فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 139

حَكَمَ اللهُ تَعَالَى بِتَكْفِيرِ الذِينَ أدَّعُوا أنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ . وَقَالَ اللهُ تَعَالَى إنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ضَلاَلًا بَعِيدًا ، إذْ أَنَّهُمْ فِي إِطْرَائِهِمْ إيَّاهُ ، وَمَدْحِهِ غَلَوا غُلُوًّا كَبِيرًا ، يَفُوقُ غُلُوَّ اليَهُودِ فِي تَكْذِيبِهِ وَالافْتِرَاءِ عَلَيهِ وَعَلَى أُمِّهِ ، وَقَوْلِهِمْ عَلَيْهَا بُهْتَانًا عَظِيمًا ، مَعْ أنَّ المَسِيحَ قَالَ لَهُمْ غَيْرَ مَا يَقُولُونَ ، فَقَدْ أمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، مُعْتَرِفًا بِأنَّهُ رَبُّهُ وَرَبُّهُمْ ، وَأنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ، وَأَوَّلُ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا المَسِيحُ وَهُوَ صَغِيرٌ فِي المَهْدِ قَوْلُهُ: ( إنِّي عَبْدُ اللهِ ) .

وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ المَسِيحَ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ أَحَدًا فِي أُلُوهِيَّتِهِ ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ، وَلَنْ يَجِدَ الظَّالِمُونَ نَصِيرًا لَهُمْ وَلاَ مُعِينًا ، وَلاَ مُنْقِذًا مِنْ عَذَابِ اللهِ الذِي سَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ .

يُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى أنَّ الذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ هُمْ كُفَّارٌ ، وَأنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إلاَّ إلَه وَاحِدٌ ، وَهُوَ رَبُّ جَمِيعِ الكَائِنَاتِ وَإلهُهَا . وَيَتَوعَدُ اللهُ القَائِلِينَ ( إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ مِنَ الأَقَانِيمِ ) ، وَيَتَهَدَّدُهُمْ بِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَهُ مِنَ الكَذِبِ وَالافْتِرَاءِ ، لَيَمَسَّنَّ الذِينَ كَفُرُوا مِنْهُمْ ، عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ .

( وَتَقُولُ فِئَةٌ مِنَ النَّصَارَى بِالأَقَانِيمِ الثَّلاَثَةِ ، أقْنُومِ الأَبِ ، وَأقْنُومِ الابْنِ ، وَأقْنُومِ الكَلِمَةِ المُنْبَثِقَةِ مِنَ الأبِ إلى الابْنِ ) .

يَقُولُ تَعَالَى كَيْفَ يَسْمَعُ هَؤُلاَءِ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّفْنِيدِ لأَقْوَالِهِمْ ، وَالوَعِيدِ عَلَيْهَا ، ثُمَّ لاَ يَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إلَى التَّوْحِيدِ ، وَعَلَى اسْتِغْفَارِ اللهِ عَمَّا فَرَّطَ مِنْهُمْ؟ ثُمَّ يَحُثُهُمْ تَعَالَى عَلَى طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ لِيَتُوبَ عَلَيْهِم سُبْحَانَهُ ، وَهُوَ الجَوَادُ الكَرِيمُ .

المَسيحُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ ، أنْعَمَ اللهُ عَلَيهِ بِالرِّسَالَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْهُ رُسُلٌ مِنَ اللهِ ، وَلَهُ أسْوَةٌ بِهِمْ . وَأمُّهُ مُؤْمِنَةٌ مٌصَدِّقَةٌ لَهُ ( صِدِّيقَةٌ - وَهَذا أعْلَى مَقَامَاتِهَا فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أنَّها لَيْسَتْ نَبِيّةً ) ، وَكَانَ المَسِيحُ وَأمُّهُ يَحْتَاجَانِ إلى الطَّعَامِ وَالغِذاءِ ، وَمَا يَسْتَتْبِعُ الطَّعَامَ وَالغِذَاءَ ، فَهُمَا مَخْلُوقَانِ مِنَ البَشَرِ ، وَلاَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلهًا خَالِقًا ، وَلاَ رَبًّا مَعْبُودًا . فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدٌ كَيْفَ نُوَضِّحُ لَهُمُ الآيَاتِ وَنُظْهِرُهَا ، ثُمَّ انْظُرْ ، بَعْدَ ذَلِكَ التَّوْضِيحِ ، أيْنَ يَذْهَبُونَ ، وَبأيِّ قَوْلٍ يَتَمَسَّكُونَ ، وَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ؟

يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى الذِينَ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ وَالأنْدَادَ وَالأوْثَانَ وَالمَخْلُوقَاتِ ، ضَلاَلَهُمْ وَكُفْرَهُمْ وَعِبَادَتَهُمْ مَا لاَ يَضُرُّ وَلاَ يَنْفَعُ ، فَيَقُولُ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: قُلْ لِهَؤُلاَءِ النَّصَارَى وَأَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ: أَتَتْرُكُونَ عِبَادَةَ اللهِ الوَاحِدِ الأحَدِ ، وَهُوَ القَوِيُّ القَادِرُ ، الخَالِقُ السَّمِيعُ العَلِيمُ ، وَتَعْبدُونَ مَا لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلاَ لِغَيْرِهِ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا؟ وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوزًا ، مِنْ بَشَرٍ وَصَنَمٍ وَأنْدَادٍ؟

« جاء في كتاب » سوسنة سليمان « لنوفل بن نعمة الله بن جرجس النصراني: أن عقيدة النصارى التي لا تختلف بالنسبة لها الكنائس ، وهي أصل الدستور الذي بينه المجمع النيقاوي هي الإيمان بإله واحد: آب واحد ، ضابط الكل ، خالق السماوات والأرض ، كل ما يرى وما لا يرى . وبرب واحد يسوع ، الابن الوحيد المولود من الآب قبل الدهور من نور الله . إله حق من إله حق . مولود غير مخلوق ، مساو للأب في الجوهر ، الذي به كان كل شيء ، والذي من أجلنا نحن البشر ، ومن أجل خطايانا نزل من السماء ، وتجسد من الروح القدس ، ومن مريم العذراء تأنس ، وصلب عنا على عهد بيلاطس ، وتألم وقبر ، وقام من الأموات في اليوم الثالث على ما في الكتب ، وصعد إلى السماء وجلس على يمين الرب ، وسيأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات ، ولا فناء لملكه .والإيمان بالروح القدس ، الرب المحيي المنبثق من الآب ، الذي هو مع الابن يسجد له ، ويمجده ، الناطق بالأنبياء «

» وقال الدكتور « بوست » في تاريخ الكتاب المقدس: طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية: الله الآب ، والله الابن ، والله الروح القدس . فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن . وإلى الابن الفداء . وإلى الروح القدس التطهير « .

ونظرًا لصعوبة تصور الأقانيم الثلاثة في واحد ، وصعوبة الجمع بين التوحيد والتثليث ، فإن الكتاب النصارى عن اللاهوت حاولوا تأجيل النظر العقلي في هذه القضية ، التي يرفضها العقل ابتداء . ومن ذلك ما كتبه القس » بوطر « في رسالة » الأصول والفروع « حيث يقول: » قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا . ونرجو ان نفهمه فهمًا أكثر جلاء في المستقبل حين يكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض . وأما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية « .

والله - سبحانه - يقول: إن هذه المقولات كلها كفر . وهي تتضمن - كما رأينا - القول بألوهية المسيح عليه السلام؛ والقول بأن الله ثالث ثلاثة . . وليس بعد قول الله - سبحانه - قول . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل: { لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم . وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم . إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ، ومأواه النار ، وما للظالمين من أنصار } . .وهكذا حذرهم المسيح عليه السلام فلم يحذروا ، ووقعوا بعد وفاته عنهم فيما حذرهم من الوقوع فيه ، وما أنذرهم عليه الحرمان من الجنة والانتهاء إلى النار . . ونسوا قول المسيح - عليه السلام -: { يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } . .

حيث أعلن لهم أنه هو وهم في العبودية سواء ، لربوبية الله الواحد الذي ليس له من شركاء .

ويستوفي القرآن الحكم على سائر مقولاتهم الكافرة: { لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة } .

ويقرر الحقيقة التي تقوم عليها كل عقيدة جاء بها رسول من عند الله: { وما من إله إلا إله واحد } . .

ويهددهم عاقبة الكفر الذي ينطقون به ويعتقدونه: { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } . .

والكافرون هم الذين لا ينتهون عن هذه المقولات التي حكم عليها الله بالكفر الصراح .

ثم أردف التهديد والوعيد بالتحضيض والترغيب: { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } . .ليبقي لهم باب التوبة مفتوحًا؛ وليطمعهم في مغفرة الله ورحمته ، قبل فوات الآوان . .

ثم واجههم بالمنطق الواقعي القويم ، لعله يرد فطرتهم إلى الإدراك السليم . مع التعجيب من أمرهم في الانصراف عن هذا المنطق بعد البيان والإيضاح: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، وأمه صديقة ، كانا يأكلان الطعام .انظر كيف نبين لهم الآيات . ثم انظر أنى يؤفكون . . } أكل الطعام مسألة واقعية في حياة المسيح - عليه السلام - وأمه الصديقة . وهي خصيصة من خصائص الأحياء الحادثين ، ودليل على بشرية المسيح وأمه - أو على ناسوته بتعبيرهم اللاهوتي - فأكل الطعام تلبية لحاجة جسدية لا مراء فيها . ولا يكون إلهًا من يحتاج إلى الطعام ليعيش . فالله حي بذاته ، قائم بذاته ، باق بذاته ، لا يحتاج ، ولا يدخل إلى ذاته - سبحانه - أو يخرج منها شيء حادث كالطعام . .

ونظرًا لوضوح هذا المنطق الواقعي ونصاعته التي لا يجادل فيها إنسان يعقل ، فإنه يعقب عليه باستنكار موقفهم والتعجيب من انصرافهم عن ذلك المنطق البين: { انظر كيف نبين لهم الآيات ، ثم انظر أنى يؤفكون } . .ولقد كانت هذه الحياة البشرية الواقعية للمسيح عليه السلام ، مصدر تعب لمن أرادوا تأليهه - على الرغم من تعاليمه - فقد احتاجوا إلى كثير من الجدل والخلاف حول لاهوتية المسيح عليه السلام وناسوتيته - كما ذكرنا ذلك من قبل باختصار .

واستطرادًا في ذلك المنطق القرآني المبين من زاوية اخرى يجيء هذا الاستنكار: { قل: أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا؛ والله هو السميع العليم } ؟ . .

ويختار التعبير بكلمة « بما » بدل كلمة « من » في هذا الموضع قصدًا . ليدرج « المخلوقات » التي تعبد كلها - بما فيها من العقلاء - في سلك واحد . لأنه يشير إلى ماهيتها المخلوقة الحادثة البعيدة عن حقيقة الألوهية . فيدخل عيسى ، ويدخل روح القدس ، وتدخل مريم ، كلهم في « ما » لأنهم بماهيتهم من خلق الله . ويلقي هذا التعبير ظله كذلك في هذا المقام؛ فيبعد أن يكون أحد من خلق الله مستحقًا للعبادة؛ وهو لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا: { والله هو السميع العليم } . .

الذي يسمع ويعلم؛ ومن ثم يضر وينفع . كما أنه هو الذي يسمع دعاء عبيده وعبادتهم إياه ، ويعلم ما تكنه صدورهم وما يكمن وراء الدعاء والعبادة . . فأما ما سواه فلا يسمع ولا يعلم ولا يستجيب الدعاء . .

وينهي هذا كله بدعوة جامعة ، يكلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوجهها إلى أهل الكتاب: { قل: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ، وأضلوا كثيرًا . وضلوا عن سواء السبيل } .

فمن الغلو في تعظيم عيسى - عليه السلام - جاءت كل الانحرافات . ومن أهواء الحكام الرومان الذين دخلوا النصرانية بوثنيتهم ، ومن أهواء المجامع المتناحرة كذلك دخلت كل تلك المقولات على دين الله الذي أرسل به المسيح ، فبلغه بأمانة الرسول ، وهو يقول لهم: { يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم . إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ، ومأواه النار ، وما للظالمين من أنصار } .

ــــــــــــ

من طبيعة بني إسرائيل قتل الرسل أو تكذيبهم

قال تعالى: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) [المائدة/70]

يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ أَخَذَ العَهْدَ وَالمِيثَاقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فِي التَّوْرَاةِ ، عَلَى تَوْحِيدِهِ تَعَالَى ، وَعَلَى اتِّبَاعِ الأَحْكَامِ التِي شَرَعَهَا لِهَدْيِ خَلْقِهِ ، وَعَلَى تَحَلِّيهِمْ بِالفَضَائِلِ وَمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ ، وَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ للهِ وَرَسُولِهِ ، وَأنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النًّبِيِّينَ لِيُبَيِّنُوا لَهُمْ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ ، وَيُؤَكِّدُوا عَهْدَ اللهِ ، فَنَقَضُوا العَهْدَ وَالمِيثَاقَ ، وَاتَّبَعُوا آرَاءَهُمْ ، وَقَدَّمُوهَا عَلَى الشَرَائِعِ ، فًَمَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ مِنَ الشَرَائِعِ قَبَلُوهُ ، وَمَا خَالَفَهَا رَدُّوهُ ، وَرَفَضُوهُ ، وَكُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَاهُ أَنْفُسَهُمْ ، وَلاَ يَتَّفِقُ مَعَ رَغَبَاتِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ ، كَذَّبُوهُ أَوْ قَتَلُوهُ .

إنه تاريخ قديم! فليس موقفهم من رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - بالأول ولا بالأخير! إنهم مردوا على العصيان والإعراض؛ ومردوا على النكول عن ميثاق الله؛ ومردوا على اتخاذ هواهم إلههم لا دين الله ، ولا هدى الرسل؛ ومردوا على الإثم والعدوان على دعاة الحق وحملة دعوة الله: { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلًا . كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون } .

وسجل بني إسرائيل مع أنبيائهم حافل بالتكذيب والإعراض؛ حافل بالقتل والاعتداء! حافل بتحكيم الشهوات والأهواء .

ولعله من أجل ذلك قص الله تاريخ بني إسرائيل على الأمة المسلمة في تفصيل وتطويل . . لعلها تتقي أن تكون كبني إسرائيل؛ ولعلها تحذر مزالق الطريق ، أو لعل الواعين منها الموصولين بالله يدركون هذه المزالق؛ أو يتأسون بأنبياء بني إسرائيل حين يصادفون ما صادفوا وأجيال من ذراري المسلمين تنتهي إلى ما انتهى إليه بنو إسرائيل ، حين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم؛ فتحكم الهوى؛ وترفض الهدى ، وتكذب فريقًا من الدعاة إلى الحق ، وتقتل فريقًا؛ كما صنع بغاة بني إسرائيل ، في تاريخهم الطويل!

لقد صنع بنو إسرائيل تلك الآثام كلها؛ وهم يحسبون أن الله لن يفتنهم بالبلاء ، ولن يأخذهم بالعقاب . حسبوا هذا الحسبان غفلة منهم عن سنة الله؛ وغرورًا منهم بأنهم « شعب الله المختار » !

{ وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا } . .طمس الله على أبصارهم فلا يفقهون مما يرون شيئًا؛ وطمس على مسامعهم فلا يفيدون مما يسمعون شيئًا . .

{ ثم تاب الله عليهم } . .وأدركهم برحمته . . فلم يرعووا ولم ينتفعوا: { ثم عموا وصموا . كثير منهم . . }

{ والله بصير بما يعملون } . .وهو مجازيهم بما يراه ويعلمه من أمرهم . . وما هم بمفلتين . .

ويكفي أن يعرف الذين آمنوا هذا التاريخ القديم عن يهود ، وهذا الواقع الجديد؛ لتنفر قلوبهم المؤمنة من ولائهم ، كما نفر قلب عبادة بن الصامت؛ فلا يتولاهم إلا المنافقون من أمثال عبد الله بن أبي بن سلول!

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت