فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 139

قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) [النساء/170]

بَعْدَ أَنْ أَقَامَ اللهُ سُبْحَانَهُ الحُجَّةَ عَلَى أَهْلِ الكِتَابِ ، وَرَدَّ شُبُهَاتِهِمْ ، وَاقْتِرَاحَاتِهِمُ التِي اقْتَرَحُوهَا تَعَنُّتًا وَعِنَادًا ، خَاطَبَ جَمِيعَ النَّاسِ ، وَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ ، وَشَفَعَهُ بِالوَعْدِ عَلَى عَمَلِ الخَيْرِ ، وَالوَعِيدِ عَلَى الكُفْرِ وَعَمَلِ السُّوءِ ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُمْ قَدَ جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ ، بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ ، وَالبَيَانِ الشَّافِي مِنَ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَعَلَيهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا جَاءَ بِهِ ، وَأنْ يَتَّبِعُوهُ ، لأنَّ فِي ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ . ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: أمَّا إذَا أَصْرَرْتُمْ عَلَى الكُفْرِ ، أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ، فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ، وَعَنْ إِيْمَانِكُمْ ، وَلاَ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ ، لأنَّهُ يَمْلِكُ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَهُمْ جَمِيعًا خَلْقُهُ وَعَبِيدُهُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الغِوَايَةَ فَيُضِلَّهُ وَيُغْوِيهِ ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ .

وهي دعوة سبقها دحض مفتريات أهل الكتاب ، وكشف جبلة اليهود ومناكرهم في تاريخهم كله ، وتصوير تعنتهم الأصيل ، حتى مع موسى نبيهم وقائدهم ومنقذهم ، كما سبقها بيان طبيعة الرسالة وغايتها . وهذه الغاية وتلك الطبيعة تقتضيان أن يرسل الله الرسل ، وتقتضيان أن يرسل الله محمدًا حتمًا . فهو رسول إلى العالمين . إلى الناس كافة - بعدما غبرت الرسالات كلها خاصة بقوم كل رسول - فلم يكن بد من تبليغ عام في ختام الرسالات ، يبلغ إلى الناس كافة: { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } . . ولو لم تكن هذه الرسالة عامة للناس كافة لكان للناس - ممن سيأتون من أجيال وأمم - حجة على الله . فانقطعت هذه الحجة بالرسالة العامة للناس وللزمان ، وكانت هي الرسالة الأخيرة . فإنكار أن هناك رسالة بعد أنبياء بني إسرائيل غير عيسى ، أو بعد عيسى - عليه السلام - لا يتفق مع عدل الله ، في أن يأخذ الناس بالعقاب بعد البلاغ . . ولم يسبق أن كانت هناك رسالة عامة . ولم يكن بد من هذه الرسالة العامة . . فكانت بعدل الله ورحمته بالعباد . . وكان حقًا قول الله سبحانه { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة . كما يتجلى من هذا البيان . .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت