فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 139

قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) [الأعراف/157]

وَيُتَابِعُ اللهُ تَعَالَى وَصْفَ الذِينَ يَشْمَلُهُمْ بِرَحْمَتِهِ الوَاسِعَةِ فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ الذِينَ يَتَّبِعُونَ مُحَمَّدًا النَّبيِّ الأُمِّيَّ ، الذِي لاَ يَكْتُبُ وَلاَ يَقْرَأُ ، وَقَدْ جَاءَ وَصْفُهُ وَالبِشَارَةُ بِهِ فِي التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ ، وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ بِفِعْلِ الخَيْرَاتِ ، وَبِالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ فِعْلِ المُنْكَرِ ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ، وَيَضَعُ عَنْهُمُ التَّكَالِيفَ الشَّاقَّةَ ، كَاشْتِرَاطِ قَتْلِ النَّفْسِ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ ، وَالقِصَاصِ فِي القَتْلِ العَمْدِ أَوِ الخَطَإِ ، مِنْ غَيْرَ شَرْعٍ لِلدِّيَةِ ، وَقَطْعِ الأَعْضَاءِ الخَاطِئَةِ ، وَقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ ، وَتَحْرِيمِ السَّبْتِ . . . فَقَدْ جَاءَ مُحَمَّدٌ بِمَا هُوَ يُسْرٌ وِسَمَاحَةٌ .

[ وَقَالَ رَسُولُ اللهُ - صلى الله عليه وسلم - يُوصِي أَمِيرِينِ أَرْسَلَهُمَا فِي بَعْثَينِ إِلى اليَمَنِ:"بَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا ، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا"] .

وَوَسَّعَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - أُمُورَهَا ، وَسَهَّلَهَا لَهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ"فَالذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ النَّبِيِّ الأُميِّ ، حِينَ بُعِثَ ، مِنْ قَومِ مُوسَى وَعِيسَى ، وَمِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ، وَعَزَّرُوهُ بِأَنْ مَنَعُوهُ وَحَمَوْهُ مِنْ كُلِّ مَنْ يُعَادِيهِ ، مَعَ التَّعْظِيمِ وَالإِجْلاَلِ ، وَنَصَرُوهُ بِاللِّسَانِ وَاليَدِ ، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الأَعْظَمَ الذِي أُنْزِلَ مَعَ رِسَالَتِهِ ، وَهُوَ القُرآنُ . . فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ، الفَائِزُونَ بالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ .

وإنه لنبأ عظيم ، يشهد بأن بني إسرائيل قد جاءهم الخبر اليقين بالنبي الأمي ، على يدي نبيهم موسى ونبيهم عيسى - عليهما السلام - منذ أمد بعيد .جاءهم الخبر اليقين ببعثه ، وبصفاته ، وبمنهج رسالته ، وبخصائص ملته . فهو « النبي الأمي » ، وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، وهو يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ، وهو يضع عمن يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم ، فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به . وأتباع هذا النبي يتقون ربهم ، ويخرجون زكاة أموالهم ، ويؤمنون بآيات الله . . وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي؛ ويعظمونه ويوقرونه ، وينصرونه ويؤيدونه ، ويتبعون النور الهادي الذي معه { أولئك هم المفلحون } . .وبذلك البلاغ المبكر لبني إسرائيل- على يد نبيهم موسى عليه السلام - كشف الله سبحانه عن مستقبل دينه ، وعن حامل رايته ، وعن طريق أتباعه ، وعن مستقر رحمته . . فلم يبق عذر لأتباع سائر الديانات السابقة ، بعد ذلك البلاغ المبكر بالخبر اليقين .وهذا الخبر اليقين من رب العالمين لموسى عليه السلام - وهو والسبعون المختارون من قومه في ميقات ربه - يكشف كذلك عن مدى جريمة بني إسرائيل في استقبالهم لهذا النبي الأمي وللدين الذي جاء به . وفيه التخفيف عنهم والتيسير ، إلى جانب ما فيه من البشارة بالفلاح للمؤمنين!

إنها الجريمة عن علم وعن بينة! والجريمة التي لم يألوا فيها جهدًا . . فقد سجل التاريخ أن بني إسرائيل كانوا هم ألأم خلق وقف لهذا النبي وللدين الذي جاء به . . اليهود أولًا والصليبيون أخيرًا . . وأن الحرب التي شنوها على هذا النبي ودينه وأهل دينه كانت حربًا خبيثة ماكرة لئيمة قاسية؛ وأنهم أصروا عليها ودأبوا؛ وما يزالون يصرون ويدأبون!

والذي يراجع - فقط - ما حكاه القرآن الكريم من حرب أهل الكتاب للإسلام والمسلمين - وقد سبق منه في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ما سبق - يطلع على المدى الواسع المتطاول الذي أداروا فيه المعركة مع هذا الدين في عناد لئيم!

والذي يراجع التاريخ بعد ذلك - منذ اليوم الذي استعلن فيه الإسلام بالمدينة ، وقامت له دولة - إلى اللحظة الحاضرة ، يدرك كذلك مدى الإصرار العنيد على الوقوف لهذا الدين وإرادة محوه من الوجود!

ولقد استخدمت الصهيونية والصليبية في العصر الحديث من ألوان الحرب ، والكيد والمكر أضعاف ما استخدمته طوال القرون الماضية . . وهي في هذه الفترة بالذات تعالج إزالة هذا الدين بجملته؛ وتحسب أنها تدخل معه في المعركة الأخيرة الفاصلة . . لذلك تستخدم جميع الأساليب التي جربتها في القرون الماضية كلها - بالإضافة إلى ما استحدثته منها - جملة واحدة!

ذلك في الوقت الذي يقوم ممن ينتسبون إلى الإسلام ناس يدعون في غرارة ساذجة إلى التعاون بين أهل الإسلام وأهل بقية الأديان للوقوف في وجه تيار المادية والإلحاد! أهل بقية الأديان الذين يذبحون من ينتسبون إلى الإسلام في كل مكان؛ ويشنون عليهم حربًا تتسم بكل بشاعة الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في الأندلس - سواء عن طريق أجهزتهم المباشرة في المستعمرات في آسيا وإفريقية أو عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويسندونها في البلاد ( المستقلة! ) لتحل محل الإسلام عقائد ومذاهب علمانية! تنكر « الغيبية » لأنها « علمية » ! و « تطوّر » الأخلاق لتصبح هي أخلاق البهائم التي ينزو بعضها على بعض في « حرية! » ، و « تطوّر » كذلك الفقه الإسلامي ، وتقيم له مؤتمرات المستشرقين لتطويره .كيما يحل الربا والاختلاط الجنسي وسائر المحرمات الإسلامية!!

إنها المعركة الوحشية الضارية يخوضها أهل الكتاب مع هذا الدين ، الذي بشروا به وبنبيه منذ ذلك الأمد البعيد . ولكنهم تلقوه هذا التلقي اللئيم الخبيث العنيد!

ــــــــــــ

وجوب مقاتلة من هم بإخراج الرسول

قال تعالى: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) [التوبة/13-15]

يَحُضُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى قِتَالِ المُشْرِكِينَ ، الذِينَ يَنْكُثُونَ عَهْدَهُمْ ، وَقَدْ سَبَقَ لَهُمْ أَنْ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَكَّةَ ، وَهُمُ الذِينَ بَدَؤُوكُمْ بِالقِتَالِ أوَّلَ مَرَّةٍ ، إِذْ خَرَجُوا إلَى بَدْرٍ لِنُصْرَةِ عِيرِهِمْ وَإِنْقَاذِهَا ، ثُمَّ يَطْلُبُ اللهُ تَعَالَى إِلَى المُؤْمِنِينَ أَنْ لاَ يَخْشَوا الكُفْرَ وَأَهْلَهُ ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الذِي يَسْتَحِقُّ الخَشْيَةَ وَالخَوْفَ مِنْهُ هُوَ اللهُ ذُو السَطْوَةِ وَالعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ . فَالمُؤْمِنُونَ لاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا غَيْرَ اللهِ ، وَلاَ يَخَافُونَ سِوَاهُ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي إِيمَانِهِمْ .

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الكُفَّارِ ، وَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّهُ تَعَالَى سَيُعَذِّبُهُمْ بِأَيْدِي المُؤْمِنِينَ ، وَيُمَكِّنُ المُؤْمِنِينَ مِنْ رِقَابِهِمْ ، وَيُخْزِيهِمْ وَيُذِلُّهُمْ بَالأَسْرِ وَالقَهْرِ وَالهَزِيمَةِ ، وَيَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيهِمْ ، وَيَشْفِي صُدُورَ قَوْمٍ اعْتَدَى الكَافِرُونَ عَلَيْهِم ، ( مِثْلِ خُزَاعَة ، وَالمُسْتَضْعَفِينَ فِي مَكَّةَ الذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا اللِّحَاقَ بِإِخْوَانِهِم المُؤْمِنِينَ إلى دَارِ الهِجْرَةِ ) .

وَيُذْهِبَ اللهُ بِنَصْرِكُمْ عَلَى الكَافِرِينَ ، مَا فِي قُلُوبِ هَؤُلاَءِ المُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْظٍ عَلَى جَمَاعَةِ الكُفْرِ ، بِسَبَبِ غَدْرِهِمْ وَظُلْمِهِمْ وَاعْتِدَائِهِمْ ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، مِنْ غَيْرِ هَؤُلاَءِ ، وَيُوَّفِقَهُمْ لِلإِيمَانِ وَيَتَقَبَّلَهُ مِنْهُمْ ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ ، حَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ .

إن تاريخ المشركين مع المسلمين كله نكث للأيمان ، ونقض للعهود . وأقرب ما كان من هذا نقضهم لعهدهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية . ولقد قبل - صلى الله عليه وسلم - من شروطهم - بإلهام من ربه وهداية - ما حسبه بعض أفاضل أصحابه قبولًا للدنية! ووفى لهم بعهده أدق ما يكون الوفاء وأسماه ، ولكنهم هم لم يفوا ، وخاسوا بالعهد عامين اثنين ، عند أول فرصة سنحت . . كما أن المشركين هم الذين هموا بإخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل في مكة؛ وبيتوا أمرهم في النهاية على قتله قبل الهجرة . وكان هذا في بيت الله الحرام الذي يأمن فيه القاتل منهم على دمه وماله؛ حتى لكان الواحد يلقى قاتل أخيه أو أبيه في الحرم فلا يمسه بسوء . أما محمد رسول الله ، الداعي إلى الهدى والإيمان وعبادة الله وحده ، فلم يرعوا معه هذه الخصلة؛ وهموا بإخراجه؛ ثم تآمروا على حياته؛ وبيتوا قتله في بيت الله الحرام ، بلا تحرج ولا تذمم مما يتحرجون منه ويتذممون مع أصحاب الثارات! .

.كذلك كانوا هم الذين هموا بقتال المسلمين وحربهم في المدينة . فهم الذين أصروا - بقيادة أبي جهل - على ملاقاة المسلمين بعد أن نجت القافلة التي خرجوا لها؛ ثم قاتلوهم بادئين في أحد وفي الخندق . ثم جمعوا لهم في حنين كذلك . . وكلها وقائع حاضرة أو ذكريات قريبة؛ وكلها تنم عن الإصرار الذي يصفه قول الله تعالى: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } كما تنم عن طبيعة العلاقة بين المعسكر الذي يعبد آلهة من دون الله تجاه المعسكر الذي لا يعبد إلا الله . .

وحين يستعرض السياق هذا الشريط الطويل من الذكريات والمواقف والأحداث ، في هذه اللمسات السريعة العميقة الإيقاع في قلوب المسلمين ، يخاطبهم: { أتخشونهم؟ } . .فإنهم لا يقعدون عن قتال المشركين هؤلاء إلا أن تكون هي الخشية والخوف والتهيب!

ويعقب على السؤال بما هو أشد استجاشة للقلوب من السؤال: { فالله أحق أن تخشوه ، إن كنتم مؤمنين } . .إن المؤمن لا يخشى أحدًا من العبيد . فالمؤمن لا يخشى إلا الله ، فإذا كانوا يخشون المشركين فالله أحق بالخشية ، وأولى بالمخافة؛ وما يجوز أن يكون لغيره في قلوب المؤمنين مكان!

وإن مشاعر المؤمنين لتثور؛ وهي تستجاش بتلك الذكريات والوقائع والأحداث . . وهم يذكرون بتآمر المشركين على نبيهم - صلى الله عليه وسلم - . . وهم يستعرضون نكث المشركين لعهودهم معهم وتبييتهم لهم الغدر كلما التمسوا منهم غرة ، أو وجدوا في موقفهم ثغرة . وهم يتذكرون مبادأة المشركين لهم بالعداء والقتال بطرًا وطغيانًا . . وفي غمرة هذه الثورة يحرض المؤمنين على القتال: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ، وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ، ويذهب غيظ قلوبهم }

قاتلوهم يجعلكم الله ستار قدرته ، وأداة مشيئته ، فيعذبهم بأيديكم ويخزهم بالهزيمة وهم يتخايلون بالقوة ، وينصركم عليهم ويشف صدور جماعة من المؤمنين ممن آذاهم وشردهم المشركون . يشفها من غيظها المكظوم ، بانتصار الحق كاملًا ، وهزيمة الباطل ، وتشريد المبطلين . .

وليس هذا وحده ولكن خيرًا آخر يُنتظر وثوابًا آخر يُنال: { ويتوب الله على من يشاء } . .

فانتصار المسلمين قد يرد بعض المشركين إلى الإيمان ، ويفتح بصيرتهم على الهدى حين يرون المسلمين يُنصرون ، ويحسون أن قوة غير قوة البشر تؤيدهم ، ويرون آثار الإيمان في مواقفهم - وهذا ما كان فعلًا - وعندئذٍ ينال المسلمون المجاهدون أجر جهادهم ، وأجر هداية الضالين بأيديهم؛ وينال الإسلام قوة جديدة تضاف إلى قوته بهؤلاء المهتدين التائبين: { والله عليم حكيم } .عليم بالعواقب المخبوءة وراء المقدمات . حكيم يقدر نتائج الأعمال والحركات .

إن بروز قوة الإسلام وتقريرها ليستهوي قلوبًا كثيرة تصد عن الإسلام الضعيف ، أو الإسلام المجهول القوة والنفوذ . وإن الدعوة إلى الإسلام لتختصر نصف الطريق حين تكون الجماعة المسلمة بادية القوة ، مرهوبة الجانب ، عزيزة الجناب.على أن الله سبحانه وهو يربي الجماعة المسلمة بالمنهج القرآني الفريد لم يكن يعدها وهي في مكة قلة قليلة مستضعفة مطاردة ، إلا وعدًا واحدًا: هو الجنة .ولم يكن يأمرها إلا أمرًا واحدًا: هو الصبر . . فلما أن صبرت وطلبت الجنة وحدها دون الغلب ، آتاها الله النصر؛ وجعل يحرضها عليه ويشفي صدورها به . ذلك أن الغلب والنصر عندئذ لم يكن لها ولكن لدينه وكلمته . وإن هي إلا ستار لقدرته . .

ثم إنه لم يكن بد أن يجاهد المسلمون المشركين كافة ، وأن تنبذ عهود المشركين كافة؛ وأن يقف المسلمون إزاءهم صفًا . . لم يكن بد من ذلك لكشف النوايا والخبايا ، ولإزالة الأستار التي يقف خلفها من لم يتجرد للعقيدة ، والأعذار التي يحتج بها من يتعاملون مع المشركين للكسب ، ومن يوادونهم لآصرة من قربى أو مصلحة . . لم يكن بد من إزالة هذه الأستار والمعاذير ، وإعلان المفاصلة للجميع ، لينكشف الذين يخبئون في قلوبهم خبيئة ، ويتخذون من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة ، يلجون منها إلى مصالحهم وروابطهم مع المشركين ، في ظل العلاقات غير المتميزة أو الواضحة بين المعسكرات المختلفة: { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ، والله خبير بما تعملون } . .

لقد كان في المجتمع المسلم - كما هو الحال عادة - فئة تجيد المداورة ، وتنفذ من الأسوار . وتتقن استخدام الأعذار . وتدور من خلف الجماعة ، وتتصل بخصومها استجلابًا للمصلحة ولو على حساب الجماعة ، مرتكنة إلى ميوعة العلاقات ووجود ثغرات في المفاصلة بين المعسكرات . فإذا وضحت المفاصلة وأعلنت قطعت الطريق على تلك الفئة ، وكشفت المداخل والمسارب للأنظار .

وإنه لمن مصلحة الجماعة ، ومن مصلحة العقيدة ، أن تهتك الأستار وتكشف الولائج ، وتعرف المداخل ، فيمتاز المكافحون المخلصون ، ويكشف المداورون الملتوون ، ويعرف الناس كلا الفريقين على حقيقته ، وإن كان الله يعلمهم من قبل: { والله خبير بما تعملون } . .

ولكنه سبحانه يحاسب الناس على ما يتكشف من حقيقتهم بفعلهم وسلوكهم . وكذلك جرت سنته بالابتلاء لينكشف الخبيء وتتميز الصفوف ، وتتمحص القلوب . ولا يكون ذلك كما يكون بالشدائد والتكاليف والمحن والابتلاءات .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت