قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) [هود/120]
كُلُّ مَا قَصَصْنَاهُ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ ، وَمَا جَرَى لَهُمْ مَعَ أَقْوَامِهِمْ ، وَمَا احْتَمَلَهُ كُلُّ نَبِيٍّ مِنَ الأَذَى وَالتَّكْذِيبِ ، وَكَيْفَ نَصَرَ اللهُ حِزْبَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ، وَخَذَلَ أَعْدَاءَهُ مِنَ الكَافِرِينَ . . . إِنَّمَا قَصَصْنَاهُ عَلَيْكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ، وَنُقَوِّيَ عَزْيمَتَكَ ، وَلِتَتَأَسَّى بِإِخْوَانِكَ المُرْسَلِينَ .
وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، المُشْتَمِلَةِ عَلَى قَصَصِ الأَنْبِيَاءِ ، وَتَفَاصِيلِ مَا جَرَى لَهُمْ مَعْ أَقْوَامِهِمْ ، القَصَصُ الحَقُّ ، وَالنَّبَأُ الصِّدْقُ ، وَالمَوْعِظَةُ التِي يَرْتَدِعُ بِهَا الكَافِرُونَ ، وَيَتَذَكَّرُ بِهَا المُؤْمِنُونَ .
ويا لله للرسول - صلى الله عليه وسلم - لقد كان يجد من قومه ، ومن انحرافات النفوس ، ومن أعباء الدعوة ، ما يحتاج معه إلى التسلية والتسرية والتثبيت من ربه وهو الصابر الثابت المطمئن إلى ربه: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } . .
{ وجاءك في هذه الحق } . . أي في هذه السورة . . الحق من أمر الدعوة ، ومن قصص الرسل ، ومن سنن الله ، ومن تصديق البشرى والوعيد .
وقال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) [يوسف/111]
لَقَدْ كَانَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ عِبْرَةٌ لِذَوِي العُقُولِ وَالأَلْبَابِ ، لأَنَّهُمْ هُمُ الذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِعَوَاقِبِ الأُمُورِ التِي تَدُلُّ عَلَيْهَا أَوَائِلُهَا وَمُقَدِّمَاتُها ، وَجِهَةُ الاعْتِبَارِ فِي هَذِهِ القِصَّةِ أَنَّ الذِي قَدَرَ عَلَى إِنْجَاءِ يُوسُفَ بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ ، وَإِعْلاَءِ شَأْنِهِ ، حَتَّى أَصْبَحَ عَزِيزَ مِصْرَ ، وَرَئِيسَ وُزَرَائِهَا ، بَعْدَ أَنْ بِيعَ بِالثَّمَنِ البَخْسِ ، وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ لَهُ بَعْدَ الحَبْسِ وَالسِّجْنِ ، وَجَمْعِ شَمْلِهِ مَعَ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ . . . لَقَادِرٌ عَلَى إِعْزَازِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وَإِعْلاَءِ كَلِمَتِهِ ، وَإِظْهَارِ دِينِهِ .
وَمَا كَانَ هَذَا القَصَصُ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَيُخْتَلَقُ لأَنَّهُ أَعْجَزَ رُوَاةَ الأَخْبَارِ ، فَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ ، وَبُرْهَانٌ قَاهِرٌ ، عَلَى أَنَّهُ جَاءَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ ، وَقَدْ جَاءَ مُصَدِّقًا لِمَا جَاءَتْ بِهِ الكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ السَّابِقَةُ المُنَزَّلَةُ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ لِلأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ ، وَهُوَ هُدًى لِمَنْ تَدَبَّرَهُ ، وَأَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهِ ، وَتَلاَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ ، وَهُوَ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الذِينَ تَنْفُذُ فِيهِمْ شَرَائِعُهُ ، فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ .
وفي قصة يوسف ألوان من الشدائد . في الجب وفي بيت العزيز وفي السجن . وألوان من الاستيئاس من نصرة الناس . . ثم كانت العاقبة خيرًا للذين اتقوا كما هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب وقصة يوسف نموذج من قصص المرسلين . فيها عبرة لمن يعقل ، وفيها تصديق ما جاءت به الكتب المنزلة من قبل ، على غير صلة بين محمد وهذه الكتب . فما كان يمكن أن يكون ما جاء به حديثًا مفترى . فالأكاذيب لا يصدق بعضها بعضًا ولا تحقق هداية ، ولا يستروح فيها القلب المؤمن الروح والرحمة: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، ما كان حديثًا يفترى ، ولكن تصديق الذي بين يديه ، وتفصيل كل شيء ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } . .
الحكمة من قصص القرآن كثيرة جدًا، من أهمها:
1-ما نص عليه الله تعالى في قوله:"فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [الأعراف:176] ).
2-تثبيت فؤاد النبي صلى الله عيه وسلم، كما قال تعالى:"وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ" [هود:120] ، وهذا كما هو له - صلى الله عليه وسلم - ، فهو لغيره أيضًا، فكم انتفع أهل العلم والإيمان بقصص الأنبياء وغيرهم ! وكم كانت قصصهم منارات يهتدون بها!.
3-أن في هذه القصص عبرة لأولي الألباب، كما قال جل وعلا:"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ" [يوسف:111] .
4-أخذ العبرة والعظة من أحوال الأمم السابقة: فإن كانوا ممن هلكوا فلأجل أن تحذر هذه الأمة سبب هلاكهم، وإن كانوا ممن نجوا لتعتبر الأمة، فتسلك أسباب النجاة.
5-معرفة قدرة الله تعالى في تنويع العقاب على المخالفين، حسب ما تقتضيه حكمته.
6-إقامة الحجة على الناس ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وكيف قابلت الأمم أنبياءها؟ وماذا وقع لهم في حال الكفر وفي حال الاستجابة، كما قال تعالى -لما ذكر جملة من الرسل-"وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" [النساء:164-165] .إلى غير ذلك من الحكم التي تظهر للمتأمل.
ـــــــــــــ