قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) [الحديد/25]
وَلَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى الرُّسُلَ بِالمُعْجِزَاتِ وَالحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى إِرْسَالِ الرُّسُلِ مِنَ اللهِ إِلَى أَقْوَامِهِمْ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ وَالشَّرَائِعَ ، فِيهَا الهِدَايَةُ لِلنَّاسِ ، وَفِيهَا صَلاَحُ أُمُورِهِمْ ، وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَعَامَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالعَدْلِ ، وَبِأَلاَّ يَظْلِمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا . وَلَمَّا كَانَ لاَ بُدَّ لإِقَامَةِ العَدْلِ مِنْ سُلْطَةٍ وَقُوَّةٍ وَسِلاَحٍ ، لِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الحَدِيدَ تُصْنَعُ مِنْهُ السُّيُوفُ وَالرِّمَاحُ والدُّرُوعُ وَعُدَدُ الحُرُوبِ ، التِي تَرْدَعُ مَنْ يَتَجَاوَزُ الحُدُودَ ، وَيَأْبى إِقَامَةَ العَدْلِ ، بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ . كَمَا جَعَلَ اللهُ فِي الحَدِيدِ مَنَافِعَ لِلنَّاسِ ، يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ ، وَمَعَايِشِهِمْ ، كَأَدَوَاتِ العَمَلِ وَالحَرْثِ . . . وَالسَّلاَحِ والسُّفُنِ . . . وَإِنَّمَا فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَنْ يَنْوِي اسْتِعْمَالَ السَّلاَحِ فِي نَصْرِ دِينِ اللهِ ، وَمَنْ يَنْوِي اسْتِعْمَالَهُ فِي الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ ، وَاللهُ قَوِيٌ عَزِيزٌ يَنْصُرُ مَنْ نَصَرَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجِ مِنْهُ إِلَى الخَلْقِ ، وَإِنَّمَا شَرَعَ الجِهَادَ لِيَبْلُوا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ .
فالرسالة واحدة في جوهرها ، جاء بها الرسل ومعهم البينات عليها ، ومعظمهم جاء بالمعجزات الخوارق . وبعضهم أنزل عليه كتاب . والنص يقول { وأنزلنا معهم الكتاب } بوصفهم وحدة . وبوصف الكتاب وحدة كذلك ، إشارة إالى وحدة الرسالة في جوهرها .
{ والميزان } . . مع الكتاب . فكل الرسالات جاءت لتقر في الأرض وفي حياة الناس ميزانًا ثابتًا ترجع إليه البشرية ، لتقويم الأعمال والأحداث والأشياء والرجال؛ وتقيم عليه حياتها في مأمن من اضطراب الأهواء واختلاف الأمزجة ، وتصادم المصالح والمنافع . ميزانًا لا يحابي أحدًا لأنه يزن بالحق الإلهي للجميع ، ولا يحيف على أحد لأن الله رب الجميع .
هذا الميزان الذي أنزله الله في الرسالة هو الضمان الوحيد للبشرية من العواصف الزلازل والاضطرابات والخلخلة التي تحيق بها في معترك الأهواء ومضطرب العواطف ، ومصطخب المنافسة وحب الذات . فلا بد من ميزان ثابت يثوب إليه البشر ، فيجدون عنده الحق والعدل والنصفة بلا محاباة . { ليقوم الناس بالقسط } . . فبغير هذا الميزان الإلهي الثابت في منهج الله وشريعته ، لا يهتدي الناس إلى العدل ، وإن اهتدوا إليه لم يثبت في أيديهم ميزانه ، وهي تضطرب في مهب الجهالات والأهواء!
{ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } . .
والتعبير { بأنزلنا الحديد } كالتعبير في موضع آخر بقوله: { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } كلاهما يشير إلى إرادة الله وتقديره في خلق الأشياء والأحدث ، فهي منزلة بقدره وتقديره . فوق ما فيه هنا من تناسق مع جو الآية ، وهو جو تنزيل الكتاب والميزان ، فكذلك ما خلقه الله من شيء مقدر تقدير كتابه وميزانه .
أنزل الله الحديد { فيه بأس شديد } . . وهو قوة في الحرب والسلم { ومنافع للناس } . . وتكاد حضارة البشر القائمة الآن تقوم على الحديد { وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } . وهي إشارة الى الجهاد بالسلاح؛ تجيء في موضعها في السورة التي تتحدث عن بذل النفس والمال .
ولما تحدث عن الذين ينصرون الله ورسله بالغيب ، عقب على هذا بإيضاح معنى نصرهم لله ورسله ، فهو نصر لمنهجه ودعوته ، أم الله سبحانه فلا يحتاج منهم إلى نصر: { إن الله قويٌ عزيز } . .
ــــــــــــ
مهمة الرسول تعليم الكتاب والحكمة
قال تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) [البقرة/151]
كَانَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلاَمُ قَدْ دَعَا رَبَّهُ ، وَهُوَ يَرْفَعُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ ، أَنْ يَبْعَثَ اللهُ فِي أَهْلِ البَيْتِ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِم آيَاتِ اللهِ ، وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ ، وَيُزَكِّيهم . فاستجَابَ اللهُ تَعَالَى لِدُعَائِهِ وَأَرْسَلَ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - رَسُولًا مِنْ نَسْلِ وِلْدِهِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وَأنزَلَ عَلَيهِ القُرْآنَ لِيَتْلُوهُ عَلَى النَّاسِ ، وَجَعَلَ رَسُولَهُ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وَمَنْهَجٍ قَويمٍ ، لِيَقْتَدِيَ بِهِ المُؤْمِنُونَ في أَعْمَالِهِمْ ، يُعَلِّمُهُمْ أَحْكَامَ دِينِهِمْ ، وَيُزَكِّي نُفُوسَهُمْ وَيُطَهِّرُهَا مِن رَذَائِلِ الأَخْلاَقِ وَانْحِرَافاتِ الجَاهِلِيّةِ ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ ظُُلُمَاتِ الجَهْلِ وَفَسَادِ الأَخْلاَقِ إِلى نُورِ الإِيمانِ وَالعِلْمِ وَسُمُوِّ الأَخْلاَقِ ، وَهُوَ مَا صَارُوا إِليهِ فِي الإِسْلاَمِ .
وَقَدْ كَانَتْ سُنَّةُ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - العَمَلِيَّةُ ، وَسِيرَتُهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَعَ أَصْحَابِهِ مُفَصِّلَةً لِمُجْمَلِ القُرآنِ ، مُبَيِّنَةً لِمُبْهَمِهِ ، كَاشِفَةً عَنِ المَنَافِعِ وَالأَسْرَارِ التِي تَنْطَوي عَلَيهَا الأَحْكَامُ ، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَهُ مِنْ قَبْلُ ، مِمَّا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ .
والذي يلفت النظر هنا ، أن الآية تعيد بالنص دعوة إبراهيم التي سبقت في السورة ، وهو يرفع القواعد من البيت هو وإسماعيل . دعوته أن يبعث الله في بنيه من جيرة البيت ، رسولًا منهم ، يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم . . ليذكر المسلمين أن بعثة هذا الرسول فيهم ، ووجودهم هم أنفسهم مسلمين ، هو الاستجابة المباشرة الكاملة لدعوة أبيهم إبراهيم . وفي هذا ما فيه من إيحاء عميق بأن أمرهم ليس مستحدثًا إنما هو قديم؛ وأن قبلتهم ليست طارئة إنما هي قبلة أبيهم إبراهيم ، وأن نعمة الله عليهم سابغة فهي نعمة الله التي وعدها خليله وعاهده عليها منذ ذلك التاريخ البعيد .
إن نعمة توجيهكم إلى قبلتكم ، وتمييزكم بشخصيتكم هي إحدى الآلاء المطردة فيكم ، سبقتها نعمة إرسال رسول منكم: { كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم } . .
فهو التكريم والفضل أن تكون الرسالة فيكم ، وأن يختار الرسول الأخير منكم ، وقد كانت يهود تستفتح به عليكم!
{ يتلو عليكم آياتنا } . . فما يتلو عليكم هو الحق . . والإيحاء الآخر هو الإشعار بعظمة التفضل في أن يخاطب الله العبيد بكلامه يتلوه عليهم رسوله . وهو تفضل يرتعش القلب إزاءه حين يتعمق حقيقته .
فمن هم هؤلاء الناس؟ من هم وما هم؟ حتى يخاطبهم الله سبحانه بكلماته ، ويتحدث إليهم بقوله ، ويمنحهم هذه الرعاية الجليلة؟ من هم وما هم لولا أن الله يتفضل؟ ولولا أن فضل الله يفيض؟ ولولا أنه - سبحانه - منذ البدء منحهم فضل النفخة من روحه ليكون فيهم ما يستأهل هذا الإنعام ، وما يستقبل هذا الإفضال؟
{ ويزكيكم } . .ولولا الله ما زكي منهم من أحد ، ولا تطهر ولا ارتفع . ولكنه أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - يطهرهم . يطهر أرواحهم من لوثة الشرك ودنس الجاهلية ، ورجس التصورات التي تثقل الروح الإنساني وتطمره . ويطهرهم من لوثة الشهوات والنزوات فلا ترتكس أرواحهم في الحمأة . والذين لا يطهر الإسلام أرواحهم في جنبات الأرض كلها قديمًا وحديثًا يرتكسون في مستنقع آسن وبيء من الشهوات والنزوات تزري بإنسانية الإنسان ، وترفع فوقه الحيوان المحكوم بالفطرة ، وهي أنظف كثيرًا مما يهبط إليه الناس بدون الإيمان! ويطهر مجتمعهم من الربا والسحت والغش والسلب والنهب . . وهي كلها دنس يلوث الأرواح والمشاعر ، ويلطخ المجتمع والحياة . ويطهر حياتهم من الظلم والبغي وينشر العدل النظيف الصريح الذي لم تستمتع به البشرية كما استمتعت في ظل الإسلام وحكم الإسلام ومنهج الإسلام ويطهرهم من سائر اللوثات التي تلطخ وجه الجاهلية في كل مكان من حولهم ، وفي كل مجتمع لا يزكيه الإسلام بروحه ومنهجه النظيف الطهور . .
{ ويعلمكم الكتاب والحكمة } . .وفيها شمول لما سبق من تلاوة الآيات وهي الكتاب؛ وبيان للمادة الأصيلة فيه ، وهي الحكمة ، والحكمة ثمرة التعليم بهذا الكتاب؛ وهي ملكة يتأتى معها وضع الأمور في مواضعها الصحيحة ، ووزن الأمور بموازينها الصحيحة ، وإدراك غايات الأوامر والتوجيهات . . وكذلك تحققت هذه الثمرة ناضجة لمن رباهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزكاهم بآيات الله .
{ ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } . .وكان ذلك حقًا في واقع الجماعة المسلمة ، فقد التقطها الإسلام من البيئة العربية لا تعلم إلا أشياء قليلة متناثرة ، تصلح لحياة القبيلة في الصحراء ، أو في تلك المدن الصغيرة المنعزلة في باطن الصحراء . فجعل منها أمة تقود البشرية قيادة حكيمة راشدة ، خبيرة بصيرة عالمة . . وكان هذا القرآن - مع توجيهات الرسول المستمدة كذلك من القرآن - هو مادة التوجيه والتعليم . وكان مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يتلى فيه القرآن والتوجيهات المستمدة من القرآن - هو الجامعة الكبرى التي تخرج فيها ذلك الجيل الذي قاد البشرية تلك القيادة الحكيمة الراشدة: القيادة التي لم تعرف لها البشرية نظيرًا من قبل ولا من بعد في تاريخ البشرية الطويل .
وما يزال هذا المنهج الذي خرّج ذلك الجيل وتلك القيادة على استعداد لتخريج أجيال وقيادات على مدار الزمان لو رجعت الأمة المسلمة إلى هذا المعين ولو آمنت حقا بهذا القرآن ولو جعلته منهجًا للحياة لا كلمات تغنى باللسان لتطريب الآذان!
وقال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) [آل عمران/164]
مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى المُؤْمِنِينَ أنْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ جِنْسِهِمْ ، وَمِنْ أهْلِ بَلَدِهِمْ وَلُغَتِهِمْ ( مَنْ أنْفُسِهِمْ ) ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ مُخَاطَبَتِهِ وَمُجَالَسَتِهِ ، وَالانْتِفَاعِ بِصُحْبَتِهِ وَسُؤَالِهِ عَمَّا سَيْتَشْكِلُ عَلَيْهِمْ فِي أمُوِر دِينِهِمْ ، وَيَتْلُو عَلَيهِم القُرآنَ ( آياتِ اللهِ ) وَيَأمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ ، لِتَزْكُوَ أنْفُسُهُم ، وَتَطْهُرَ مِنْ أرْجَاسِ الجَاهِليَّةِ ، وَيُعَلِّمُهُمُ القُرآنَ ( الكِتَابَ ) وَالسُّنَّةَ ( الحِكْمَةَ ) فَقَدْ كَانُوا قَبْلَ هَذا الرَّسُولِ فِي غَيٍّ وَجَهَالَةٍ ( ضَلاَلٍ ) ظَاهِرَيْنِ لِكُلِّ أحَدٍ .
إنها المنة العظمى أن يبعث الله فيهم رسولًا وأن يكون هذا الرسول { من أنفسهم } . . إن العناية من الله الجليل بإرسال رسول من عنده إلى بعض خلقه هي المنة التي لا تنبثق إلا من فيض الكرم الإلهي .المنة الخالصة التي لا يقابلها شيء من جانب البشر . وإلا فمن هم هؤلاء الناس ومن هم هؤلاء الخلق حتى يذكرهم الله هذا الذكر ويعنى بهم هذه العناية؟ ويبلغ من حفاوة الله بهم أن يرسل لهم رسولًا من عنده يحدثهم بآياته - سبحانه - وكلماته لولا أن كرم الله يفيض بلا حساب ويغمر خلائقه بلا سبب منهم ولا مقابل؟
وتتضاعف المنة بأن يكون هذا الرسول { من أنفسهم } . . لم يقل « منهم » فإن للتعبير القرآني { من أنفسهم } ظلالًا عميقة الإيحاء والدلالة . . إن الصلة بين المؤمنين والرسول هي صلة النفس بالنفس لا صلة الفرد بالجنس . فليست المسألة أنه واحد منهم وكفى . إنما هي أعمق من ذلك وأرقى . ثم إنهم بالإيمان يرتفعون إلى هذه الصلة بالرسول ويصلون إلى هذا الأفق من الكرامة على الله . فهو منة على المؤمنين . . فالمنة مضاعفة ممثلة في إرسال الرسول وفي وصل أنفسهم بنفس الرسول ونفس الرسول بأنفسهم على هذا النحو الحبيب .
ثم تتجلى هذه المنة العلوية في آثارها العملية . . في نفوسهم وحياتهم وتاريخهم الإنساني: { يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } . .
تتجلى هذه المنة في أكبر مجاليها . في تكريم الله لهم . بإرسال رسول من عنده يخاطبهم بكلام الله الجليل: { يتلو عليهم آياته } . .
ولو تأمل الإنسان هذه المنة وحدها لراعته وهزته حتى ما يتمالك أن ينصب قامته أمام الله حتى وهو يقف أمامه للشكر والصلاة!
ولو تأمل أن الله الجليل - سبحانه - يتكرم عليه فيخاطبه بكلماته . يخاطبه ليحدثه عن ذاته الجليلة وصفاته; وليعرفه بحقيقة الألوهية وخصائصها . ثم يخاطبه ليحدثه عن شأنه هو - هو الإنسان - هو العبد الصغير الضئيل - وعن حياته وعن خوالجه وعن حركاته وسكناته . يخاطبه ليدعوه إلى ما يحييه وليرشده إلى ما يصلح قلبه وحاله ويهتف به إلى جنة عرضها السماوات والأرض .
فهل هو إلا الكرم الفائض الذي يجري بهذه المنة وهذا التفضل وهذا العطاء؟
إن الله الجليل غني عن العالمين . وإن الإنسان الضئيل لهو الفقير المحووج . . ولكن الجليل هو الذي يحفل هذا الضئيل ويتلمسه بعنايته ويتابعه بدعوته! والغني هو الذي يخاطب الفقير ويدعوه ويكرر دعوته!
فيا للكرم! ويا للمنة! ويا للفضل والعطاء الذي لا كفاء له من الشكر والوفاء!
{ ويزكيهم } . .يطهرهم ويرفعهم وينقيهم . يطهر قلوبهم وتصوراتهم ومشاعرهم . ويطهر بيوتهم وأعراضهم وصلاتهم . ويطهر حياتهم ومجتمعهم وأنظمتهم . . يطهرهم من أرجاس الشرك والوثنية والخرافة والأسطورة وما تبثه في الحياة من مراسم وشعائر وعادات وتقاليد هابطة مزرية بالإنسان وبمعنى إنسانيته . . ويطهرهم من دنس الحياة الجاهلية وما تلوث به المشاعر والشعائر والتقاليد والقيم والمفاهيم .وقد كان لكل جاهلية من حولهم أرجاسها وكان للعرب جاهليتهم وأرجاسها .
من أرجاسها هذا الذي وصفه جعفر بن أبي طالب وهو يحدث نجاشي الحبشة في مواجهة رسولي قريش إليه وقد جاءا إليه ليسلمهما المهاجرين من المسلمين عنده .. يقول جعفر:
« أيها الملك . كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف . . فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه . فدعانا إلى الله وحده لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء . ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام
ومن أرجاسها ما حكته عائشة - رضي الله عنها - وهي تصور أنواع الاتصال بين الجنسين في الجاهلية كما جاء في صحيح البخاري في هذه الصورة الهابطة الحيوانية المزرية:
» إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء . فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته فيصدقها ثم ينكحها . . والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه! ويعتزلها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه! فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب . وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الرجل! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع . . ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها . فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت . فهو إبنك يا فلان . تسمي من أحبت منهم باسمه فيلحق به ولدها . ولا يستطيع أن يمتنع منه الرجل! والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها - وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا - فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك! « . .
ودلالة هذه الصورة على هبوط التصور الإنساني وبهيميته لا تحتاج إلى تعليق . ويكفي تصور الرجل وهو يرسل امرأته إلى » فلان « لتأتي له منه بولد نجيب . تمامًا كما يرسل ناقته أو فرسه أو بهيمته إلى الفحل النجيب لتأتي له منه بنتاج جيد!
ويكفي تصور الرجال - ما دون العشرة! - يدخلون إلى المرأة مجتمعين - » كلهم يصيبها! « . . ثم تختار هي أحدهم لتلحق به ولدها!
أما البغاء - وهو الصورة الرابعة - فهو البغاء! يزيد عليه إلحاق نتاجه برجل من البغاة! لا يجد في ذلك معرة! ولا يمتنع من ذلك!
إنه الوحل .الذي طهر الإسلام منه العرب . وزكاهم . وكانوا - لولا الإسلام - غارقين إلى الأذقان فيه!
ولم يكن هذا الوحل في العلاقات الجنسية إلا طرفًا من النظرة الهابطة إلى المرأة في الجاهلية . يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه القيم: « ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين » :
« وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غبن وحيف تؤكل حقوقها وتبتز أموالها وتحرم من إرثها وتعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجًا ترضاه وتورث كما يورث المتاع أو الدابة . عن ابن عباس قال: » كان الرجل إذا مات أبوه أو حموه فهو أحق بامرأته إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدى بصداقها أو تموت فيذهب بمالها « . . وقال عطاء بن رباح: » إن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل فترك امرأة حبسها أهله على الصبي يكون فيهم « . . وقال السدّي: إن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه فإذا مات وترك امرأته فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه فهو أحق بها أن يَنكحها بمهر صاحبه أو يُنكحها فيأخذ مهرها . وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهي أحق بنفسها » . وكانت المرأة في الجاهلية يطفف معها الكيل فيتمتع الرجل بحقوقه ولا تتمتع هي بحقوقها يؤخذ مما تؤتى من مهر وتمسك ضرارًا للاعتداء . وتلاقي من بعلها نشوزًا أو إعراضًا وتترك في بعض الأحيان كالمعلقة . ومن المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرم على الإناث . وكان يسوغ للرجل أن يتزوج ما يشاء من غير تحديد .
« وقد بلغت كراهة البنات إلى حد الوأد . ذكر الهيثم بن عدي - على ما حكاه عنه الميداني - أن الوأد كان مستعملًا في قبائل العرب قاطبة فكان يستعمله واحد ويتركه عشرة . فجاء الإسلام وكانت مذاهب العرب مختلفة في وأد الأولاد . فمنهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة ومخافة لحوق العار بهم من أجلهن . ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء . أو شيماء ( سوداء ) أو برشاء ( برصاء ) أو كسحاء ( عرجاء ) تشاؤمًا منهم بهذه الصفات . ومنهم كان يقتل أولاده خشية الإنفاق ، وخوف الفقر . .
» وكانوا يقتلون البنات ويئدونهن بقسوة نادرة في بعض الأحيان فقد يتأخر وأد الموءودة لسفر الوالد وشغله فلا يئدها إلا وقد كبرت وصارت تعقل . وقد حكوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات . وقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق « . .
ومن أرجاسها - وأصل هذه الأرجاس جميعًا - الشرك والوثنية الهابطة الساذجة: كما يصورها في إجمال الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه:
» انغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها . فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص بل كان لكل بيت صنم خصوصي .قال الكلبي: كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضًا « . واستهترت العرب في عبادة الأصنام فمنهم من اتخذ بيتًا ومنهم من اتخذ صنمًا; ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجرًا أمام الحرم وأمام غيره مما استحسن ثم طاف به كطوافه بالبيت وسموها الأنصاب . وكان في جوف الكعبة - البيت الذي بني لعبادة الله وحده - وفي فنائها ثلاثمائة وستون صنمًا . وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة . روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرًا هو خيرًا منه القيناه وأخذنا الآخر ; فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به . وقال الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلًا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًا وجعل ثلاث أثافيّ لقدره وإذا ارتحل تركه .
» وكان للعرب - شأن كل أمة مشركة في كل زمان ومكان - آلهة شتى من الملائكة والجن والكواكب . فكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله فيتخذونهم شفعاء لهم عند الله ويعبدونهم ويتوسلون بهم عند الله . واتخذوا كذلك معه الجن شركاء لله وآمنوا بقدرتهم وتأثيرهم وعبدوهم . قال الكلبي: كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن . وقال صاعد: كانت حمير تعبد الشمس . وكنانة القمر . وتميم الدبران . ولخم وجذام المشتري . وطي سهيلًا . وقيس الشعري العبور . وأسد عطاردًا « .
ويكفي أن يتصفح الإنسان هذه الصورة البدائية الغليظة من الوثنية ، ليعرف أي رجس كانت تنشره في القلوب والتصورات وفي واقع الحياة! ويدرك النقلة الضخمة التي نقلها الإسلام للقوم والطهارة التي أسبغها على تصوراتهم وعلى حياتهم سواء . ومن هذه الأرجاس تلك الأدواء الخلقية والاجتماعية التي كانت في الوقت ذاته من مفاخرهم في أشعارهم! ومن مفاخراتهم في أسواقهم! من الخمر إلى القمار إلى الثارات القبلية الصغيرة التي تشغل اهتماماتهم فلا ترتفع على تلك التصورات المحلية المحدودة