
دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي ، بعيدًا عن الضجيج والخلط واللبس؛ والرؤية المضطربة والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة .
وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن الحقيقة . منهج بسيط يعتمد على التجرد من الرواسب والغواشي والمؤثرات . وعلى مراقبة الله وتقواه .
وهي « واحدة » . . إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق . القيام لله .
.لا لغرض ولا لهوى ولا لمصلحة ولا لنتيجة . . التجرد . . الخلوص . . ثم التفكر والتدبر بلا مؤثر خارج عن الواقع الذي يواجهه القائمون لله المتجردون .
{ أن تقوموا لله . مثنى وفرادى } . . مثنى ليراجع أحدهما الآخر ، ويأخذ معه ويعطي في غير تأثر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ ، ولا تتلبث لتتبع الحجة في هدوء . . وفرادى مع النفس وجهًا لوجه في تمحيص هادئ عميق .
{ ثم تتفكروا . ما بصاحبكم من جنة } . . فما عرفتم عنه إلا العقل والتدبر والرزانة . وما يقول شيئًا يدعو إلى التظنن بعقله ورشده . إن هو إلا القول المحكم القوي المبين .
{ إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } . .لمسة تصور العذاب الشديد وشيكًا أن يقع ، وقد سبقه النذير بخطوة . لينقذ من يستمع . كالهاتف المحذر من حريق في دار يوشك أن يلتهم من لا يفر من الحريق . وهو تصوير فوق أنه صادق بارع موح مثير . .
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم بشير ابن المهاجر ، حدثني عبدالله بن بريرة عن أبيه رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا ، فنادى ثلاث مرات: « أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم . قال - صلى الله عليه وسلم -: إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوًا يأتيهم . فبعثوا رجلًا يتراءى لهم ، فبينما هو كذلك أبصر العدو ، فأقبل لينذرهم ، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه ، فأهوى بثوبه . أيها الناس أتيتم . أيها الناس أتيتم . أيها الناس أتيتم » .
وروي بهذا الإسناد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « بعثت أنا والساعة جميعًا . إن كادت لتسبقني » .
ذلك هو الإيقاع الأول المؤثر الموحي . يتبعه الإيقاع الثاني: { قل: ما سألتكم من أجر فهو لكم . إن أجري إلا على الله . وهو على كل شيء شهيد } . .دعاهم في المرة الأولى إلى التفكر الهادئ البريء . . ما بصاحبكم من جنة . . ويدعوهم هنا أن يفكروا ويسألوا أنفسهم عما يدعوه إلى القيام بإنذارهم بين يدي عذاب شديد . ما مصلحته؟ ما بواعثه؟ ماذا يعود عليه؟ ويأمره أن يلمس منطقهم ويوقظ وجدانهم إلى هذه الحقيقة في صورة موحية: { قل: ما سألتكم من أجر فهو لكم } !
خذوا أنتم الأجر الذي طلبته منكم! وهو أسلوب فيه تهكم . وفيه توجيه . وفيه تنبيه
{ إن أجري إلا على الله } . .هو الذي كلفني . وهو الذي يأجرني . وأجره هو الذي أتطلع إليه . ومن يتطلع إلى ما عند الله فكل ما عند الناس هين عنده هزيل زهيد لا يستحق التفكير .
{ وهو على كل شيء شهيد } . .
ــــــــــــ
الرسول منذر الغافلين
قال تعالى: يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) [يس/1-7]
أُقْسِمُ بِالقُرآنِ المُحْكَمِ المُشْتَمِلِ عََلى الحِكْمَةِ والعِلْمِ النَّافِعِ ، الذي لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ . إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ المُرْسَلِينَ مِنَ اللهِ إِلَى النَّاسِ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ .
الذِينَ أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ دِينًا قَيِّمًا ، وَشَرْعًا مُسْتَقِيمًا هُوَ الإِسْلاَمُ للهِ تَعَالَى .
إِنَّ هَذَا الدِّينَ الذي جِئْتَ بِهِ هُوَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ القَوِيِّ الغَالِبِ لِكُلِّ شَيءٍ ( العَزِيزِ ) ، الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا يَدْعُوهُمْ إِلى الهُدَى .
( وَتَنْزِيلَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ أَيْ نُزِّلَ تَنْزِيلًا ) . إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ لِتُنْذِرَ قَوْمَكَ العَرَبَ ، الذينَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَكَ ، فَهُمْ سَاهُونَ فِي غَفْلَةٍ عَنْ مَعْرِفَةِ الأَدْيَانِ والشَّرَائِعِ .
لَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِنَا الأَزَلِيِّ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَخْتَارُونَ الإِيْمَانَ ، وَلاَ يُصَدِّقُونَ بَرَسُولِهِمْ ، فَوَافَقَ وَاقِعُهُمْ مَا عَلِمْنَاهُ عَنْهُمْ ، فَلَنْ يُؤْمِنُوا .
يقسم الله سبحانه بهذين الحرفين: « يا . سين » كما يقسم بالقرآن الحكيم . وهذا الجمع بين الأحرف المقطعة والقرآن يرجح الوجه الذي اخترناه في تفسير هذه الأحرف في أوائل السور؛ والعلاقة بين ذكرها وذكر القرآن . وأن آية كونه من عند الله ، الآية التي لا يتدبرونها فيردهم القرآن إليها ، أنه مصوغ من جنس هذه الأحرف الميسرة لهم؛ ولكن نسقه التفكيري والتعبيري فوق ما يملكون صياغته من هذه الحروف .
ويصف القرآن وهو يقسم به بأنه { القرآن الحكيم } . والحكمة صفة العاقل . والتعبير على هذا النحو يخلع على القرآن صفة الحياة والقصد والإرادة . وهي من مقتضيات أن يكون حكيمًا . ومع أن هذا مجاز إلا أنه يصور حقيقة ويقربها . فإن لهذا القرآن لروحًا! وإن له لصفات الحي الذي يعاطفك وتعاطفه حين تصفي له قلبك وتصغي له روحك! وإنك لتطلع منه على دخائل وأسرار كلما فتحت له قلبك وخلصت له بروحك! وإنك لتشتاق منه إلى ملامح وسمات ، كما تشتاق إلى ملامح الصديق وسماته ، حين تصاحبه فترة وتأنس به وتستروح ظلاله! ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يسمع تلاوة القرآن من غيره؛ ويقف على الأبواب ينصت إذا سمع من داخلها من يرتل هذا القرآن . كما يقف الحبيب وينصت لسيرة الحبيب!
والقرآن حكيم . يخاطب كل أحد بما يدخل في طوقه . ويضرب على الوتر الحساس في قلبه . ويخاطبه بقدر . ويخاطبه بالحكمة التي تصلحه وتوجهه .
والقرآن حكيم . يربي بحكمة ، وفق منهج عقلي ونفسي مستقيم . منهج يطلق طاقات البشر كلها مع توجيهها الوجه الصالح القويم . ويقرر للحياة نظامًا كذلك يسمح بكل نشاط بشري في حدود ذلك المنهج الحكيم .
يقسم الله سبحانه بياء وسين والقرآن الحكيم على حقيقة الوحي والرسالة إلى الرسول الكريم: { وإنك لمن المرسلين على صراط مستقيم } . .
وما به سبحانه من حاجة إلى القسم . ولكن هذا القسم منه جل جلاله بالقرآن وحروفه ، يخلع على المقسم به عظمة وجلالًا ، فما يقسم الله سبحانه إلا بأمر عظيم ، يرتفع إلى درجة القسم به واليمين!
{ إنك لمن المرسلين } . . والتعبير على هذا النحو يوحي بأن إرسال الرسل أمر مقرر ، له سوابق مقررة . فليس هو الذي يراد إثباته . إنما المراد أن يثبت هو أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من هؤلاء المرسلين . ويخاطبه هو بهذا القسم ولا يوجهه إلى المنكرين المكذبين ترفعًا بالقسم وبالرسول وبالرسالة عن أن تكون موضع جدل أو مناقشة . إنما هو الإخبار المباشر من الله للرسول .
{ إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم } . .وهذا بيان لطبيعة الرسالة بعد بيان حقيقة الرسول . وطبيعة هذه الرسالة الاستقامة . فهي قائمة كحد السيف لا عوج فيها ولا انحراف ، ولا التواء فيها ولا ميل . الحق فيها واضح لا غموض فيه ولا التباس . ولا يميل مع هوى ولا ينحرف مع مصلحة . يجده من يطلبه في يسر وفي دقة وفي خلوص .
وهي لاستقامتها بسيطة لا تعقيد فيها ولا لف ولا دوران . لا تعقد الأمور ولا توقع في إشكالات من القضايا والتصورات والأشكال الجدلية . وإنما تصدع بالحق في أبسط صورة من صوره ، وأعراها عن الشوائب والأخلاط ، وأغناها عن الشرح ، وتفصيص العبارات وتوليد الكلمات ، والدخول بالمعاني في الدروب والمنحنيات! يمكن أن يعيش بها ومعها البادي والحاضر ، والأمي والعالم ، وساكن الكوخ وساكن العمارة؛ ويجد فيها كل حاجته؛ ويدرك منها ما تستقيم به حياته ونظامه وروابطه في يسر ولين .
وهي مستقيمة مع فطرة الكون وناموس الوجود ، وطبيعة الأشياء والأحياء حول الإنسان ، فلا تصدم طبائع الأشياء ، ولا تكلف الإنسان أن يصدمها ، إنما هي مستقيمة على نهجها ، متناسقة معها ، متعاونة كذلك مع سائر القوانين التي تحكم هذا الوجود وما فيه ومن فيه .
وهي من ثم مستقيمة على الطريق إلى الله ، واصلة إليه موصلة به ، لا يخشى تابعها أن يضل عن خالقه ، ولا أن يلتوي عن الطريق إليه . فهو سالك دربًا مستقيمًا واصلًا ينتهي به إلى رضوان الخالق العظيم .
والقرآن هو دليل هذا الصراط المستقيم . وحيثما سار الإنسان معه وجد هذه الاستقامة في تصويره للحق ، وفي التوجيه إليه ، وفي أحكامه الفاصلة في القيم ، ووضع كل قيمة في موضعها الدقيق .
{ تنزيل العزيز الرحيم } . .يعرّف الله عباده بنفسه في مثل هذه المواضع ، ليدركوا حقيقة ما نزّل إليهم . فهو العزيز القوي الذي يفعل ما يريد . وهو الرحيم بعباده الذي يفعل بهم ما يفعل ، وهو يريد بهم الرحمة فيما يفعل .فأما حكمة هذا التنزيل فهي الإنذار والتبليغ: { لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم فهم غافلون } . .
والغفلة أشد ما يفسد القلوب . فالقلب الغافل قلب معطل عن وظيفته . معطل عن الالتقاط والتأثر والاستجابة . تمر به دلائل الهدى أو يمر بها دون أن يحسها أو يدركها . ودون أن ينبض أو يستقبل . ومن ثم كان الإنذار هو أليق شيء بالغفلة التي كان فيها القوم ، الذين مضت الأجيال دون أن ينذرهم منذر ، أو ينبههم منبه . فهم من ذرية إسماعيل ولم يكن لهم بعده من رسول . فالإنذار قد يوقظ الغافلين المستغرقين في الغفلة ، الذين لم يأتهم ولم يأت آباءهم نذير .
ثم يكشف عن مصير هؤلاء الغافلين؛ وعما نزل بهم من قدر الله ، وفق ما علم الله من قلوبهم ومن أمرهم . ما كان منه وما سيكون: { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } . .
لقد قضي في أمرهم ، وحق قدر الله على أكثرهم ، بما علمه من حقيقتهم ، وطبيعة مشاعرهم . فهم لا يؤمنون . وهذا هو المصير الأخير للأكثرين . فإن نفوسهم محجوبة عن الهدى مشدودة عن رؤية دلائله أو استشعارها .
ــــــــــــ
الرسول لا يطلب أجرا على تبليغ الرسالة
قال تعالى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) [يس/20-21]
وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَطْرَافِ المَدِينَةِ يَسْعَى مُسْرِعًا إِلَى حَيْثُ كَانَ يَجْتَمِعُ النَّاسُ وَهُمْ يُحَاوِرُونَ الرُّسُلَ ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ اتِّبِعُوا رُسُلَ اللهِ إِلَيْكُمْ .
اتَّبِعُوا الذِينَ لا يَطْلُبُونَ أَجْرًَا عَلَى تَبْلِيِغِهِمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ ، وَلاَ يَطْلُبُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا ، وَهُمْ مُهْتَدُونَ إِلَى سَبِيلِ اللهِ القَوِيمِ ، فَإِذَا اتَّبَعْتمُوهُم اهْتَدَيْتُمْ بِهُدَاهُمْ .
إن الذي يدعو مثل هذه الدعوة ، وهو لا يطلب أجرًا ، ولا يبتغي مغنمًا . . إنه لصادق . وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبي تكليفًا من الله؟ ما الذي يدفعه إلى حمل هم الدعوة؟ ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة؟ والتعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم ، وهو لا يجني من ذلك كسبًا ، ولا يطلب منهم أجرًا؟
{ اتبعوا من لا يسألكم أجرًا } . . { وهم مهتدون } . .وهداهم واضح في طبيعة دعوتهم . فهم يدعون إلى إله واحد . ويدعون إلى نهج واضح . ويدعون إلى عقيدة لا خرافة فيها ولا غموض . فهم مهتدون إلى نهج سليم ، وإلى طريق مستقيم .
وقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) [يونس/71-72]