فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 139

قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) [النحل/35]

وَيَعْتَذِرُ المُشْرِكُونَ عَنْ شِرْكِهِمْ ، وَعِبَادَتِهِمْ الأَصْنَامَ ، وَتَحْرِيمِهِمْ مَا حَرَّمُوهُ مِنَ السَّوَائِبِ وَالبَحَائِرِ وَالوَصَائِلِ . . إِلخ وَيَحْتَمُونَ بِالقَدَرِ ، وَبِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ . وَيَقُولُونَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَوْ كَانَ كَارِهًا ذَلِكَ لِمَا فَعَلُوهُ هُمْ ، وَلاَ فَعَلَهُ آبَاؤُهُمْ ، وَلأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ ، وَلَمَا مَكَّنَهُمْ مِنْهُ .

وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا: لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْكُمْ ، فَقَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْكُمْ أَشَدَّ الإِنْكَارِ ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ ، وَبَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ رَسُولًا يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَعِبَادَتِهِ ، وَيُحَذِّرُهُمْ عَوَاقِبَ الشِّرْكِ ، وَنَتَائِجَ البَغْيِ وَالظُّلْمِ وَالكُفْرِ ، وَلَكِنَّهُمْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ ، كَمَا كَذَّبَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رُسُلَهُمْ ، وَتَابَعُوا أَسْلاَفَهُم عَلَى ضَلاَلِهِمْ فِي تَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ ، كَمَا فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . وَمَهَمَّةُ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ هِيَ إِبْلاغُ النَّاسِ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ وَلَيْسَتْ مَهَمَّتُهُمْ إِجْبَارَ النَّاسِ ، وَإِكْرَاهَهُمْ عَلَى الإِيَمَانِ .

إنهم يحيلون شركهم وعبادتهم آلهة من دون الله هم وآباؤهم ، وأوهام الوثنية التي يزاولونها من تحريمهم لبعض الذبائح وبعض الأطعمة على أنفسهم بغير شريعة من الله . . إنهم يحيلون هذا كله على إرادة الله ومشيئته . فلو شاء الله في زعمهم ألا يفعلوا شيئًا من هذا لمنعهم من فعله .

وهذا وهم وخطأ في فهم معنى المشيئة الإلهية . وتجريد للإنسان من أهم خصائصه التي وهبها له الله لاستخدامها في الحياة .فالله سبحانه لا يريد لعباده الشرك ، ولا يرضى لهم أن يحرموا ما أحله لهم من الطيبات . وإرادته هذه ظاهرة منصوص عليها في شرائعه ، على ألسنة الرسل الذين كلفوا التبليغ وحده فقاموا به وأدوه: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } فهذا أمره وهذه إرادته لعباده . والله تعالى لا يأمر الناس بأمر يعلم أنه منعهم خلقة من القدرة عليه ، أو دفعهم قسرًا إلى مخالفته . وآية عدم رضاه عن مخالفة أمره هذا ما أخذ به المكذبين { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } .

إنما شاءت إرادة الخالق الحكيم أن يخلق البشر باستعداد للهدى وللضلال ، وأن يدع مشيئتهم حرة في اختيار أي الطريقين؛ ومنحهم بعد ذلك العقل يرجحون به أحد الاتجاهين ، بعد ما بث في الكون من آيات الهدى ما يلمس العين والأذن والحس والقلب والعقل حيثما اتجهت آناء الليل وأطراف النهار . . ثم شاءت رحمة الله بعباده بعد هذا كله ألا يدعهم لهذا العقل وحده ، فوضع لهذا العقل ميزانًا ثابتًا في شرائعه التي جاءت بها رسله ، يثوب إليه العقل كلما غم عليه الأمر ، ليتأكد من صواب تقديره أو خطئه عن طريق الميزان الثابت الذي لا تعصف به الأهواء . .

وقال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) [الأعراف/59-62]

بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى قِصَّةَ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، شَرَعَ فِي سَرْدِ قَصَصِ الأَنْبِياءِ الكِرَامِ ، فَابْتَدأ بِنُوحٍ ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، لأنَّهُ أَوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ إلى أَهْلِ الأَرْضِ بَعْدَ آدَمَ .

وَقَدْ لاقَى نُوحٌ مِنْ قَوْمِهِ عَنَاءً وَعَنتًا ، فَوَجَدَ قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ وَسَمّوها بِأَسْمَاء ، مِثْل وَدٍّ وَسَواع وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرٍ . . . فَبَعَثَ اللهُ نُوحًا فَأَمَرَ قَوْمَهُ بِعِبَادِةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَذَابُ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ( عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) .

فَقَالَ جُمْهُورُ السَّادَةِ وَالكُبَرَاءِ ( المَلأُ ) مِنْ قَوْمٍ نُوحٍ: إِنَّنَا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ وَاضِحٍ بَيِّنٍ فِي دَعْوَتِكَ إِيَّانَا إلَى تَرْكِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ التي وَجَدْنَا آبَاءَنا يَعْبُدُونَها .

فَقَالَ لَهُمْ نُوحٌ: إِنَّنِي لَسْتُ ضَالًا ، وَلَمْ أَخْرُجْ عَنِ الحَقِّ وَالصَّوَابِ فِي دَعْوتي لَكُمْ إلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ ، وَتَرْكِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ ، وَإِنَّما أَنَا رَسُولٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ وَرَبِّ كُلِّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ وَمَالِكِهِ

وَأَنَا أَتَوَلَّى إِبْلاَغَكُمْ مَا أَرْسَلَنِي بِهِ اللهُ إِلَيْكُمْ مِنَ الدَّعْوَةِ إلَى التَّوْحِيدِ ، وَإِخْلاَصِ العِبَادَةِ للهِ ، وَأَتَوَلَّى نُصْحَكُمْ وَتَوْجِيهَكْم إِلَى الخَيْرِ وَإِنَّنِي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ ، لأَنَّنِي مُرْسَلٌ مِنْ قِبَلِهِ إِلَيْكُمْ .

{ لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه } . .على سنة الله في إرسال كل رسول من قومه ، وبلسانهم ، تأليفًا لقلوب الذين لم تفسد فطرتهم ، وتيسيرًا على البشر في التفاهم والتعارف . وإن كان الذين فسدت فطرتهم يعجبون من هذه السنة ، ولا يستجيبون ، ويستكبرون أن يؤمنوا لبشر مثلهم ، ويطلبون أن تبلغهم الملائكة! وإن هي إلا تعلة . وما كانوا ليستجيبوا إلى الهدى ، مهما جاءهم من أي طريق!

لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه ، فخاطبهم بتلك الكلمة الواحدة التي جاء بها كل رسول: { فقال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } .فهي الكلمة التي لا تتبدل ، وهي قاعدة هذه العقيدة التي لا توجد إلا بها ، وهي عماد الحياة الإنسانية الذي لا تقوم على غيره ، وهي ضمان وحدة الوجهة ووحدة الهدف ، ووحدة الرباط . وهي الكفيل بتحرر البشر من العبودية للهوى ، والعبودية لأمثالهم من العبيد ، وبالاستعلاء على الشهوات كلها وعلى الوعد والوعيد .

إن دين الله منهج للحياة ، قاعدته أن يكون السلطان كله في حياة الناس كلها لله . وهذا هو معنى عبادة الله وحده ، ومعنى ألا يكون للناس إله غيره . . والسلطان يتمثل في الاعتقاد بربوبيته لهذا الوجود وإنشائه وتدبيره بقدرة الله وقدره . كما يتمثل في الاعتقاد بربوبيته للإنسان وإنشائه وتدبير أمره بقدرة الله وقدره .

وعلى نفس المستوى يتمثل في الاعتقاد بربوبية الله لهذا الإنسان في حياته العملية الواقعية ، وقيامها على شريعته وأمره ، تمثله في التقدم بشعائر العبادة له وحده . . كلها حزمة واحدة . . غير قابلة للتجزئة . وإلا فهو الشرك ، وهو عبادة غير الله معه ، أو من دونه!

ولقد قال نوح لقومه هذه القولة الواحدة ، وأنذرهم عاقبة التكذيب بها في إشفاق الأخ الناصح لإخوانه ، وفي صدق الرائد الناصح لأهله: { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } . .

وهنا نرى أن ديانة نوح . . أقدم الديانات . . كانت فيها عقيدة الآخرة . عقيدة الحساب والجزاء في يوم عظيم ، يخاف نوح على قومه ما ينتظرهم فيه من عذاب . . وهكذا تتبين مفارقة منهج الله وتقريره في شأن العقيدة ، ومناهج الخابطين في الظلام من « علماء الأديان » وأتباعهم الغافلين عن منهج القرآن .

فكيف كان استقبال المنحرفين الضالين من قوم نوح لهذه الدعوة الخالصة الواضحة المستقيمة؟

{ قال الملأ من قومه: إنا لنراك في ضلال مبين } !

كما قال مشركو العرب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - إنه صبأ ، ورجع عن دين إبراهيم!

وهكذا يبلغ الضال من الضلال أن يحسب من يدعوه إلى الهدى هو الضال! بل هكذا يبلغ التبجح الوقح بعدما يبلغ المسخ في الفطر! . . هكذا تنقلب الموازين ، وتبطل الضوابط ، ويحكم الهوى؛ ما دام أن الميزان ليس هو ميزان الله الذي لا ينحرف ولا يميل .

وماذا تقول الجاهلية اليوم عن المهتدين بهدى الله؟ إنها تسميهم الضالين ، وتعد من يهتدي منهم ويرجع بالرضى والقبول! . . أجل من يهتدي إلى المستنقع الكريه ، وإلى الوحل الذي تتمرغ الجاهلية فيه!

وماذا تقول الجاهلية اليوم للفتاة التي لا تكشف عن لحمها؟ وماذا تقول للفتى الذي يستقذر اللحم الرخيص؟ إنها تسمي ترفعهما هذا ونظافتهما وتطهرهما « رجعية » وتخلفًا وجمودًا وريفية! وتحاول الجاهلية بكل ما تملكه من وسائل التوجيه والإعلام أن تغرق ترفعهما ونظافتهما في الوحل الذي تتمرغ فيه في المستنقع الكريه!

وماذا تقول الجاهلية لمن ترتفع اهتماماته عن جنون مباريات الكرة؛ وجنون الأفلام والسينما والتليفزيون وما إليه؛ وجنون الرقص والحفلات الفارغة والملاهي؟ إنها تقول عنه: إنه « جامد » . ومغلق على نفسه ، وتنقصه المرونة والثقافة! وتحاول أن تجره إلى تفاهة من هذه ينفق فيها حياته . .

إن الجاهلية هي الجاهلية . . فلا تتغير إلا الأشكال والظروف!

وينفي نوح عن نفسه الضلال ، ويكشف لهم عن حقيقة دعوته ومنبعها ، فهو لم يبتدعها من أوهامه وأهوائه . إنما هو رسول من رب العالمين . يحمل لهم الرسالة . ومعها النصح والأمانة . ويعلم من الله ما لا يعلمون . فهو يجده في نفسه ، وهو موصول به ، وهم عنه محجوبون: { قال: يا قوم ليس بي ضلالة ، ولكني رسول من رب العالمين . أبلغكم رسالات ربي ، وأنصح لكم ، وأعلم من الله ما لا تعلمون } .

وقال تعالى: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) [المائدة/]

الرَّسُولُ مُكَلَّفٌ مِنْ رَبِّهِ بِإبْلاغِ النَّاسِ أوَامِرَ رَبِّهِ وَرِسَالاتِهِ ، وَحِسَابُ النَّاسِ عَلَى اللهِ ، وَهُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَالعَلَنَ ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا تُخْفِي الصُّدُورُ ، وَمَا يُبَيِّتُهُ الإِنْسَانُ فِي سِرِّهِ ، وَسَيُحَاسَبُ كُلَّ إنْسَانٍ عَلَى جَميعِ أعْمَالِهِ فِي الدُّنْيا .

وقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) [آل عمران/19، 20]

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى بِأنَّهُ لاَ يَقْبَلُ دِينًا مِنْ أحَدٍ غَيْرَ دَينِ الإِسْلاَمِ . وَالإِسْلاَمُ هُوَ الاسْتِسْلاَمُ الكَامِلُ للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، واتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ ، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، فَمَنْ لَقِيَ اللهَ بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمًّدٍ عَلَى غَيْرِ شَرِيْعَتِهِ فَلا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ ، وَجَاءَتِ الرُّسُلُ أقْوَامَهُمْ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمُ اتِّبَاعَ سَبيلِ اللهِ هذا ، وَيَحُثُّونَهُمْ عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَلكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِسمَا بَيْنَهُمْ ، وَخَرَجُوا عِنِ الإِسْلاَمِ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ الأنْبِيَاءُ ، وَتَفَرَّقُوا شِيَعًا وَطَوَائِفَ مُتَنَاحِرَةً مَتَقَاتِلَةً . وَلَمْ يَكُنْ سَبَبُ ذَلِكَ الاخْتِلافِ جَهْلًا بِحَقِيقَةِ الدِّينِ ، فَالدِّينُ وَاحِدٌ لا مَجَالَ لِلاخْتِلاَفِ فِيهِ ، وَلكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا اعْتِداءً وَظُلْمًا وَبَغْيًا وَتَبَاغُضًا بَيْنَهُمْ ( بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) ، وَاتِّبَاعًا للرُّؤَسَاءِ الذِينَ تَجَاوَزُوا الحُدُودَ ، وَلَوْلا بَغْيُهُمْ وَنَصْرُهُمْ مَذْهَبًا على َذْهَبٍ ، وَتَضْلِيلُهُمْ مَنْ خَالَفهُمْ بِتُفْسِيرِ نُصُوصِ الدِّينِ بِالرَّأيِ وَالهَوَى ، وَتَأوِيلُ بَعْضِهِ أوْ تَحْرِيفُهُ ، لَمَا حَدَثَ هَذا الاخْتِلافُ .

وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ الدَّالَةِ عَلى وُجوبِ الاعْتِصَامِ بِالدِّينِ وَوَحْدَتِهِ ، فَإنَّ اللهَ يجَازِيهِ عَلَى مَا اجْتَرحَ مِنَ السَّيِّئاتِ ، واللهُ سَريعُ الحِسَابِ .

فَإنْ جَادَلَكَ أهْلُ الكِتَابِ أوْ غَيْرُهُمْ ( حَاجُّوكَ ) يَا مُحَمَّدُ فِي التَّوْحِيدِ ، بَعْدَ أنْ أقَمْتَ لَهُمُ البَيِّنَاتِ وَالبَرَاهِينَ ، وَبَعْدَ أَنْ جِئْتَهُمْ بِالحَقِّ ، فَقُلْ لَهُمْ: إنَّني أخْلَصْتُ عِبَادَتِي للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَلا نِدَّ ، وَلاَ وَلَدَ وَلاَ صَاحِبَةَ: وَمَنِ اتًَّبَعَني عَلى دِينِي يَقُولُ كَمَقَالَتِي . وقُلْ لأَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى وَللأمِّيينَ ( مُشْرِكِي العَرَبِ ) أأسْلَمْتُمْ وَآمنْتُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ ، كَمَا أسْلَمْتُ أنا . فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا إلى الخَيْرِ وَالرَّشَادِ ، وَإنْ رَفَضُوا الدُّخُولَ فِي الإِسْلاَمِ ، وَآثَرُوا البَقَاءَ عَلَى مَا هُمْ عَليهِ ، فَأنْتَ مُكَلَّفٌ بِبَلاغِهِمْ وَدَعْوتِهِمْن وَإلى اللهِ مَرْجِعُهُمْ ، وَعَليهِ حِسَابُهُمْ ، وَاللهُ عَليمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ ، مِمَّنْ يِسْتَحِقُّ الضَّلاَلَ .

ألوهية واحدة . . وإذن فدينونة واحدة . . واستسلام لهذه الألوهية لا يبقى معه شيء في نفوس العباد ولا في حياتهم خارجا عن سلطان الله .

ألوهية واحدة . . وإذن فجهة واحدة هي صاحبة الحق في تعبيد الناس لها ; وفي تطويعهم لأمرها ; وفي إنفاذ شريعتها فيهم وحكمها ; وفي وضع القيم والموازين لهم وأمرهم باتباعها ; وفي إقامة حياتهم كلها وفق التعليمات التي ترضاها . .

ألوهية واحدة . . وإذن فعقيدة واحدة هي التي يرضاها الله من عباده . عقيدة التوحيد الخالص الناصع . . ومقتضيات التوحيد هذه التي أسلفنا: (إن الدين عند الله الإسلام) . .

الإسلام الذي هو ليس مجرد دعوى , وليس مجرد راية , وليس مجرد كلمة تقال باللسان ; ولا حتى تصورا يشتمل عليه القلب في سكون ; ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام . . لا . فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس دينا سواه . إنما الإسلام الاستسلام . الإسلام الطاعة والاتباع . الإسلام تحكيم كتاب الله في أمور العباد . . كما سيجيء في السياق القرآني ذاته بعد قليل

والإسلام توحيد الألوهية والقوامة . . بينما كان أهل الكتاب يخلطون بين ذات الله - سبحانه - وذات المسيح - عليه السلام - كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيح أيضا . . ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافا عنيفا يصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل والقتال . . هنا يبين الله لأهل الكتاب وللجماعة المسلمة علة هذا الاختلاف:

(وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم . بغيا بينهم) .

إنه ليس اختلافا عن جهل بحقيقة الأمر . فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله , وتفرد الألوهية . وبطبيعة البشرية , وحقيقة العبودية . . ولكنهم إنما اختلفوا (بغيا بينهم) واعتداء وظلما ; حينما تخلوا عن قسط الله وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعته وكتبه .

وقد رأينا فيما نقلناه عن المؤلف المسيحي الحديث كيف كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية . وليس هذا إلا نموذجا مما تكرر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية . وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما اليهما للحكم الروماني سببا في رفض المذهب الروماني الرسمي والتمذهب بمذهب آخر ! كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سببا في ابتداع مذهب وسط , يظن أنه يوفق بين الأغراض جميعا !! كأنما العقيدة لعبة تستخدم في المناورات السياسية والوطنية ! وهذا هو البغي أشنع البغي . عن قصد وعن علم !

ومن ثم يجيء التهديد القاصم في موضعه المناسب: (ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب) . .

وقد عد الاختلاف على حقيقة التوحيد كفرا ; وهدد الكافرين بسرعة الحساب ; كي لا يكون الإمهال - إلى أجل - مدعاة للجاجة في الكفر والإنكار والاختلاف . .

ثم لقن نبيه - صلى الله عليه وسلم - فصل الخطاب في موقفه من أهل الكتاب والمشركين جميعا . ليحسم الأمر معهم عن بينة , ويدع أمرهم بعد ذلك لله , ويمضي في طريقه الواضح متميزا متفردا: (فإن حاجوك فقل:أسلمت وجهي لله ومن اتبعن . وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ? فإن أسلموا فقد اهتدوا . وإن تولوا فإنما عليك البلاغ . والله بصير بالعباد) . .

إنه لا سبيل إلى مزيد من الإيضاح بعد ما تقدم . فإما اعتراف بوحدة الألوهية والقوامة , وإذن فلا بد من الإسلام والاتباع . وإما مماحكة ومداورة . وإذن فلا توحيد ولا إسلام .

ومن ثم يلقن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - كلمة واحدة تبين عقيدته كما تبين منهج حياته: (فإن حاجوك) - أي في التوحيد وفي الدين - (فقل:أسلمت وجهي لله) أنا (ومن اتبعن) . . والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا . فليس هو مجرد التصديق . إنما هو الأتباع . كما أن التعبير بالإسلام الوجه ذو مغزىكذلك . فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان . إنما هو كذلك الاستسلام . استسلام الطاعة والاتباع . . وإسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام . والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان . فهي صورة الانقياد الطائع الخاضع المتبع المستجيب .

هذا اعتقاد محمد - صلى الله عليه وسلم - ومنهج حياته . والمسلمون متبعوه ومقلدوه في اعتقاده ومنهج حياته . . فليسأل إذن أهل الكتاب والأميين سؤال التبين والتمييز ووضع الشارة المميزة للمعسكرين على وضوح لا اختلاط فيه ولا اشتباه: (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين:أأسلمتم ?) . .

فهم سواء . هؤلاء وهؤلاء . المشركون وأهل الكتاب هم مدعوون إلى الإسلام بمعناه الذي شرحناه . مدعوون للإقرار بتوحيد ذات الله , ووحدة الألوهية ووحدة القوامة . مدعوون بعد هذا الإقرار إلى الخضوع لمقتضاه . وهو تحكيم كتاب الله ونهجه في الحياة .

(فإن أسلموا فقد اهتدوا) . .فالهدى يتمثل في صورة واحدة . هي صورة الإسلام . بحقيقته تلك وطبيعته . وليس هنالك صورة أخرى , ولا تصور آخر , ولا وضع آخر , ولا منهج آخر يتمثل فيه الاهتداء . . إنما هو الضلال والجاهلية والحيرة والزيغ والالتواء . .

(وإن تولوا فإنما عليك البلاغ) . .فعند البلاغ تنتهي تبعة الرسول وينتهي عمله . وكان هذا قبل أن يأمره الله بقتال من لا يقبلون الإسلام حتى ينتهوا:إما إلى اعتناق الدين والخضوع للنظام الذي يتمثل فيه . وإما إلى التعهد فقط بالطاعة للنظام في صورة أداء الجزية . . حيث لا إكراه على الاعتقاد . .

(والله بصير بالعباد) . . يتصرف في أمرهم وفق بصره وعلمه . وأمرهم إليه على كل حال .

وقال تعالى: وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) [الرعد/40]

وَإِنْ أَرَيْنَاكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، بَعْضَ الذِي أَوْعَدْنَا بِهِ أَعْدَاءَكَ مِنَ الخِزْيَ وَالنّكَالِ فِي الدُّنيا ، أَوْ تَوَفَيْنَاكَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ لِتُبَلِّغَهُمْ رِسَالَةَ اللهِ ، وَقَدْ فَعَلْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ ، وَجَزَاؤُهُمْ ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ، وَسَيَجْزِي اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ ، وَيَجْزِي الكَافِرِينَ بِالخِزِيِّ ، فِي الدُّنْيا ، وَبِالعَذَابِ الدَّائِمِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فِي الآخِرَةِ .

وهكذا تتجلى طبيعة الرسالة وحدود الرسول . . إنما هو منذر ، ليس عليه إلا البلاغ وليس له إلا أن يتلو ما أوحي إليه ، وما كان له أن يأتي بخارقة إلا بإذن لله . ثم هو عبد لله ، الله ربه ، وإليه متابه ومآبه؛ وهو بشر من البشر يتزوج وينسل؛ ويزاول بشريته كاملة بكل مقتضيات البشرية؛ كما يزاول عبوديته لله كاملة بكل مقتضيات العبودية . .

وبهذه النصاعة الكاملة في العقيدة الإسلامية تنتهي تلك الأوهام والأساطير المهِّومة في الفضاء والظلام ، حول طبيعة النبوة وطبيعة النبي ، وتخلص العقيدة من تلك التصورات المحيرة التي حفلت بها العقائد الكنسية كما حفلت بها شتى العقائد الوثنية؛ والتي قضت على « المسيحية » منذ القرن الأول لها أن تكون إحدى العقائد الوثنية في طبيعتها وحقيقتها ، بعد ما كانت عقيدة سماوية على يد المسيح عليه السلام؛ تجعل المسيح عبدًا لله؛ لا يأتي بآية إلا بإذن الله .

إن هذا القول إنما يقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - الرسول الذي أوحي إليه من ربه .

وكلف مخاطبة الناس بهذه العقيدة . . وخلاصة هذا القول: إن أمر هذا الدين ليس إليه هو ، ومآل هذه الدعوة ليس من اختصاصه! إنما عليه البلاغ وليس عليه هداية الناس . فالله وحده هو الذي يملك الهداية . سواء حقق الله بعض وعده له من مصير القوم أو أدركه الأجل قبل تحقيق وعد الله ، فهذا أو ذاك لا يغير من طبيعة مهمته . . البلاغ . . وحسابهم بعد ذلك على الله . . وليس بعد هذا تجريد لطبيعة الداعية وتحديد لمهمته . فواجبه محدد ، والأمر كله في هذه الدعوة وفي كل شيء آخر لله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت