فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 139

قال تعالى: وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) [الأعراف/104-105]

وَقَالَ مُوسَى لِفِرْعَونَ: لَقَدْ أَرْسَلَنِي رَبِّي وَرَبُّ العَالَمِينَ إِلَيْكَ ، وَهُوَ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فِي هَذا الوُجُودِ . وَجَدِيرٌ بِي ، وَحَقٌّ عَلَيَّ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ ) ، أَنْ لاَ أَفْتَرِي عَلَى اللهِ كَذِبًا ، وَأَنْ لاَ أَقُولُ إلاَّ الحَقَّ وَالصِدْقَ ، لِمَا أَعْلَمُهُ مِنْ جَلالِ شَأْنِهِ وَعَظَمَتِهِ ، وَلَقَدْ جِئْتُكُمْ بِحُجَّةٍ قَاطِعَةٍ ، مِنْ رَبِّكُمْ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ ، فَاسْمَحْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ ، وَحَرِّرْهُمْ مِنْ رِبْقَةِ العُبُودِيَّةِ التِي فَرَضْتَهَا عَلَيْهِمْ .

{ يا فرعون } . . لم يقل له: يا مولاي! كما يقول الذين لا يعرفون من هو المولى الحق! ولكن ناداه بلقبه في أدب واعتزاز . ناداه ليقرر له حقيقة أمره ، كما يقرر له أضخم حقائق الوجود: { إني رسول من رب العالمين } . .

لقد جاء موسى - عليه السلام - بهذه الحقيقة التي جاء بها كل رسول قبله . حقيقة ربوبية الله الواحد للعالمين جميعًا . . ألوهية واحدة وعبودية شاملة . . لا كما يقول الخابطون في الظلام من « علماء الأديان » ومن يتبعهم في زعمهم عن « تطور العقيدة » إطلاقًا ، وبدون استثناء لما جاء به الرسل من ربهم أجمعين! . . إن العقيدة التي جاء بها الرسل جميعًا عقيدة واحدة ثابتة؛ تقرر ألوهية واحدة للعوالم جميعها . ولا تتطور من الآلهة المتعددة ، إلى التثنية ، إلى الوحدانية في نهاية المطاف . . فأما جاهليات البشر - حين ينحرفون عن العقيدة الربانية - فلا حد لتخبطها بين الطواطم والأرواح والآلهة المتعددة والعبادات الشمسية والتثنية والتوحيد المشوب برواسب الوثنية . . وسائر أنواع العقائد الجاهلية . . ولا يجوز الخلط بين العقائد السماوية التي جاءت كلها بالتوحيد الصحيح ، الذي يقرر إلهًا واحدًا للعالمين؛ وتلك التخبطات المنحرفة عن دين الله الصحيح .

ولقد واجه موسى - عليه السلام - فرعون وملأه بهذه الحقيقة الواحدة ، التي واجه بها كل نبي - قبله أو بعده - عقائد الجاهلية الفاسدة . . واجهه بها وهو يعلم أنها تعني الثورة على فرعون وملئه ودولته ونظام حكمه . . إن ربوبية الله للعالمين تعني - أول ما تعني - إبطال شرعية كل حكم يزاول السلطان على الناس بغير شريعة الله وأمره؛ وتنحية كل طاغوت عن تعبيد الناس له - من دون الله - بإخضاعهم لشرعه هو وأمره . . واجهه بهذه الحقيقة الهائلة بوصفه رسولًا من رب العالمين . . ملزمًا ومأخوذًا بقول الحق على ربه الذي أرسله .

{ حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق } . . فما كان الرسول الذي يعلم حقيقة الله ، ليقول عليه إلا الحق ، وهو يعلم قدره؛ ويجد حقيقته - سبحانه - في نفسه ..

{ قد جئتكم ببينة من ربكم } . .تدلكم على صدق قولي: إني رسول من رب العالمين .

وباسم تلك الحقيقة الكبيرة . . حقيقة الربوبية الشاملة للعالمين . . طلب موسى من فرعون أن يطلق معه بني إسرائيل . .

إن بني إسرائيل عبيد لله وحده؛ فما ينبغي أن يعبدهم فرعون لنفسه! إن الإنسان لا يخدم سيدين ، ولا يعبد إلهين . فمن كان عبدًا لله ، فما يمكن أن يكون عبدًا لسواه . وإذ كان فرعون إنما يعبد بني إسرائيل لهواه؛ فقد أعلن له موسى أن رب العالمين هو الله . وإعلان هذه الحقيقة ينهي شرعية ما يزاوله فرعون من تعبيد بني إسرائيل!

إن إعلان ربوبية الله للعالمين هي بذاتها إعلان تحرير الإنسان . تحريره من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله . تحريره من شرع البشر ، ومن هوى البشر ، ومن تقاليد البشر ، ومن حكم البشر

وإعلان ربوبية الله للعالمين لا يجتمع مع خضوع أحد من العالمين لغير الله؛ ولا يجتمع مع حاكمية أحد بشريعة من عنده للناس . . والذين يظنون أنهم مسلمون بينما هم خاضعون لشريعة من صنع البشر - أي لربوبية غير ربوبية الله - واهمون إذا ظنوا لحظة واحدة أنهم مسلمون! إنهم لا يكونون في دين الله لحظة واحدة وحاكمهم غير الله ، وقانونهم غير شريعة الله . إنما هم في دين حاكمهم ذاك . في دين الملك لا في دين الله!

وعلى هذه الحقيقة أُمر موسى - عليه السلام - أن يبني طلبه من فرعون إطلاق بني إسرائيل: { يا فرعون إني رسول من رب العالمين } . . . { فأرسل معي بني إسرائيل } . . .

مقدمة ونتيجة . . تتلازمان ولا تفترقان . .

وقال تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) [الشعراء/105-110]

يُخبرُ اللهُ تَعَالى عَنْ نوحٍ عَلَيهِ السَّلامُ ، وَهُوَ أولُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالى إِلى أَهلِ الأرضِ ، بَعدَمَا عَبَدَ النَّاسُ الأَصْنَامَ والأَنْدَادَ ، فَبَعَثَهُ اللهُ إلى قومهِ نَاهيًا لَهُمْ عَنْ ذَلك ، وَمُحَذِّرًا إيَّاهُمْ مِنْ عِقَابِ اللهِ تَعالَى ، فكَذَّّبَهُ قَومُهُ ، واستَمَرُّوا مُقِيمينَ عَلَى عِبَادَةِ الأصْنَامِ والأَوْثَانِ والشِّرْكِ باللهِ . ( ومَنْ كَذَّبَ رسُولًا فكأَنَّه كَذَّبَ جَميعَ المُرْسَلين لاتِّحَادِ دَعْوَةِ جميعِ الرُّسُلِ في أُصُولِها وغَايَاتِها ، وَلِذلِكَ قَالَ: { كَذَّبَتْ قومُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ . }

إِذْ قالَ لَهُمْ نوحٌ - وسَمَّاهُ أخَاهُمْ لأَنَّهُ مِنْهُمْ نَسَبًا -: ألا تَخَافُونَ الله في عِبَادَتِكُم غَيْرَهُ؟ وَهلاَّ اتَّقَيْتُمْ عِقَابَهُ؟

إنِّي رَسُولُ اللهِ إليكُمْ؟ أمينٌ فِيمَا بَعَثَني بهِ إليْكُمْ ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالات رَبِّي ، ولا أَزيدُ فِيهَا ولا أًُنْقِصُ مِنْهَا . فَأَطِيعُونِي فيما دَعَوْتُكُمْ إليهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، واتَّقُوهُ وأَخْلِصُوا العِبَادَةَ لَهُ ، وأَقْلِعُوا عَنِ ارْتِكَابِ المُنْكَرَاتِ والمَعَاصِي .

وإِنِّي لا أطْلُبُ منكُمْ أجْرًا ، ولا جَزَاءً ، عَلَى نُصْحِي في إِبْلاَغِ رِسَالَةِ رَبِّكُمْ إلَيْكُمْ ، وإنَّمَا أَبْتَغِي الاجْرَ والثَّوَابَ على ذَلك عندَ اللهِ ربِّ العَالَمين

فَخَافُوا الله واتَّقُوهُ وأَطِيعُوني واسْتِجِيُبُوا لِنُصْحِي ، فَقَدْ وَضَحَ لَكُمْ الأمْرُ ، وبَانَ لَكُمْ نُصْحِي وأَمَانَتِي في أداءِ مَا بَعَثَنِي الله بِهِ إليكُمْ .

تلك هي النهاية . نهاية القصة . يبدأ بها لإبرازها منذ البداية . ثم يأخذ في التفصيل .

وقوم نوح لم يكذبوا إلا نوحًا . ولكنه يذكر أنهم كذبوا المرسلين . فالرسالة في أصلها واحدة ، وهي دعوة إلى توحيد الله ، وإخلاص العبودية له . فمن كذب بها فقد كذب بالمرسلين أجمعين ، فهذه دعوتهم أجمعين . والقرآن يؤكد هذا المعنى ويقرره في مواضع كثيرة ، بصيغ متعددة ، لأنه كلية من كليات العقيدة الإسلامية ، تحتضن بها الدعوات جميعًا؛ وتقسم بها البشرية كلها إلى صفين: صف المؤمنين وصف الكافرين ، على مدار الرسالات ومدار القرون . وينظر المسلم فإذا الأمة المؤمنة لكل دين وكل عقيدة من عند الله هي أمته ، منذ فجر التاريخ إلى مشرق الإسلام دين التوحيد الأخير .

وإذا الصف الآخر هم الكفار في كل ملة وفي كل دين . وإذا المؤمن يؤمن بالرسل جميعًا ، ويحترم الرسل جميعًا ، لأنهم جميعهم حملة رسالة واحدة هي رسالة التوحيد .

إن البشرية لا تنقسم في تقدير المسلم إلى أجناس وألوان وأوطان . إنما تنقسم إلى أهل الحق وأهل الباطل . وهو مع أهل الحق ضد أهل الباطل . في كل زمان وفي كل مكان . وهكذا يتوحد الميزان في يد المسلم على مدار التاريخ كله؛ وترتفع القيم في شعوره عن عصبية الجنس واللون واللغة والوطن ، والقرابات الحاضرة أو الموغلة في بطن التاريخ . ترتفع فتصبح قيمة واحدة . هي قيمة الإيمان يحاسب بها الجميع ، ويقوّم بها الجميع .

{ كذبت قوم نوح المرسلين . إذ قال لهم أخوهم نوح: ألا تتقون؟ إني لكم رسول أمين . فاتقوا الله وأطيعون . وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين . فاتقوا الله وأطيعون } .

هذه هي دعوة نوح التي كذبه فيها قومه وهو أخوهم وكان الأليق بالأخوة أن تقود إلى المسالمة والاطمئنان والإيمان والتصديق . ولكن قومه لم يأبهوا لهذه الصلة ، ولم تلن قلوبهم لدعوة أخيهم نوح إذ قال لهم: { ألا تتقون؟ } وتخافون عاقبة ما أنتم فيه؟ وتستشعر قلوبكم خوف الله وخشيته؟

وهذا التوجيه إلى التقوى مطرد في هذه السورة . فهكذا قال الله عن فرعون وقومه لموسى وهو يكلفه التوجه إليهم . وهكذا قال نوح لقومه . وهكذا قال كل رسول لقومه من بعد نوح:

{ إِني لكم رسول أمين } . . لا يخون ولا يخدع ولا يغش ، ولا يزيد شيئًا أو ينقص شيئًا مما كلفه من التبليغ .

{ فاتقوا الله وأطيعون } . . وهكذا يعود إلى تذكيرهم بتقوى الله ، ويحددها في هذه المرة ، وينسبها إلى الله تعالى ، ويستجيش بها قلوبهم إلى الطاعة والتسليم .

ثم يطمئنهم من ناحية الدنيا وأعراضها ، فما له فيها من أرب بدعوتهم إلى الله ، وما يطلب منهم أجرًا جزاء هدايتهم إليه ، فهو يطلب أجره من رب الناس الذي كلفه دعوة الناس . وهذا التنبيه على عدم طلب الأجر يبدو أنه كان دائمًا ضروريًا للدعوة الصحيحة ، تمييزًا لها مما عهده الناس في الكهان ورجال الأديان من استغلال الدين لسلب أموال العباد . وقد كان الكهنة ورجال الدين المنحرفون دائمًا مصدر ابتزاز للأموال بشتى الأساليب . فأما دعوة الله الحقة فكان دعاتها دائمًا متجردين ، لا يطلبون أجرًا على الهدى . فأجرهم على رب العالمين .

وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: أَضَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ضَيْفًا فَلَمْ يَلْقَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَا يَصْلُحُهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ:"يَقُولُ لَكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ: أَسْلِفْنِي دَقِيقًا إِلَى هِلَالِ رَجَبٍ". قَالَ: لَا ، إِلَّا بِرَهْنٍ . فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ:"أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَمِينٌ فِي السَّمَاءِ أَمِينٌ فِي الْأَرْضِ ، وَلَوْ أَسْلَفَنِي أَوْ بَاعَنِي لَأَدَّيْتُ إِلَيْهِ". فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ؛ يَعْزِفُهُ عَنِ الدُّنْيَا . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ [1]

وَعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ مَوْلاهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ يَبْنِى الْكَعْبَةَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: وَلِى حَجَرٌ أَنَا نَحَتُّهُ بِيَدَىَّ أَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَأَجِىءُ بِاللَّبَنِ الْخَاثِرِ الَّذِى أَنْفَسُهُ عَلَى نَفْسِى، فَأَصُبُّهُ عَلَيْهِ فَيَجِىءُ الْكَلْبُ فَيَلْحَسُهُ، ثُمَّ يَشْغَرُ فَيَبُولُ، فَبَنَيْنَا حَتَّى بَلَغْنَا مَوْضِعَ الْحَجَرِ، وَمَا يَرَى الْحَجَرَ أَحَدٌ، فَإِذَا هُوَ وَسْطَ حِجَارَتِنَا مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ يَكَادُ يَتَرَاءَى مِنْهُ وَجْهُ الرَّجُلِ، فَقَالَ: بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ نَحْنُ نَضَعُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: نَحْنُ نَضَعُهُ، فَقَالُوا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا، قَالُوا: أَوَّلَ رَجُلٍ يَطْلُعُ مِنَ الْفَجِّ، فَجَاءَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الأَمِينُ، فَقَالُوا لَهُ، فَوَضَعَهُ فِى ثَوْبٍ، ثُمَّ دَعَا بُطُونَهُمْ فَأَخَذُوا بِنَوَاحِيهِ مَعَهُ، فَوَضَعَهُ هُوَ - صلى الله عليه وسلم - [2] -

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ قَالَ: لَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ دَخَلَ قَالُوا: قَدْ جَاءَ الْأَمِينُ ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ [3] .

ــــــــــــ

من يؤذي الرسل له عذاب أليم

قال تعالى: { وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) } [التوبة/61-66]

وَمِنَ المُنَافِقِينَ قَوْمٌ يُؤْذًُونَ رَسُولَ اللهِ بِالكَلاَمِ فِيهِ ، وَيَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحٍَ ، وَمَنْ قَالَ لَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ ، وَمَنْ حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ ، فَإِذَا جِئْنَا وَحَدَّثْنَاهُ وَحَلَفْنَا لَهُ صَدَّقَنَا .

فَقُلْ لَهُمْ: هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ ، وَلاَ يَقْبَلُ مِمَّا يَسْمَعُ إِلاَّ مَا يَعُدُّه حَقًّاُ ، وَفِيهِ مَصْلَحَةُ الخَلْقِ ، وَلَيْسَ هُوَ بِأُذُنٍ فِي سَمَاعِ البَاطِلِ وَالكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ ، إِنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللهِ ، وَيُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَثِقُ بِدِينِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ ، وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الكَافِرِينَ . وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ بِالقَوْلِ أَوْ بِالعَمَلِ قَدْ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الآخِرَةِ .

قَالَ رَجُلٌ مِنَ المُنَافِقِينَ عَنْ رُؤَسَاءِ المُنَافِقِينَ ، الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَنَزَلَ فِيهِمْ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: ( إِنَّ هَؤُلاَءِ لَخِيَارُنَا وَأَشْرَافُنَا ، وَإِذَا كَانَ مَا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا ، لَهُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ ) . فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لاَ يَقُولُ إِلاَّ حَقًّا ، وَلأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمَارِ ) . ثُمَّ ذَهَبَ المُسْلِمُ إِلَى رَسُولِ اللهِ يُحَدِّثُهُ بِمَا جَرَى . فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ إِلَى المُنَافِقِ وَسَأَلَهُ ، وَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا قُلْتَ؟ فَأَخَذَ المُنَافِقُ يَحْلِفُ بِاللهِ إِنَّهُ مَا قَالَ ذَلِكَ . وَقَالَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ ، وَكَذِّبْ الكَاذِبَ . فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ الْكَرِيمَةَ .

فَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَا قَالُوا مَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِمَّا يُورِثُ أَذَى النَّبِيِّ لِيُرْضُوكُمْ ، فَلاَ تُخْبِرُوا النَّبِيَّ ، مَعْ أَنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ أَحَقُّ بِالإِرْضَاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ، لأنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ . وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ .

أَلاَ يَعْلَمُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ أَنَّ مَن شَاقَّ اللهَ وَرَسُولَهُ بِتَعَدِّي حُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، وَحَارَبَهُمَا وَخَالَفَهُمَا ، وَلَمَزَ رَسُولَ اللهِ فِي أَعْمَالِهِ وَأَخْلاَقِهِ ، فَإِنَّهُ سَيَصْلَى نَارَ جَهَنَّمَ ، وَيَبْقَى خَالِدًا فِيهَا ، وَهَذا هُوَ الذُّلُ العَظِيمُ ، وَالشَّقَاءُ الكَبِيرُ .

كَانَ المُنَافِقُونَ يَقُولُونَ القَوْلَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسَى اللهُ أَنْ لاَ يَفْشِي عَلَيْنَا سِرَّنَا هَذَا بِإِنْزَالِ آيَةٍ عَلَى رَسُولِهِ ، تَفْضَحُ مَا قُلْنَاهُ .

وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا: إِنَّهُ سَيُخْرِجُ مَا يَحْذَرُونَ لِيَعْلَمَهُ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ ، فَلْيَسْتَهْزِئُوا مَا شَاؤُوا .

وَخَوْفُ المُنَافِقِينَ مِنَ الْفَضِيحَةِ ، وَمِنْ كَشْفِ عَوْرَاتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ، همُاَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الشَّكِّ وَالارْتِيَابِ ، لأَنَّهُمْ مُذَبْذَبُونَ ، لاَ هُمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ الْمُوقِنِينَ ، وَلاَ هُمْ بِالكَافِرِينَ الجَازِمِينَ بِصِحَّةِ الكُفْرِ .

حِينَمَا كَانَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - مُنْطَلِقًا فِي الطَّرِيقِ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ بَعْضُ المُنَافِقِينَ لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ جَلاَدَ بَنِي الأَصْفَر ( يَعْنِي الرُّوم ) كَقِتَالِ العَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَاللهِ لَكَأَنَّنَا بِكُمْ غَدًا مُقْرَّنِينَ فِي الحِبَالِ؟ وَكَانَ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ إِرْجَافًا ، وَتَرْهِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ . فَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَدْرِكِ القَوْمَ فَقَدِ احْتَرَقُوا ، فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا ، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ بَلَى قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا . . فَقَالَ لَهُمْ عَمَّارُ ذَلِكَ فَأَتَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ ، وَقَالَ أَحَدُهُمْ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّمَا كَنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ . أَيْ إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا جَادِّينَ فِيمَا يَقُولُونَ ، وَإِنَّمَا قَالُوا مَا قَالُوا لِلتَّسَلِّيِ وَالتَّلَهِّي ، وَفِي ظَنِّهِمْ أَنَّ هَذَا عُذْرٌ مَقْبُولٌ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اتِخَاذَ الدِّينِ هَزْوًا وَلِعِبًا كُفْرٌ مَحْضٌ ، لأنَّ الخَوْضَ وَالَّلعِبَ فِي صِفَاتِ اللهِ ، وَشَرْعِهِ وَآيَاتِهِ ، المُنْزَّلَةِ هُوَ اسْتِهْزَاءٌ بِهَا .

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِهَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ: لاَ تَعْتَذِرُوا عَمَّا قُلْتُمْ ، فَقَدْ كَفَرْتُمْ بِهَذَا القَوْلِ الذِي اسْتَهْزَأْتُمْ بِهِ بِآيَاتِ اللهِ . وَاعْتِذَارُكُمْ هُوَ إِقْرَارٌ بِذَنْبِكُمْ ، فَإنْ يَعْفُ اللهُ تَعَالَى عَنْ بَعْضِكُمْ لِتَوْبَتِهِمْ ، فَإِنَّهُ سَيُعَذِّبُ بَعْضًا آخَرَ لأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ بِهَذِهِ المَقَالَة الفَاجِرَةِ ، وَلأَنَّهُمْ ظَلُّوا مُصِرِّينَ عَلَى نِفَاقِهِمْ .

إنه سوء الأدب في حق الرسول ، يبدو في صورة أخرى غير صورة اللمز في الصدقات . إنهم يجدون من النبي - صلى الله عليه وسلم - أدبًا رفيعًا في الاستماع إلى الناس بإقبال وسماحة؛ ويعاملهم بظاهرهم حسب أصول شريعته؛ ويهش لهم ويفسح لهم من صدره . فيسمون هذا الأدب العظيم بغير اسمه ، ويصفونه بغير حقيقته ، ويقولون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - { هو أذن } أي سماع لكل قول ، يجوز عليه الكذب والخداع والبراعة ، ولا يفطن إلى غش القول وزوره . من حلف له صدقه ، ومن دس عليه قولًا قبله . يقولون هذا بعضهم لبعض تطمينًا لأنفسهم أن يكشف النبي - صلى الله عليه وسلم - حقيقة أمرهم ، أو يفطن إلى نفاقهم . أو يقولونه طعنًا على النبي في تصديقه للمؤمنين الخلص الذين ينقلون له ما يطلعون عليه من شؤون المنافقين وأعمالهم وأقوالهم عن الرسول وعن المسلمين . وقد وردت الروايات بهذا وذلك في سبب نزول الآية .وكلاهما يدخل في عمومها . وكلاهما يقع من المنافقين .

ويأخذ القرآن الكريم كلامهم ليجعل منه ردًا عليهم:

{ ويقولون: هو أذن } . .نعم . . ولكن .

{ قل: أذن خير لكم } . .أذن خير يستمع إلى الوحي ثم يبلغه لكم وفيه خيركم وصلاحكم . وأذن خير يستمع إليكم في أدب ولا يجبهكم بنفاقكم ، ولا يرميكم بخداعكم ، ولا يأخذكم بريائكم .

{ يؤمن بالله } .فيصدق كل ما يخبره به عنكم وعن سواكم .

{ ويؤمن للمؤمنين } . .فيطمئن إليهم ويثق بهم ، لأنه يعلم منهم صدق الإيمان الذي يعصمهم من الكذب والالتواء والرياء . { ورحمة للذين آمنوا منكم } . .يأخذ بيدهم إلى الخير . { والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم } . .من الله غيرة على الرسول أن يؤذى وهو رسول الله .

{ يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين } .يحلفون بالله لكم ليرضوكم ، على طريقة المنافقين في كل زمان ، الذين يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون من وراء الظهور؛ ثم يجبنون عن المواجهة ، ويضعفون عن المصارحة ، فيتضاءلون ويتخاذلون للناس ليرضوهم .

{ والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين } . .فماذا يكون الناس؟ وماذا تبلغ قوتهم؟ ولكن الذي لا يؤمن بالله عادة ولا يعنو له ، يعنو لإنسان مثله ويخشاه؛ ولقد كان خيرًا أن يعنو لله الذي يتساوى أمامه الجميع ، ولا يذل من يخضع له ، إنما يذل من يخضع لعباده ، ولا يصغر من يخشاه ، إنما يصغر من يعرضون عنه فيخشون من دونه من عباد الله . { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدًا فيها ، ذلك الخزي العظيم } . . سؤال للتأنيب والتوبيخ ، فإنهم ليدعون الإيمان ، ومن يؤمن يعلم أن حرب الله ورسوله كبرى الكبائر ، وأن جهنم في انتظار من يرتكبها من العباد ، وأن الخزي هو الجزاء المقابل للتمرد . فإذا كانوا قد آمنوا كما يدعون ، فكيف لا يعلمون؟

(1) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 1 / ص 426) (982) فيه ضعف

(2) - غاية المقصد في زوائد المسند (1680 ) صحيح

(3) - المعجم الأوسط للطبراني (2537) ومجمع الزوائد ( 13880 ) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت