قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) [الحجرات/7-8]
واعلَمُو يَا أَيُّها المُؤْمِنُون أنَّ رَسُولَ اللهِ بَيْنَ أظْهُركُمْ فَعَظِّمُوهُ وَوَقِّرُوهُ وَاصْدُقُوهُ ، وَتأدَّبوا مَعَهُ ، وَهُوَ أَشْفَقُ عَلَيكُمْ مِنْ أنفِسكُم ، وَلَوْ أنّهُ تَعَجَّلَ في عَمَلِ مَا أرَدْتُم قَبْلَ وَضُوحِ الأمرِ ، وَقَامَ بِمَا أَشَرْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الآراءِ لَوَقَعْتُم في الإِثْمِ وَالمَشَقَّةِ والحَرَجِ ( لَعَيِنتُّمْ ) ، وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إليكُم الإِيمَانَ والأُمُورَ الصَّالِحَةَ ، وَجَعَلَكُمْ تَكْرَهُونَ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعَصْيَانَ .
وَهَؤُلاءِ المُتَّصِفُونَ بالصِّفاتِ السَّابِقَةِ هُمُ الرَّاشِدُونَ المُهتَدُونَ ، الذِينَ آتاهُمُ اللهُ رُشْدَهُمْ .
وَهذَا العَطَاءُ ، الذِي مَنَحَكُمُ اللهُ إيَّاهُ ، هُوَ فَضْلٌ منهُ عَليكُمْ ، وَإِنعَامٌ عَلَيكُمْ مِنْ لَدُنْهُ ، وَاللهُ عَليمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايةَ ممَّنْ يَسْتَحِقُّ الغَوَايةَ ، وَهُوَ حَكِيمٌ في شرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ .
وهي حقيقة تتصور بسهولة لأنها وقعت ووجدت . ولكنها عند التدبر تبدو هائلة لا تكاد تتصور! وهل من اليسير أن يتصور الإنسان أن تتصل السماء بالأرض صلة دائمة حية مشهودة؛ فتقول السماء للأرض؛ وتخبر أهلها عن حالهم وجهرهم وسرهم ، وتقوّم خطاهم أولا بأول ، وتشير عليهم في خاصة أنفسهم وشؤونهم . ويفعل أحدهم الفعلة ويقول أحدهم القولة ، ويسر أحدهم الخالجة؛ فإذا السماء تطلع ، وإذا الله - جل جلاله - ينبئ رسوله بما وقع ، ويوجهه لما يفعل وما يقول في هذا الذي وقع . . إنه لأمر . وإنه لنبأ عظيم . وإنها لحقيقة هائلة . قد لا يحس بضخامتها من يجدها بين يديه . ومن ثم كان هذا التنبيه لوجودها بهذا الأسلوب: { واعلموا أن فيكم رسول الله } . . اعلموا هذا وقدروه حق قدره ، فهو أمر عظيم ،ومن مقتضيات العلم بهذا الأمر العظيم أن لا يقدموا بين يدي الله ورسوله . ولكنه يزيد هذا التوجيه إيضاحًا وقوة ، وهو يخبرهم أن تدبير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم بوحي الله أو إلهامه فيه الخير لهم والرحمة واليسر . وأنه لو أطاعهم فيما يعن لهم أنه خير لعنتوا وشق عليهم الأمر . فالله أعرف منهم بما هو خير لهم ، ورسوله رحمة لهم فيما يدبر لهم ويختار: { لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم } . .
وفي هذا إيحاء لهم بأن يتركوا أمرهم لله ورسوله ، وأن يدخلوا في السلم كافة ، ويستسلموا لقدر الله وتدبيره ، ويتلقوا عنه ولا يقترحوا عليه .
ثم يوجههم إلى نعمة الإيمان الذي هداهم إليه ، وحرك قلوبهم لحبه ، وكشف لهم عن جماله وفضله ، وعلق أرواحهم به؛ وكره إليكم الكفر والفسوق والمعصية ، وكان هذا كله من رحمته وفيضه: { ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم؛ وكَّره إليكم الكفر والفسوق والعصيان . أولئك هم الراشدون . فضلًا من الله ونعمة والله عليم حكيم } . .
واختيار الله لفريق من عباده ، ليشرح صدورهم للإيمان ، ويحرك قلوبهم إليه ، ويزينه لهم فتهفو إليه أرواحهم ، وتدرك ما فيه من جمال وخير . . هذا الاختبار فضل من الله ونعمة ، دونها كل فضل وكل نعمة . حتى نعمة الوجود والحياة أصلًا ، تبدوا في حقيقتها أقل من نعمة الإيمان وأدنى! وسيأتي قوله تعالى: { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } فنفصل القول إن شاء الله في هذه المنة .
والذي يستوقف النظر هنا هو تذكيرهم بأن الله هو الذي أراد بهم هذا الخير ، وهو الذي خلص قلوبهم من ذلك الشر: الكفر والفسوق والعصيان . وهو الذي جعلهم بهذا راشدين فضلًا منه ونعمة . وأن ذلك كله كان عن علم منه وحكمة . . وفي تقرير هذه الحقيقة إيحاء لهم كذلك بالاستسلام لتوجيه الله وتدبيره ، والاطمئنان إلى ما وراءه من خير عليهم وبركة ، وترك الاقتراح والاستعجال والاندفاع فيما قد يظنونه خيرًا لهم؛ قبل أن يختار لهم الله . فالله يختار لهم الخير ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم ، يأخذ بيدهم إلى هذا الخير . وهذا هو التوجيه المقصود في التعقيب .
وإن الإنسان ليعجل ، وهو لا يدري ما وراء خطوته . وإن الإنسان ليقترح لنفسه ولغيره ، وهو لا يعرف ما الخير وما الشر فيما يقترح . { ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولًا } ولو استسلم لله ، ودخل في السلم كافة ، ورضي اختيار الله له ، واطمأن إلى أن اختيار الله أفضل من اختياره ، وأرحم له وأعود عليه بالخير . لاستراح وسكن . ولأمضى هذه الرحلة القصيرة على هذا الكوكب في طمأنينة ورضى . . ولكن هذا كذلك منة من الله وفضل يعطيه من يشاء .
ـــــــــــــ