فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 139

قال تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) [المائدة/103-104]

البَحِيرَةُ هِيَ الوَاحِدَةُ مِنَ الأنْعَامِ التِي يَبْحَرُونَ أذْنَهَا ، أيْ يَشُقُّونَهَا شَقًّا وَاسِعًا ، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذَا انْتَجَتْ خَمْسَةَ أبِطُنٍ وَكَانَ الخَامِسُ أنْثَى . وَكَانُوا يَجْعَلُونَ دَرَّهَا لِلطَّوَاغِيتِ ، فَلاَ يَحْلِبُهَا أحَدٌ مِنَ النَّاسِ ، وَيُسَيِّبُونَهَا لآلِهَتِهِمْ .

السَّائِبَةُ - وَهِيَ التِي تُسَيَّبُ بِأنْ يَنْذُرُهَا لىلِهَتِهِمْ ، فَتَرْعَى حَيْثُ تَشَاءُ ، وَلا يُحْمَلُ عَلَيهَا شَيءٌ ، وَلا يُجَزُّ صُوفُها ، وَلا يُحْلَبُ لَبَنُها إلاَّ لِضَيْفٍ .

الوَصِيلَةُ - هِيَ النَّاقَةُ البكْرُ ، تُبْكِرُ فِي أوَّلِ نَتَاجِ الإِبْلِ ، ثُمَّ تُثنِّي بِأنْثَى ، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وَصَلَتْ إِحْداهما بِالأخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ .

الحَامِي - هُوَ فَحْلُ الإِبِلِ يُولدُ مِنْ ظَهْرِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ ، فَيَقُولُونَ حَمَى ظَهْرَهُ ، فَلاَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ ، وَلا يُمْنَعُ مَاءً وَلا مَرْعَى .

وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لِهَؤُلاءِ بِأنْ يُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّهُ اللهُ ، وَلَمْ يَشُرَعْ مَا شَرَعَهُ البُغَاةُ لأنْفُسِهِمْ ، وَلكنَّ الذِينَ كَفَروا يَفْتَرُونَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ ، ثُمَّ يَجْعَلُونَهُ شَرْعًا وَقُرْبةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إليهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ ، بَلْ هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ ، وَأكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ .

وَإذا دُعُوا إلَى مَا شَرَعَهُ اللهُ وَأَوْجَبَهُ ، فِي القُرْآنِ ، مِنَ الأَحْكَامِ المُؤَيَّدَةِ بِالحُجَجِ وَالأَدِلَّةِ ، وَإلَى رَسُولِهِ المُبَيِّنِ لِمُجْمَلِ هَذِهِ الأحْكَامِ ، وَإلَى تَرْكِ مَا حَرَّمَهُ اللهُ قَالُوا: يَكْفِينَا أنْ نَتَّبِعَ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ الآبَاءَ وَالأجْدَادَ مِنَ الطَّرَائِقِ وَالمَسَالِكِ وَالمُعْتَقَدَاتِ . فَإذا كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ شَيْئًا ، وَلا يَعْرِفُونَ حَقًّا ، وَلاَ يَهْتَدُونَ إليه ، فَكَيْفَ يَتْبِعُونَهُمْ وَالحَالَةُ هَذِهِ؟ إنَّهُمْ إنِ اتَّبَعُوهُمْ كَانُوا بِلاَ شَكٍّ أكْثَرَ جَهْلًا مِنْ آبَائِهِمْ وَأضَلَّ سَبيلًا .

والذين يتبعون ما شرعه غير الله هم كفار . كفار يفترون على الله الكذب . مرة يشرعون من عند أنفسهم ثم يقولون: شريعة الله . . ومرة يقولون: إننا نشرع لأنفسنا ولا ندخل شريعة الله في أوضاعنا . . ونحن مع هذا لا نعصي الله . . وكله كذب على الله: { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } . .

ومشركو العرب كانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم الذي جاء به من عند الله . فهم لم يكونوا يجحدون الله البتة .بل كانوا يعترفون بوجوده وبقدرته وبتصريفه للكون كله . ولكنهم مع ذلك كانوا يشرعون لأنفسهم من عند أنفسهم ثم يزعمون أن هذا شرع الله! وهم بهذا كانوا كفارًا . ومثلهم كل أهل جاهلية في أي زمان وفي أي مكان يشرعون لأنفسهم من عند أنفسهم ثم يزعمون - أو لا يزعمون - أن هذا شرع الله!

إن شرع الله هو الذي قرره في كتابه ، وهو الذي بينه رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو ليس مبهمًا ولا غامضًا ولا قابلًا لأن يفتري عليه أحد من عنده ما يفتري ، ويزعم أنه منه ، كما يتصور أهل الجاهلية في أي زمان وفي أي مكان!

ولذلك يصم الله الذين ادعوا هذا الادعاء بالكفر . ثم يصمهم كذلك بأنهم لا يعقلون! ولو كانوا يعقلون ما افتروا على الله . ولو كانوا يعقلون ما حسبوا أن يمر هذا الافتراء!

ثم يزيد هذه المفارقة في قولهم وفعلهم إيضاحًا: { وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ، قالوا حسبنا: ما وجدنا عليه آباءنا . أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون؟ } . .

إن ما شرعه الله بيّن . وهو محدد فيما أنزل الله ومبين بما سنه رسوله . . وهذا هو المحك . وهذه هي النقطة التي يفترق فيها طريق الجاهلية وطريق الإسلام . طريق الكفر وطريق الإيمان . . فإما أن يدعى الناس إلى ما أنزل الله بنصه وإلى الرسول ببيانه فيلبوا . . فهم إذن مسلمون . وإما أن يدعوا إلى الله والرسول فيأبوا . . فهم إذن كفار . . ولا خيار . .

وهؤلاء كانوا إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ، قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا! فاتبعوا ما شرعه العبيد ، وتركوا ما شرعه رب العبيد . ورفضوا نداء التحرر من عبودية العباد للعباد ، واختاروا عبودية العقل والضمير ، للآباء والأجداد .

ثم يعقب السياق القرآني على موقفهم ذاك تعقيب التعجيب والتأنيب: { أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون؟ } . .

وليس معنى هذا الاستنكار لاتباعهم لآبائهم ولو كانوا لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون ، أن لو كان يعلمون شيئًا لجاز لهم اتباعهم وترك ما أنزل الله وترك بيان الرسول! إنما هذا تقرير لواقعهم وواقع آبائهم من قبلهم . فآباؤهم كذلك كانوا يتبعون ما شرعه لهم آباؤهم أو ما شرعوه هم لأنفسهم . ولا يركن أحد إلى شرع نفسه أو شرع أبيه ، وبين يديه شرع الله وسنة رسوله ، إلا وهو لا يعلم شيئًا ولا يهتدي! وليقل عن نفسه أو ليقل عنه غيره ما يشاء: إنه يعلم وإنه يهتدي . فالله - سبحانه - أصدق وواقع الأمر يشهد . . وما يعدل عن شرع الله إلى شرع الناس إلا ضال جهول! فوق أنه مفتر كفور!

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت