فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 139

قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) [مريم/51-58]

بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ ثَنَّى بِذِكْرِ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ، فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى كَانَ مُخْلِصًا فِي عِبَادَتِهِ ( بِكَسْرِ اللامِ ) ، وَقَرَأَهَا آخَرُونَ بِفَتْحِ الّلامِ ( أَيْ مُصْطَفَى ) فَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى - { إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس } فَكَانَ رَسُولًا مِنْ أُوْلِي العَزْمِ ، وَكَانَ نَبِيًّا دَاعِيًا إِلَى الخَيْرِ ، وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا لِلْخَلْقِ .

وَحِينَمَا كَانَ مُوسَى سَائِرًا بِأَهْلِهِ مِنْ مَدْيَنَ إِلَى مِصْرَ ، وَصَلَ إِلَى وَادِي الطُّورِ ، فَلَمَحَ نَارًا عَنْ بُعْدٍ ، وَهُوَ فِي الَّليْلِ ، فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا لَعَلِّي آتِيكُمْ بِقَبَسٍ مِنَ النَّارِ ، أَوْ أَسْأَلُ مَنْ هُنَاكَ عِنْدَ النَّارِ لِيَهْدُونِي إِلَى الطَّرِيقِ ، فَوَجَدَ النَّارَ عَنْ يَمِينِهِ ، فَنَادَاهُ اللهُ تَعَالَى وَقَرَّبَهُ وَنَاجَاهُ ، وَأَنْبَأَهُ بِأَنَّهُ اخْتَارَهُ لِيَكُونَ رَسُولَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ .

حِينَمَا كَلَّفَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ ، وَلإِنْقَاذِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ مُوسَى لِرَبِّهِ: { وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءًا } . وَقَالَ فِي مَكَانٍ آخَرَ: { اشدد بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي } فَاسْتَجَابَ اللهُ لِدُعَائِهِ ، وَشَفَاعَتِهِ فِي أَخِيْهِ هَارُونَ فَجَعَلَهُ نَبِيًّا .

وَاتْلُ يَا مُحَمَّدُ عَلَى قَوْمِكَ صِفَاتِ أَبِيهِمْ إِسْمَاعِيلَ عَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ ، وَيَتَخَلَّقُونَ بِأَخْلاَقِهِ . وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَيَصِفُهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ ، مِا الْتَزَمَ بِعِبَادَةٍ قَطُّ إِلاَّ قَامَ بِهَا . ثُمَّ وَصَفَهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ كَانَ رَسُولًا ، وَكَانَ نَبِيًّا ، بَيْنَمَا وَصَفَ إِسْحَاقَ بِأَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا .

وَأَثْنَى اللهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَانَ صَابِرًا عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ ، آمِرًا أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ ، وَكَانَ مَرَضِيًّا عِنْدَ رَبِّهِ .

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ كَانَ صَدِيقًا نَبِيًّا . ( وَيُقَالُ إِنَّ إِدْرِيسَ كَانَ قَبْلَ نُوْحٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ) . وَقَالَ تَعَالَى إِنَّهُ رَفَعَهُ فِي الجَنَّة مَكَانًا عَلِيًّا . وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ خَيَّاطًا ، فَكَانَ لاَ يَغْرِزُ إِبْرَةً إِلاَّ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ ، فَكَانَ يُمْسِي حِينَ يُمْسِي وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ عِنْدَ اللهِ عَمَلًا .

وَهَؤُلاَءِ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ قَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - قَصَصَهُمْ ، هُمُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذُرِيَّةِ آدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبَ ، وَمَنْ هَدَاهُمْ وَقَرَّبَهُمْ ، وَكَانُوا إِذَا سَمِعُوا كَلاَمَ اللهِ المُتَضَمِّنَ حُجَجَهُ وَدَلاَئِلَهُ وَبَرَاهينَهُ ، سَجَدُوا لِرَبِّهِمْ خُضُوعًا وَخُشُوعًا وَحَمْدًا وَشُكْرًا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ النَّعَمِ العَظِيمَةِ وَهُمْ يَبْكُونَ .

يصف موسى بأنه كان مخلصًا استخلصه الله له ومحضه لدعوته . وكان رسولًا نبيًا . والرسول هو صاحب الدعوة من الأنبياء المأمور بإبلاغها للناس . والنبي لا يكلف إبلاغ الناس دعوة إنما هو في ذاته صاحب عقيدة يتلقاها من الله . وكان في بني إسرائيل أنبياء كثيرون وظيفتهم القيام على دعوة موسى والحكم بالتوراة التي جاء بها من عند الله: { يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا . والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهدآء } ويبين فضل موسى بندائه من جانب الطور الأيمن ( الأيمن بالنسبة لموسى إذ ذاك ) وتقريبه إلى الله لدرجة الكلام . الكلام القريب في صورة مناجاة . ونحن لا ندري كيف كان هذا الكلام ، وكيف أدركه موسى . . أكان صوتًا تسمعه الأذن أم يتلقاه الكيان الإنساني كله . ولا نعلم كيف أعد الله كيان موسى البشري لتلقي كلام الله الأزلي . . إنما نؤمن أنه كان . وهو على الله هين أن يصل مخلوقه به بطريقة من الطرق ، وهو بشر على بشريته ، وكلام الله علوي على علويته . ومن قبل كان الإنسان إنسانًا بنفخة من روح الله . .

ويذكر رحمة الله بموسى في مساعدته بإرسال أخيه هارون معه حين طلب إلى الله أن يعينه به { وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا فأرسله معي ردءًا يصدقني إني أخاف أن يكذبون } وظل الرحمة هو الذي يظلل جو السورة كله .

ثم يعود السياق إلى الفرع الآخر من ذرية إبراهيم . فيذكر إسماعيل أبا العرب: { واذكر في الكتاب إسماعيل ، إنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيا . وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة ، وكان عند ربه مرضيا } . .

وينوه من صفات إسماعيل بانه كان صادق الوعد .

وصدق الوعد صفة كل نبي وكل صالح ، فلا بد أن هذه الصفة كانت بارزة في إسماعيل بدرجة تستدعي إبرازها والتنويه بها بشكل خاص .

وهو رسول فلا بد أن كانت له دعوة في العرب الأوائل وهو جدهم الكبير . وقد كان في العرب موحدون أفراد قبيل الرسالة المحمدية ، فالأرجح أنهم بقية الموحدين من أتباع إسماعيل . ويذكر السياق من أركان العقيدة التي جاء بها الصلاة والزكاة وكان يأمر بهما أهله . . ثم يثبت له أنه كان عند ربه مرضيًا . . والرضى سمة من سمات هذه السورة البارزة في جوها وهي شبيهة بسمة الرحمة ، وبينهما قرابة!

وأخيرًا يختم السياق هذه الإشارات بذكر إدريس: { واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقًا نبيا . ورفعناه مكانًا عليا } .

ولا نملك نحن تحديد زمان إدريس . ولكن الأرجح أنه سابق على إبراهيم وليس من أنبياء بني إسرائيل فلم يرد ذكره في كتبهم . والقرآن يصفه بأنه كان صديقًا نبيًا ويسجل له أن الله رفعه مكانًا عليا . فأعلى قدره ورفع ذكره . .

والسياق يقف في هذا الاستعراض عند المعالم البارزة في صفحة النبوة في تاريخ البشرية { من ذرية آدم } . { وممن حملنا مع نوح } . { ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل } . فآدم يشمل الجميع ، ونوح يشمل من بعده ، وإبراهيم يشمل فرعي النبوة الكبيرين: ويعقوب يشمل شجرة بني إسرائيل . وإسماعيل وإليه ينتسب العرب ومنهم خاتم النبيين .

أولئك النبيون ومعهم من هدى الله واجتبى من الصالحين من ذريتهم . . صفتهم البارزة: { إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيا } .

.فهم أتقياء شديدو الحساسية بالله؛ ترتعش وجداناتهم حين تتلى عليهم آياته ، فلا تسعفهم الكلمات للتعبير عما يخالج مشاعرهم من تأثر ، فتفيض عيونهم بالدموع ويخرون سجدًا وبكيًا . .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت