فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 139

قال تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47) [يونس/47 ]

مِنْ فَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى كُلِّ جَمَاعَةٍ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ رَسُولًا مِنْهَا لِيُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ: مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ ، وَمِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ الذِي يُنْجِيهِمْ مِنَ العِقَابِ فِي الآخِرَةِ ، فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ وَبَلَّغَهُمْ مَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ عُذْرٌ فِي مُخَالَفَتِهِ ، وَيَوْمَ الحِسَابِ فِي الآخِرَةِ يَأْتِي كُلُّ رَسُولٍ لِيَشْهَدَ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ أُمَّتِهِ ، وَعَلَى مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ رِسَالَتَهُ ، فَيَحْكُمُ اللهُ بَيْنَهُمْ بِالعَدْلِ التَّامِّ ، فَلاَ يَظْلِمُ أَحَدًا شَيْئًا مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ .

إنه يقال للرسول - صلى الله عليه وسلم - إن أمر هذه العقيدة ، وأمر القوم الذين يخاطبون بها . كله لله ، وأن ليس لك من الأمر شيء . دورك فيها هو البلاغ ، أما ما وراء لك فكله لله . وقد ينقضي أجلك كله ولا ترى نهاية القوم الذين يكذبونك ويعاندونك ويؤذونك ، فليس حتمًا على الله أن يريك عاقبتهم ، وما ينزله بهم من جزاء . . هذا له وحده سبحانه! أما أنت - وكل رسول - فعليك البلاغ . . ثم يمضي الرسول ويدع الأمر كله لله . . ذلك كي يعلم العبيد مجالهم ، وكي لا يستعجل الدعاة قضاء الله مهما طال عليهم في الدعوة ومهما تعرضوا فيها للعذاب!!

ـــــــــــ

الرسول يرسل بلسان قومه

قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) [إبراهيم/4]

مِنْ لُطْفِ اللهِ بِخَلْقِهِ أَنَّهُ لاَ يُرْسِلُ الرُّسُلَ إِلَى النَّاسِ إِلاَّ بِلِسَانِهِمْ ، لِيَفْهَمُوا مِنْهُمْ مَا يُرِيدُونَ قَوْلَهُ لَهُمْ ، وَلِيُوَضِحُوا لَهُمْ مَا أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ بِهِ ، لِتَقُومَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ ، وَيَنْقَطِعَ العُذْرَ . وَبَعْدَ أَنْ يَقُومَ الرُّسُلُ بِمُهِمَّةِ الدَّعْوَةِ وَالإِيضَاحِ وَالبَلاَغِ ، وَإِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَى النَّاسِ ، يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ عَنْ وَجْهِ الحَقِّ وَالهُدَى ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ ، وَاللهُ هُوَ العَزِيزُ الذِي لاَ يُقْهَرُ ، مَا شَاءَ كَانَ ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَأَفْعَالِهِ .

وهذه نعمة شاملة للبشر في كل رسالة . فلكي يتمكن الرسول من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ، لم يكن بد من أن يرسل بلغتهم ، ليبين لهم وليفهموا عنه ، فتتم الغاية من الرسالة .

وقد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بلسان قومه وإن كان رسولًا إلى الناس كافة لأن قومه هم الذين سيحملون رسالته إلى كافة البشر . وعمره - صلى الله عليه وسلم - محدود . وقد أمر ليدعو قومه أولًا حتى تخلص الجزيرة العربية للإسلام . ومن ثم تكون مهدًا يخرج منه حملة رسالة محمد إلى سائر بقاع الأرض . والذي حدث بالفعل وهو من تقدير الله العليم الخبير أن اختير الرسول إلى جوار ربه عند انتهاء الإسلام إلى آخر حدود الجزيرة ، وبعث جيش أسامة إلى أطراف الجزيرة ، الذي توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يتحرك بعد . . وحقيقة إن الرسول قد بعث برسائله إلى خارج الجزيرة يدعو إلى الإسلام ، تصديقًا لرسالته إلى الناس كافة . ولكن الذي قدره الله له ، والذي يتفق مع طبيعة العمر البشري المحدود ، أن يبلغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قومه بلسانهم ، وأن تتم رسالته إلى البشر كافة عن طريق حملة هذه الرسالة إلى الأصقاع . . وقد كان . . فلا تعارض بين رسالته للناس كافة ، ورسالته بلسان قومه ، في تقدير الله ، وفي واقع الحياة . { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } . . { فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } . .إذ تنتهي مهمة الرسول كل رسول عند البيان . أما ما يترتب عليه من هدى ومن ضلال ، فلا قدرة له عليه ، وليس خاضعًا لرغبته ، إنما هو من شأن الله . وضع له سنة ارتضتها مشيئته المطلقة . فمن سار على درب الضلال ضل ، ومن سار على درب الهدى وصل . . هذا وذلك يتبع مشيئة الله ، التي شرعت سنته في الحياة .

{ وهو العزيز الحكيم } . .القادر على تصريف الناس والحياة ، يصرفهم بحكمة وتقدير فليست الأمور متروكة جزافًا بلا توجيه ولا تدبير .

ـــــــــــ

أكثر الناس لا يؤمنون بالرسل ويسخرون منهم

قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) [الحجر/10-15]

يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ تَكْذِيبِ الكُفَّارِ لَهُ ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَرْسَلَ رُسُلًا إِلَى الأُمَمِ الخَالِيَةِ التِي كَانَتْ تَكْفُرُ بِرَبِّهَا ، وَتُكْذِّبُ رُسُلَهُ ، وَقَدْ أًَهْلَكَهُمُ اللهُ ، لأَنَّهُمْ أَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ رَبِّهِمْ .

وَلَمْ يَأْتِ أُمَّةً رَسُولٌ إِلاَّ اسْتَهْزَؤُوا بِهِ وَكَذَّبُوهُ ، لأنَّ حَمْلَ النَّفْسِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ ، وَتَرْكِ المُحَرَّمَاتِ ، مُسْتَثْقَلٌ عَلَى النُّفُوسِ ، كَمَا أَنَّ حَمْلَ النَّاسِ عَلَى تَرْكِ مَا أَلِفُوهُ مِنَ المُعْتَقَدَاتِ هُوَ ثَقيلٌ أَيْضًا .

وَكَذَلِكَ يُلْقِي اللهُ تَعَالَى القُرْآنَ فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ، وَيَسْلُكُهُ فِيها مُكَذَّبًا بِمَا فِيهِ ، مُسْتَهْزَأً بِهِ غَيْرَ مَقْبُولٍ لَدَيْهِمْ لأنَّهُ لَيْسَ فِي نُفُوسُهُمْ اسْتِعْدَادٌ لِتَلَقِّي الحَقِّ ، وَلاَ تُضِيءُ نُفُوسُهُمْ بِمَصَابِيحِ هِدَايَتِهِ الرَّبَّانِيَّةِ كَمَا فَعَلَ الذِينَ مِنَ قَبْلِهِمْ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ ، فَلَكَ يَا مُحَمَّدُ أُسْوَةٌ بِمَنْ سَبَقَكَ مِنَ الرُّسُلِ .

وَقَوْمُكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَذا القُرْآنِ مَعَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِمَا فَعَلَهُ اللهُ بِمَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ مِنَ العَذَابِ وَالاسْتِئْصَالِ ، وَكَيْفَ نَجَّى رُسُلَهُ وَالذِينَ آمَنُوا لَهُمْ ، وَهَذِهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ ، وَسَيَحِلُّ بِهؤُلاَءِ الذِينَ يُكَذِّبُونَكَ مَا حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ السَّابِقِينَ ، وَنَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ حِينٍ .

إِنَّ هؤُلاَءِ الكَفَرَةَ المُعَانِدِينَ يَطْلُبُونَ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ لِيُؤْمِنُوا لَكَ ، وَلَكِنَّهُمْ لَنْ يُؤْمِنُوا ، حَتَّى إِنَّنا لَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ فَظَلُّوا يَصْعَدُونَ فِي ذَلكَ البَابِ فَيَرَوْنَ مَنْ فِي السَّمَاءِ مِنَ المَلائِكَةِ ، وَمَا فِيهَا مِنَ العَجَائِبِ لِمَا صَدَّقُوا بِذَلِكَ

وَلَقَالُوا: لَقَدْ سُدَّتْ أَبْصَارُنا ، وَحُبِسَتْ عَنِ النَّظَرِ ، وَشُبِّهَ عَلَيْنَا ( سُكِّرَتْ أَبْصَارُنا) ، وَسُحِرْنَا ، فَمَا نَرَاهُ هُوَ تَخَيُّلٌ لاَ حَقِيقَةَ لَهُ ، وَقَدْ سَحَرَنَا مُحَمَّدُ بِمَا يَظْهَرُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الآيَاتِ . فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ ، فَكَيْفَ يَقْتَرِحُ عَلَيْكَ هَؤُلاَءِ الآيَاتِ؟

يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري . ويتأكد أن لا جدوى من الجدل مع هؤلاء . ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل الإيمان . وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لا تنزل . فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة . إنما هم قوم مكابرون . مكابرون بلا حياء وبلا تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف!

إنه نموذج بشري للمكابرة والاستغلاق والانطماس يرسمه التعبير ، مثيرًا لشعور الاشمئزاز والتحقير . .

وهذا النموذج ليس محليًا ولا وقتيًا ، ولا هو وليد بيئة معينة في زمان معين . . إنه نموذج للإنسان حين تفسد فطرته ، وتستغلق بصيرته ، وتتعطل في كيانه أجهزة الاستقبال والتلقي ، وينقطع عن الوجود الحي من حوله ، وعن إيقاعاته وإيحاءاته .

هذا النموذج يتمثل في هذا الزمان في الملحدين وأصحاب المذاهب المادية التي يسمونها « المذاهب العلمية! » وهي أبعد ما تكون عن العلم؛ بل أبعد ما تكون عن الإلهام والبصيرة . .

إن أصحاب المذاهب المادية يلحدون في الله؛ ويجادلون في وجوده سبحانه وينكرون هذا الوجود .

.ثم يقيمون على أساس إنكار وجود الله ، والزعم بأن هذا الكون موجود هكذا بذاته ، بلا خالق ، وبلا مدبر ، وبلا موجه . . يقيمون على أساس هذا الزعم وذلك الإنكار مذاهب اجتماعية وسياسية واقتصادية و « أخلاقية! » كذلك . ويزعمون أن هذه المذاهب القائمة على ذلك الأساس ، والتي لا تنفصل عنه بحال . . « علمية » . . هي وحدها « العلمية » !

وعدم الشعور بوجود الله سبحانه ، مع وجود تلك الشواهد والدلائل الكونية ، هو دلالة لا تنكر على تعطل أجهزة الاستقبال والتلقي في تلك الجبلات النّكدة . كما أن اللجاجة في هذا الإنكار لا تقل تبجحًا عن تبجح ذلك النموذج الذي ترسمه النصوص القرآنية السابقة: { ولو فتحنا عليهم بابًا من السماء فظلوا فيه يعرجون . لقالوا: إنما سكّرت أبصارنا ، بل نحن قوم مسحورون! } . .

فالشواهد الكونية أظهر وأوضح من عروجهم إلى السماء . وهي تخاطب كل فطرة غير معطلة خطابًا هامسًا وجاهرًا ، باطنًا وظاهرًا ، بما لا تملك هذه الفطرة معه إلا المعرفة والإقرار .

إن القول بأن هذا الكون موجود بذاته؛ وفيه كل تلك النواميس المتوافقة لحفظه وتحريكه وتدبيره؛ كما أن فيه كل تلك الموافقات لنشأة الحياة في بعض أجزائه . . وهي موافقات لا تحصى . . إن هذا القول بذاته يرفضه العقل البشري ، كما ترفضه الفطرة من أعماقها . وكلما توغل « العلم » في المعرفة بطبيعة هذا الكون وأسراره وموافقاته؛ رفض فكرة التلقائية في وجود هذا الكون وفي حركته بعد وجوده؛ واضطر اضطرارا إلى رؤية اليد الخالقة المدبرة من ورائه . . هذه الرؤية التي تتم للفطرة السوية بمجرد تلقي إيقاعات هذا الكون وإيحاءاته . قبل جميع البحوث العلمية التي لم تجئ إلا أخيرا!

إن الكون لا يملك أن يخلق ذاته ، ثم يخلق في الوقت نفسه قوانينه التي تصرف وجوده . كما أن نشأة الحياة لا يفسرها وجود الكون الخالي من الحياة . وتفسير نشأة الكون ونشأة الحياة بدون وجود خالق مدبر تفسير متعسف ترفضه الفطرة كما يرفضه العقل أيضا: كما أخذ يرفضه العلم المادي نفسه أخيرا:

يقول عالم الأحياء والنبات « رسل تشارلز إرنست » الأستاذ بجامعة فرانكفورت بألمانيا: « لقد وضعت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات؛ فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين ، أو من الفيروس ، أو من تجمع بعض الجزيئات البروتينية الكبيرة . وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات . ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية ، قد باءت بفشل وخذلان ذريعين . ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع الذرات والجزيئات عن طريق المصادفة ، يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية .

وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة ، فهذا شأنه وحده! ولكنه إذ يفعل ذلك ، فإنما يسلم بأمر أشد إعجازا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله ، الذي خلق الأشياء ودبرها .

« إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها . وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق . ولذلك فإنني أومن بوجود الله إيمانًا راسخا »

وهذا الذي يكتب هذا التقرير لم يبدأ بحثه من التقريرات الدينية عن نشأة الحياة . إنما بدأ بحثه من النظر الموضوعي لنواميس الحياة . والمنطق السائد في بحثه هو منطق « العلم الحديث » بكل خصائصه لا منطق الإلهام الفطري ، ولا منطق الحس الديني . ومع ذلك فقد انتهى إلى الحقيقة التي يقررها الإلهام الفطري ، كما يقررها الحس الديني . ذلك أن الحقيقة متى كان لها وجود ، اعترض وجودها كل سالك إليها من أي طريق يسلكه إليها: أما الذين لا يجدون هذه الحقيقة فهم الذين تعطلت فيهم أجهزة الإدراك جميعا!

والذين يجادلون في الله مخالفين عن منطق الفطرة وعن منطق العقل ، وعن منطق الكون . . أولئك كائنات تعطلت فيها أجهزة الاستقبال والتلقي جميعا . . إنهم العُمْي الذين يقول الله تعالى فيهم { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } وإذا كانت هذه حقيقتهم؛ فإن ما ينشئونه من مذاهب « علمية! » اجتماعية وسياسية واقتصادية؛ وما ينشئون من نظريات عن الكون والحياة والإنسان والحياة والإنسانية والتاريخ الإنساني؛ يجب أن ينظر إليها المسلم كما ينظر إلى كل تخبط ، صادر عن أعمى ، معطل الحواس الأخرى ، محجوبًا عن الرؤية وعن الحس وعن الإدراك جميعًا على الأقل فيما يتعلق بالحياة الإنسانية وتفسيرها وتنظيمها . وما ينبغي لمسلم أن يتلقى عن هؤلاء شيئًا؛ فضلًا على أن يكيف نظرته ، ويقيم منهج حياته ، على شيء مقتبس من أولئك العمي أصلًا!

إن هذه قضية إيمانية اعتقادية ، وليست قضية رأي وفكر! إن الذي يقيم تفكيره ، ويقيم مذهبه في الحياة ، ويقيم نظام حياته كذلك ، على أساس أن هذا الكون المادي هو منشئ ذاته ، ومنشئ الإنسان أيضا . . إنما يخطئ في قاعدة الفكرة والمذهب والنظام؛ فكل التشكيلات والتنظيمات والإجراءات القائمة على هذه القاعدة لا يمكن أن تجيء بخير؛ ولا يمكن أن تلتحم في جزيئة واحدة مع حياة مسلم ، يقيم اعتقاده وتصوره ، ويجب أن يقيم نظامه وحياته على قاعدة ألوهية الله للكون وخلقه وتدبيره .

ومن ثم يصبح القول بأن ما يسمى « الاشتراكية العلمية » منهج مستقل عن المذهب المادي مجرد جهالة أو هراء! ويصبح الأخذ بما يسمى « الاشتراكية العلمية » وتلك قاعدتها ونشأتها ومنهج تفكيرها وبناء انظمتها عدولًا جذريًا عن الإسلام: اعتقادًا وتصورًا ثم منهجا ونظاما .. حيث لا يمكن الجمع بين الأخذ بتلك « الاشتراكية العلمية » واحترام العقيدة في الله بتاتًا . ومحاولة الجمع بينهما هي محاولة الجمع بين الكفر والاسلام . . وهذه هي الحقيقة التي لا محيص عنها . .

إن الناس في أي أرض وفي أي زمان؛ إما أن يتخذوا الإسلام دينًا ، وإما ان يتخذوا المادية دينًا . فإذا اتخذوا الإسلام دينا امتنع عليهم أن يتخذوا « الاشتراكية العلمية » المنبثقة من « الفلسفة المادية » ، والتي لا يمكن فصلها عن الأصل الذي انبثقت منه ، نظاما . . وعلى الناس أن تختار . . إما الإسلام ، وإما المادية ، منذ الابتداء!

إن الإسلام ليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمير . إنما هو نظام قائم على عقيدة . . كما أن « الاشتراكية العلمية » بهذا الاصطلاح ليست قائمة على هواء ، إنما هي منبثقة انبثاقًا طبيعيا من « المذهب المادي » الذي يقوم بدوره على قاعدة مادية الكون وإنكار وجود الخالق المدبر اصلا ، ولا يمكن الفصل بين هذا التركيب العضوي . . ومن ثَمَّ ذلك التناقض الجذري بين الإسلام وما يسمى « الاشتراكية العلمية » بكل تطبيقاتها!

ولا بد من الاختيار بينهما . . ولكل أن يختار وأن يتحمل عند الله تبعة ما يختار!!!

وقال تعالى: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) [يس/30-32]

يَا حَسْرَةَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ ، وَيَا نَدَامَتَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَمَا يُعَايِنُونَ العَذَابَ الذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِلْكَافِرِينَ المُكَذِّبِينَ ، فَإِنَّهُمْ مَا جَاءَهُمْ مِنْ رَسُولٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَإِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ إِلاَّ اسْتَهْزَؤُوا بِهِ وَكَذَّبُوا ، وَجَحَدُوا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ إِلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ .

-أَلَم يَتَّعِظُ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ الكَافِرُونَ بِمَا حُلَّ بِمَنْ أَهَلَكَهُمُ اللهُ تَعَالَى قَبْلَهُمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ السَّابِقِينَ ، وَيَعْتَبِرُوا بِمَا نَزَلَ بِهِمْ ، وَيُدْرِكُوا أَنَّهُمْ لاَ رَجْعَةَ لَهُمْ إِلَى الحَيَاةِ الدُّنْيَا؟

وَإِنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ المَاضِيَةِ والآتِيَةِ سَتَحضُرُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِلحِسَابِ بَيْنَ يَدَي اللهِ تَعَالَى ، فَيُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيا ، إِنْ خَيْرًا فَخَيرًا ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا .

والحسرة انفعال نفسي على حال مؤسفة لا يملك الإنسان شيئًا حيالها ، سوى أن يتحسر وتألم نفسه . والله سبحانه وتعالى لا يتحسر على العباد؛ ولكنه يقرر أن حالة هؤلاء العباد مما يستحق حسرة المتحسرين! فهي حال بائسة مؤسفة تنتهي بأصحابها إلى شر وخيم وبلاء عظيم!

يا حسرة على العباد تتاح لهم فرصة النجاة فيعرضون عنها ، وأمامهم مصارع الهالكين قبلهم لا يتدبرونها ولا ينتفعون بها . ويفتح الله لهم أبواب رحمته بإرسال الرسل إليهم الحين بعد الحين؛ ولكنهم يتجافون أبواب الرحمة ويسيئون الأدب مع الله: { ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } .

{ ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون } . .

ولقد كان في هلاك الأولين الذاهبين لا يرجعون ، على مدار السنين وتطاول القرون . . لقد كان في هذا عظة لمن يتدبر . ولكن العباد البائسين لا يتدبرون . وهم صائرون إلى ذات المصير . فأية حالة تدعو إلى الحسرة كهذا الحال الأسيف؟!

إن الحيوان ليرجف حين يرى مصرع أخيه أمامه؛ ويحاول أن يتوقاه قدر ما يستطيع . فما بال الإنسان يرى المصارع تلو المصارع ، ثم يسير مندفعًا في ذات الطريق؟ والغرور يملي له ويخدعه عن رؤية المصير المطروق! وهذا الخط الطويل من مصارع القرون معروض على الأنظار ولكن العباد كأنهم عمي لا يبصرون!

وإذا كان الهالكون الذاهبون لا يرجعون إلى خلفائهم المتأخرين ، فإنهم ليسوا بمتروكين ولا مفلتين من حساب الله بعد حين . . { وإن كل لما جميع لدينا محضرون } .

وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) [الزخرف/46، 47]

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَ عَبْدَهُ مُوسَى رَسُولًا إِلَى فِرْعَونَ وَقوْمِهِ ، وَأَيَّدَهُ بِآيَاتٍ وَمُعْجِزَاتٍ تَأْيِيدًا لَهُ فِي دَعْوَتِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّهُ رَسُولٌ رَبِّ العَالَمِينَ إِلَيهِمْ ، كَمَا قُلْتَ أَنْتَ لِقَوْمِكَ إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ إِلَيهِمْ .فَلَمَا جَاءَهُمْ مُوسَى بِالمُعْجِزَاتِ التِي أَيَّدَهُ اللهُ بَهَا كَاليَدِ والعَصَا . . فَإِذَا بِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ يَضْحَكُونَ مِنْ تِلْكَ المُعْجِزَاتِ ، وَيَسْخَرُونَ مِنْ مُوسَى دُونَ أَنْ يَتَأَمَّلُوا فِيهَا ، كَمَا يَسْخَرُ اليومَ قَوْمُكَ مِمّا جِئْتَهُمْ بِهِ

ـــــــــــ

إلقاء الشيطان في أمنيات الرسل

قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) [الحج/52-54]

أَوْرَدَتْ بَعْضُ كُتًُب التَّفْسِير فِي أًَسْبَاب نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةً غَريبَةً تُعْرَفُ بِقَصَّةِ الغَرَانِيق . والفُرْنُوقُ طَائرٌ أَبْيْضُ . . وَتَقُولُ القِصَّةُ إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ في مَكَّةَ سُورَةَ النَّجْمِ في حُضُور جَمْعٍ مِنَ المُسْلِمينَ والمُشْرِكِينَ فَلَمّا بَلَغَ في قِراءَتِهِ { أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى } أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ ( تِلْكَ الغَرَانِيْقُ العُلَى وإنّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى ) فَقَالَ المُشْرِكُونَ مَا ذَكَرَ آلِهَتَنَا بخَيْر قَبْلَ اليَوْم . فَلَمَّا خَتَمَ السّورَة سَجَدَ وَسَجَدُوا . فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) فَنَزَلَ تَسْلِيَةً لَهُ { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ . . الآيَةَ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت