فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 139

قال تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) [النور/63]

كَانَ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ المُؤْمِنِيِنَ يُنَادِي رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِيَا مُحَمَّدُ ، أو بِيَا أََبَا القَاسِمِ . . . فَنَهَاهُمُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِقَدْرِ الرَّسُولِ وَتَبْجِيلًا ، فَقَالَ قُولُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ ، وَيَا رَسُولَ اللهِ . وَيُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ الذين يَتَسَلَّلُونَ وَيَذْهِبُونَ بِدُونَ إِذْنٍ . يَلُوذُ بَعْضُهُمْ بِبِعْضٍ ، وَيَتَدَارَى بَعْضُهم بِبَعْضٍ لِكَيْلاَ يَرَاهُم الرَّسُولُ ، فَعَيْنُ اللهِ تَرَاهُمْ وَإِنْ لَمْ تَرَهُمْ عَيْنُ الرَّسُولِ . وَيَُوِّرُ اللهُ تَعَالَى حَالَ هَؤُلاءِ وَهُمْ يَتَسَلَّلُونَ بِحَذَرٍ مِنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ ، مِمَّا يُمَثِّلُ جُبْنَهُمْ عَنَ المُوَاجَهَةِ وَطَلَبِ الإِذْنِ . وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالًَى هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ اللهِ ، وَيَتَّبِعُونَ نَهْجًا غَيْرَ نَهْجِهِ ، وَيَتَسَلَّلُونَ مِن الصَّفِّ ابْتَغِاءَ مَنْفَعَةٍ ، أو اتِّقَاءَ ضَرَرٍ ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ أَنْ تُصِيبَهُم فِتْنَةٌ تَخْتَلُّ فِيهَا المَوَازِينُ ، وَيَضَطَرِبُ فِيهَا النَّظَامُ ، فَيَخْتَلِطُ الحَقُّ بالبَاطِل ، وَتَفْسُدُ أُمُورُ الجَمَاعَةِ وَحَيَاتُها ، أَو يُصِيبُهم عَذَابٌ أليمٌ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ .

فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه . وهي لفتة ضرورية . فلا بد للمربي من وقار , ولا بد للقائد من هيبة . وفرق بين أن يكون هو متواضعا هينا لينا ; وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض . . يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم , ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير .

ــــــــــــ

تحريم النجوى عند الرسول

قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10) [المجادلة/8-10]

كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَبَيْنَ يَهُودِ المَدِينَةِ مُوَادَعَةٌ ، وَكَانَ اليَهُودُ إِذَا مَرَّ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، حَتَّى لَيَظُنَّ المُؤْمِنُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَنَاجَوْنَ بِقَتْلِهِ ، أَوْ بِمَا يَكْرَهُ ، فَإِذَا رَأَى المُؤْمِنُ ذَلِكَ خَشِيَهُمْ فَتَرَكَ طَرِيقَهُ عَلَيْهِمْ ، فَنَهَاهُمُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ النَّجْوَى فَلَمْ يَنْتَهُوا ، وَعَادُوا إِلى النَّجْوَى ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يُبَيِّنُ لِرَسُولِهِ مَا يَتَنَاجَوْنَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ إِنَّهُمْ يَتنَاجَوْنَ بِمَا هُوَ إِثْمٌ فِي نَفْسِهِ ، وَبِمَا هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ ، وَبِمَا هُوَ تَعَد عَلَى هُوَ تَعَد عَلَى المُؤْمِنينَ ، وَتَوَاصٍ بِمُخَالَفَةِ النَّبِيِّ .

وَدَخَلَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ: ( وَعَلَيْكُمُ ) . وَكَانَ هَذَا النَّفَرُ مِنَ اليَهُودِ يَقْصدُ بِقَوْلِهِ هَذَا الإسَاءَةَ إِلَى الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - ، والدُّعَاءَ عَلَيهِ ، فَفَضَحَهُمْ اللهُ ، وَكَشَفَ أَسْتَارَهُمْ ، ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ ، انَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، وَيُحَدِّثُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا لَوْ كَانَ نَبِيًّا حَقًّا لَعَذَّبَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا بِمَا يَقُولُونَ ، لأَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ .وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ: قَائِلًا إِنَّ جَهَنَّمَ كَافِيَةٌ لِعِقَابِهِمْ وَعَذَابِهِمْ ، وَهِيَ بِئْسَ المَقَرُّ وَالمَصِيرُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ . وَيُؤدِّبُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ لِئلاَّ يَكُونُوا كَالكَفَرَةِ وَالمُنَافِقِينَ ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فِي أَنْدِيتكُمْ وَخَلواتِكُمْ ، فَلاَ تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أُولَئِكَ الكُفَّارُ ، مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ، وَمَنْ وَالاَهُمْ عَلَى ضَلاَلِهِمْ مِنَ المُنَافِقِينَ ، وَتَنَاجَوا بِمَا هُوَ خَيْرٌ ، وَاتَّقُوا اللهَ فِيمَا تَفْعَلُونَ وَفِيمَا تَذُرُونَ ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَأَنَّهُ سَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ .

إِنَّما التَّنَاجِي بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَتَزْيِينِهِ ، والشَّيْطَانُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَحْزُنَ الذِينَ آمَنُوا بإِيهَامِهِمْ أَنَّ هَذِهِ النَّجْوَى تَضُرُّهُمْ ، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَضُرُّ المُؤْمِنِينَ شَيْئًا ، إِلاَّ بِإِرَادَةِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ ، فَعَلَى المُؤْمِنِينَ أَلاَّ يَهْتَمُّوا بِنَجْوَى الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ ، وَلْيَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ .

( وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:"إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَتَنَاجَ اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْزُنُهُ") . ( البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ) .

والآية توحي بأن خطة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع المنافقين في أول الأمر كانت هي النصح لهم بالاستقامة والإخلاص ، ونهيهم عن الدسائس والمؤامرات التي يدبرونها بالاتفاق مع اليهود في المدينة وبوحيهم . وأنهم بعد هذا كانوا يلجون في خطتهم اللئيمة ، وفي دسائسهم الخفية ، وفي التدبير السيئ للجماعة المسلمة ، وفي اختيار الطرق والوسائل التي يعصون بها أوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويفسدون عليه أمره وأمر المسلمين المخلصين .

كما أنها توحي بأن بعضهم كان يلتوي في صيغة التحية فيحورها إلى معنى سيِّئ خفي: { وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله } . كأن يقولوا كما كان اليهود يقولون السام عليكم . وهم يوهمون أنهم يقولون: السلام عليكم . بمعنى الموت لكم أو بمعنى تسامون في دينكم! أو أية صيغة أخرى ظاهرها برئ وباطنها لئيم! وهم يقولون في أنفسهم: لو كان نبيًا حقًا لعاقبنا الله على قولنا هذا . أي في تحيتهم ، أو في مجالسهم التي يتناجون فيها ويدبرون الدسائس والمؤامرات .

وظاهر من سياق السورة من مطلعها أن الله قد أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما كانوا يقولونه في أنفسهم ، وبمجالسهم ومؤامراتهم . فقد سبق في السورة إعلان أن الله قد سمع للمرأة المجادلة؛ وأنه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم . . الخ . مما يوحي بأنه أطلع رسوله على مؤامرات أولئك المنافقين وهو حاضر مجالسهم! وبما يقولونه كذلك في أنفسهم .ثم رد عليهم بقوله تعالى: { حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } . .

وكشف هذه المؤامرات الخفية ، وإفشاء نجواهم التي عادوا إليها بعدما نهوا عنها ، وكذلك فضح ما كانوا يقولونه في أنفسهم: { لولا يعذبنا الله بما نقول } . . هذا كله هو تصديق وتطبيق لحقيقة علم الله بما في السماوات وما في الأرض ، وحضوره لكل نجوى ، وشهوده لكل اجتماع . وهو يوقع في نفوس المنافقين أن أمرهم مفضوح ، كما يوحي للمؤمنين بالاطمئنان والوثوق .

وهنا يلتفت إلى الذين آمنوا ، يخاطبهم بهذا النداء: { يا أيها الذين آمنوا } لينهاهم عن التناجي بما يتناجي به المنافقون من الإثم والعدوان ومعصية الرسول ، ويذكرهم تقوى الله ، ويبين لهم أن النجوى على هذا النحو هي من إيحاء الشيطان ليحزن الذين آمنوا ، فليست تليق بالمؤمنين: { يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ، وتناجوا بالبر والتقوى ، واتقوا الله الذي إليه تحشرون . إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضآرهم شيئًا إلا بإذن الله ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . .ويبدو أن بعض المسلمين ممن لم تنطبع نفوسهم بعد بحاسة التنظيم الإسلامي ، كانوا يتجمعون عندما تحزب الأمور ، ليتناجوا فيما بينهم ويتشاوروا بعيدًا عن قيادتهم . الأمر الذي لا تقره طبيعة الجماعة الإسلامية ، وروح التنظيم الإسلامي ، التي تقتضي عرض كل رأي وكل فكرة وكل اقتراح على القيادة ابتداء ، وعدم التجمعات الجانبية في الجماعة . كما يبدو أن بعض هذه التجمعات كان يدور فيها ما قد يؤدي إلى البلبلة ، وما يؤذي الجماعة المسلمة ولو لم يكن قصد الإيذاء قائمًا في نفوس المتناجين ولكن مجرد إثارتهم للمسائل الجارية وإبداء الآراء فيها على غير علم ، قد يؤدي إلى الإيذاء ، وإلى عدم الطاعة .

وهنا يناديهم الله بصفتهم التي تربطهم به ، وتجعل للنداء وقعه وتأثيره: { يا أيها الذين آمنوا } لينهاهم عن التناجي إذا تناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول . ويبين لهم ما يليق بهم من الموضوعات التي يتناجى بها المؤمنون: { وتناجوا بالبر والتقوى } . . لتدبير وسائلهما وتحقيق مدلولهما . والبر: الخير عامة . والتقوى: اليقظة والرقابة لله سبحانه ، وهي لا توحي إلا بالخير . ويذكرهم بمخافة الله الذي يحشرون إليه ، فيحاسبهم بما كسبوا . وهو شاهده ومحصيه . مهما ستروه وأخفوه .

قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان ، قالا: أخبرنا همام ، عن قتادة ، عن صفوان بن محرز ، قال: « كنت آخذًا بيد ابن عمر ، إذ عرض له رجل ، فقال: كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يقول إن الله يدني المؤمن ، فيضع عليه كنفه ، ويستره من الناس ، ويقرره بذنوبه ، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم . ثم يعطى كتاب حسناته . وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ، ألا لعنة الله على الظالمين » .ثم ينفرهم من التناجي والمسارة والتدسس بالقول في خفية عن الجماعة المسلمة ، التي هم منها ، ومصلحتهم مصلحتها ، وينبغي ألا يشعروا بالانفصال عنها في شأن من الشئون . فيقول لهم: إن رؤية المسلمين للوسوسة والهمس والانعزال بالحديث تبث في قلوبهم الحزن والتوجس ، وتخلق جوًا من عدم الثقة؛ وأن الشيطان يغري المتناجين ليحزنوا نفوس إخوانهم ويدخلوا إليها الوساوس والهموم . ويطمئن المؤمنين بأن الشيطان لن يبلغ فيهم ما يريد: { إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا ، وليس بضآرهم شيئًا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . .

فالمؤمنون لا يتوكلون إلا على الله . فليس وراء ذلك توكل ، وليس من دون الله من يتوكل عليه المؤمنون!

وقد وردت الأحاديث النبوية الكريمة بالنهي عن التناجي في الحالات التي توقع الريبة وتزعزع الثقة وتبعث التوجس:

جاء في الصحيحين من حديث الأعمش بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: « قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه » .

وهو أدب رفيع ، كما أنه تحفظ حكيم لإبعاد كل الريب والشكوك . فأما حيث تكون هناك مصلحة في كتمان سر ، أو ستر عورة ، في شأن عام او خاص ، فلا مانع من التشاور في سر وتكتم . وهذا يكون عادة بين القادة المسئولين عن الجماعة . ولا يجوز أن يكون تجمعًا جانبيًا بعيدًا عن علم الجماعة . فهذا هو الذي نهى عنه القرآن ونهي عنه الرسول . وهذا هو الذي يفتت الجماعة أو يوقع في صفوفها الشك وفقدان الثقة . وهذا هو الذي يدبره الشيطان ليحزن الذين آمنوا . ووعد الله قاطع في أن الشيطان لن يبلغ بهذه الوسيلة ما يريد في الجماعة المؤمنة ، لأن الله حارسها وكالئها؛ وهو شاهد حاضر في كل مناجاه ، وعالم بما يدور فيها من كيد ودس وتآمر . ولن يضر الشيطان المؤمنين . . { إلا بإذن الله } . . وهو استثناء تحفظي لتقرير طلاقة المشيئة في كل موطن من مواطن الوعد والجزم ، لتبقى المشيئة حرة وراء الوعد والجزم . .

{ وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . . فهو الحارس الحامي ، وهو القوي العزيز ، وهو العليم الخبير . وهو الشاهد الحاضر الذي لا يغيب . ولا يكون في الكون إلا ما يريد . وقد وعد بحراسة المؤمنين . فأي طمأنينة بعد هذا وأي يقين؟

ــــــــــــ

الحث على تقديم صدقة قبل مناجاة الرسول

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) [المجادلة/12-13]

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ الذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَدِّثُوا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ، ( أَيْ مُسَارَّةً ) ، أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ، وَتُؤهِّلُهُمْ لِبُلَوغِ هَذَا المُقَامِ ، وَفِي تَقدِيمِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - ثَوَابٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللهِ ، وَتَزْكِيَةٌ لِلنُّفُوسِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ، مَنْ يُرِيدُ مُنَاجَاةَ الرَّسُولِ ، مِمَّنْ يَمْلِكُونَ شَيْئًا يَسْتَطِيعُونَ التَّصَدُّقَ بِهِ فَلاَ حَرَجَ عَلَيهِ إِذَا لَمْ يَتَصَدّقْ ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ السُّؤَالِ فَقَدْ سَأَلَهُ قَوْمٌ حَتَّى شَقُّوا عَلَيهِ ، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُ .

أَبَخِلْتُمْ بِالمَالِ أَنْ تُنْفِقُوهُ فِي سَبْيلِ اللهِ ، وَخِفْتُم الفَقْرَ إِنْ قَدَّمْتُمُ الصَّدَقَاتِ ، وَوَسْوَسَ إِلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّ هَذَا الإِنْفَاقَ فِيهِ ضَيَاعٌ لِلْمَالِ؟ فَمَا دُمْتُمْ لَمْ تُنْفِقُوا المَالَ ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فَقَدْ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ ، وَرَخَّصَ لَكُمْ بِالمُنَاجَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِمِةِ صَدَقَاتٍ ، فَتَدَارَكُوا ذَلِكَ بِالمُثَابَرَةِ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلاَةِ عَلَى وَجْهِهَا الأَكْمَلِ ، وَعَلَى دَفْعِ الزَّكَاةِ عَنْ أَمْوَالِكُمْ ، وَأَطِيعُوا اللهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ هُوَ وَرَسُولُهُ ، وَانْتَهُوا عَمَّا يَنْهَاكُمْ عَنْهُ ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهِ .

وقال السعدي:"يأمر تعالى المؤمنين بالصدقة، أمام مناجاة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - تأديبا لهم وتعليما، وتعظيما للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فإن هذا التعظيم، خير للمؤمنين وأطهر أي: بذلك يكثر خيركم وأجركم، وتحصل لكم الطهارة من الأدناس، التي من جملتها ترك احترام الرسول - صلى الله عليه وسلم - والأدب معه بكثرة المناجاة التي لا ثمرة تحتها، فإنه إذا أمر بالصدقة بين يدي مناجاته صار هذا ميزانا لمن كان حريصا على الخير والعلم، فلا يبالي بالصدقة، ومن لم يكن له حرص ولا رغبة في الخير، وإنما مقصوده مجرد كثرة الكلام، فينكف بذلك عن الذي يشق على الرسول، هذا في الواجد للصدقة، وأما الذي لا يجد الصدقة، فإن الله لم يضيق عليه الأمر، بل عفا عنه وسامحه، وأباح له المناجاة، بدون تقديم صدقة لا يقدر عليها."

ثم لما رأى تبارك وتعالى شفقة المؤمنين، ومشقة الصدقات عليهم عند كل مناجاة، سهل الأمر عليهم، ولم يؤاخذهم بترك الصدقة بين يدي المناجاة، وبقي التعظيم للرسول والاحترام بحاله لم ينسخ، لأن هذا الحكم من باب المشروع لغيره، ليس مقصودا لنفسه، وإنما المقصود هو الأدب مع الرسول والإكرام له، وأمرهم تعالى أن يقوموا بالمأمورات الكبار المقصودة بنفسها، فقال: { فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا } أي: لم يهن عليكم تقديم الصدقة، ولا يكفي هذا، فإنه ليس من شرط الأمر أن يكون هينا على العبد، ولهذا قيده بقوله: { وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: عفا لكم عن ذلك، { فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } بأركانها وشروطها، وجميع حدودها ولوازمها، { وَآتُوا الزَّكَاةَ } المفروضة [في أموالكم] إلى مستحقيها.

وهاتان العبادتان هما أم العبادات البدنية والمالية، فمن قام بهما على الوجه الشرعي، فقد قام بحقوق الله وحقوق عباده، [ولهذا قال بعده:] { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وهذا أشمل ما يكون من الأوامر.

ويدخل في ذلك طاعة الله [وطاعة] رسوله، بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما، وتصديق ما أخبرا به، والوقوف عند حدود الله .

والعبرة في ذلك على الإخلاص والإحسان، ولهذا قال: { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فيعلم تعالى أعمالهم، وعلى أي: وجه صدرت، فيجازيهم على حسب علمه بما في صدورهم. [1]

ــــــــــــ

المقام المحمود يوم القيامة

قال تعالى: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) } [الإسراء/79]

وقوله: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ } أي: صل به في سائر أوقاته. { نَافِلَةً لَكَ } أي: لتكون صلاة الليل زيادة لك في علو القدر، ورفع الدرجات، بخلاف غيرك، فإنها تكون كفارة لسيئاته.

ويحتمل أن يكون المعنى: أن الصلوات الخمس فرض عليك وعلى المؤمنين، بخلاف صلاة الليل، فإنها فرض عليك بالخصوص، ولكرامتك على الله، أن جعل وظيفتك أكثر من غيرك، وليكثر ثوابك، وتنال بذلك المقام المحمود، وهو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، مقام الشفاعة العظمى، حين يتشفع الخلائق بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، وكلهم يعتذر ويتأخر عنها، حتى يستشفعوا بسيد ولد آدم، ليرحمهم الله من هول الموقف وكربه، فيشفع عند ربه فيشفعه، ويقيمه مقامًا يغبطه به الأولون والآخرون، وتكون له المنة على جميع الخلق. [2]

وعَنْ آدَمَ بْنِ عَلِىٍّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضى الله عنهما يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا ، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا ، يَقُولُونَ يَا فُلاَنُ اشْفَعْ ، حَتَّى تَنْتَهِىَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ [3]

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 846)

(2) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 464)

(3) - صحيح البخارى (4718 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت