فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 139

قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) [يوسف/109 ]

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ جَمِيعًا مِنَ البَشَرِ ، فَكَيْفَ عَجِبُوا مِنْكَ ، وَلَمْ يَعْجَبُوا مِمَّنْ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ؟ وَأَنَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَهُمْ رِجَالًا - لاَ نِسَاءً - مِنْ أَهْلِ المُدُنِ - لاَ القُرَى - لأَنَّ أَهْلَ البَادِيَّةِ أَجْفَى النَّاسِ طِبَاعًا وَأَخْلاَقًا ، وَلأَنَّ أَهْلَ المُدُنَ إِذَا آمَنُوا تَبِعَهُمْ أَهْلُ البَوَادِيَ فِي الإِيمَانِ ، أَفَلَمْ يَسِرْ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ لَكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، فِي الأَرْضِ لِيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ الذِينَ كَذَّبُوا الأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُمْ ، وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَبِرُسُلِهِ وَبِالمَعَادِ ، وَكَيْفَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ جَمِيعًا ، وَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ؟

وَكَمَا نَجَّيْنا المُؤْمِنِينَ بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ حِينَمَا أَهْلَكْنَا المُكَذِبِينَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ ، وَهَذِهِ هِيَ سُنَّتُنَا فِي الدُّنْيا ، كَذَلِكَ نُنَجِيهِمْ فِي الآخِرَةِ ، وَهِيَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَأَفْضَلُ .

لم يكونوا ملائكة ولا خلقًا آخر . إنما كانوا بشرًا مثلك من أهل القرى الحاضرة ، لا من أهل البادية ، ليكونوا أرق حاشية وألين جانبًا . . وأصبر على احتمال تكاليف الدعوة والهداية ، فرسالتك ماضية على سنة الله في إرسال رجال من البشر نوحي إليهم .

وقال تعالى:وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) [النحل/43-44]

لَمَّا بَعَثَ اللهُ مُحْمَّدًا رَسُولًا أَنْكَرَتِ العَرَبُ ذَلِكَ ، وَقَالُوا: اللهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ مِنَ البَشَرِ . فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس } وَهُنَا يُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ المُرْسَلِينَ ، مِنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ ، إِلاَّ مِنَ البَشَرِ ، فَاسْأَلُوا ، يَا أَيُّهَا المُنْكِرُونَ ذلِكَ ، أَهْلَ الكُتُبِ السَّابِقَةِ ( أَهْلَ الذِّكْرِ ) أَمِنَ البَشَرِ كَانَ الرُّسُلُ أَمْ مِنَ المَلاَئِكَةِ؟ فَإِنْ كَانُوا مِنَ المَلاَئِكَةِ أَنْكَرْتُمْ ، وَإِنْ كَانُوا مِنَ البَشَرِ ، فَلِمَ تُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ رَسُولًا؟

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِنَّهُ أَرْسَلَ الرُّسُلَ السَّابِقِينَ مِنَ البَشَرِ ، وَأَيَّدَهُمْ بِالحُجَجِ وَالدَّلاَئِلِ ( البَيِّنَاتِ ) ، وَبِالكُتْبِ ( الزُّبُرِ وَهِيَ جَمْيعُ زَبُورٍ أَيْ كِتَابٍ ) لِلدَّلاَلَةِ عَلَى صِدْقِهِمْ ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ القُرْآنَ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ، لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَيُفَصِّلَ لَهُمْ مَا أُجْمِلَ ، وَيُفَسِّرَ لَهُمْ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ ، لَعَلَّ النَّاسَ يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ فَيَهْتَدُوا ، وَيَفُوزُوا بِالنَّجَاةِ فِي الدَّارَينِ .

وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا . . لم نرسل ملائكة ، ولم نرسل خلقًا آخر . رجالًا مختارين { نوحي إليهم } كما أوحينا إليك ، ونكل إليهم التبليغ كما وكلنا إليك . { فاسألوا أهل الذكر } أهل الكتاب الذين جاءتهم الرسل من قبل ، أكانوا رجالا أم كانوا ملائكة أم خلقا آخر . اسألوهم { إن كنتم لا تعلمون } . أرسلناهم بالبينات وبالكتب ( والزبر الكتب المتفرقة ) { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } سواء منهم السابقون أهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم ، فجاء القرآن ليفصل في هذا الخلاف ، وليبين لهم وجه الحق فيه . أو المعاصرون الذين جاءهم القرآن والرسول - صلى الله عليه وسلم - يبينه لهم ويشرحه بفعله وقوله { ولعلهم يتفكرون } في آيات الله وآيات القرآن فإنه يدعو دائمًا إلى التفكر والتدبر ، وإلى يقظة الفكر والشعور .

ويختم هذا الدرس الذي بدأه بالإشارة إلى الذين يستكبرون ويمكرون . . ينتهي بلمسة وجدانية بعد لمسة: أولاهما للتخويف من مكر الله الذي لا يأمنه أحد في ساعة من ليل أو نهار . والثانية لمشاركة هذا الوجود في عبادة الله وتسبيحه . فليس إلا الإنسان هو الذي يستكبر ويمكر . وكل ما حوله يحمد ويسبح .

وقال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) [الأنبياء/7-9]

وَيَرُدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ أَنْكَرَ بِعْثَةَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ قَائِلًا: إِنَّ جَمِيعَ الذِينَ أُرْسلُوا قَبَلَكَ يَا مُحَمَّدٌ كَانُوا مِنَ البَشَرِ ، ولَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ من المَلائِكَةِ ، فَاسْأَلُوا أَهْلَ العِلْمِ ( الذِّكْر ) مِنَ الأُمَمِ المُتَقدِّمَةِ ( اليهُودِ والنَّصَارَى ) هَلْ كَانَ الرَّسُلُ الذِينَ جَاؤُوهُمْ مِنَ البَشَرِ أَمْ مِنَ المَلائكةِ؟

وَقَدْ وَعَدَ اللهُ رُسَُلَهُ ، فِيمَا أَوْحَاهُ إلَيْهِم ، أَنَّهُ سَيُهْلِكَ الظَّالمِيِنَ المُكَذِّبِينَ ( المُسْرِفِينَ ) ، وأَنَّهُ سَيُنْجِي رُسُلَهُ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُمْ ، فَصَدَقَهُمُ اللهُ وَعْدَهُ ، وأَنْجَاهُمْ والذِينَ آمَنُوا مَعَهُم ، وأَهْلَكَ المُسْرِفِينَ المُتَجَاوِزِينَ الحَدَّ فِي تَكْذِيبِهِمْ ، وَدَمَّرَ عَلَيْهِم .

فقد اقتضت حكمة الله أن يكون الرسل من البشر ، يتلقون الوحي فيدعون به الناس . وما كان الرسل من قبل إلا رجالًا ذوي أجساد . وما جعل الله لهم أجسادًا ثم جعلهم لا يأكلون الطعام . فأكل الطعام من مقتضيات الجسدية ، والجسدية من مقتضيات البشرية . وهم بحكم انهم بشر مخلوقون لم يكونوا خالدين . . هذه هي سنة الله المطردة فليسألوا أهل الكتاب الذين عرفوا الأنبياء من قبل . إن كانوا هم لا يعلمون .لقد كان الرسل من البشر ليعيشوا حياة البشر؛ فتكون حياتهم الواقعية مصداق شريعتهم . وسلوكهم العملي نموذجًا حيًا لما يدعون إليه الناس . فالكلمة الحية هي التي تؤثر وتهدي ، لأن الناس يرونها ممثلة في شخص مترجمة إلى حياة .ولو كان الرسل من غير البشر لا يأكلون الطعام ، ولا يمشون في الأسواق ، ولا يعاشرون النساء . ولا تعتلج في صدورهم عواطف البشر وانفعالاتهم لما كانت هناك وشيجة بينهم وبين الناس . فلا هم يحسون دوافع البشر التي تحركهم ، ولا البشر يتأسون بهم ويقتدون .وأيما داعية لا يحس مشاعر الذين يدعوهم ولا يحسون مشاعره ، فإنه يقف على هامش حياتهم ، لا يتجاوب معهم ولا يتجاوبون معه . ومهما سمعوا من قوله فلن يحركهم للعمل بما يقول . لما بينه وبينهم من قطعية في الحس والشعور .وأيما داعية لا يصدق فعله قوله . فإن كلماته تقف على أبواب الآذان لا تتعداها إلى القلوب . مهما تكن كلماته بارعة وعباراته بليغة . فالكلمة البسيطة التي يصاحبها الانفعال ، ويؤيدها العمل . هي الكلمة المثمرة التي تحرك الآخرين إلى العمل .والذين كانوا يقترحون أن يكون الرسول من الملائكة ، كالذين يقترحون اليوم أن يكون الرسول منزهًا عن انفعالات البشر . . كلهم يتعنتون ويغفلون عن هذه الحقيقة . وهي أن الملائكة لا يحيون حياة البشر بحكم تكوينهم ولا يمكن أن يحيوها . . لا يمكن أن يحسوا بدوافع الجسد ومقتضياته ، ولا بمشاعر هذا المخلوق الآدمي ذي التكوين الخاص . وأن الرسول يجب أن يحس بهذه الدوافع والمشاعر ، وأن يزاولها في حياته الواقعية ليرسم بحياته دستور الحياة العملي لمتبعيه من الناس .

وهنالك اعتبار آخر ، وهو أن شعور الناس بأن الرسول ملك لا يثير في نفوسهم الرغبة في تقليده في جزئيات حياته؛ لأنه من جنس غير جنسهم ، وطبيعة غير طبيعتهم ، فلا مطمع لهم في تقليد منهجه في حياته اليومية .وحياة الرسل أسوة دافعة لغيرهم من الناس .

وهذا وذلك فوق ما في ذلك الاقتراح من غفلة عن تكريم الله للجنس البشري كله ، باختيار الرسل منه ، ليتصلوا بالملأ الأعلى ويتلقوا عنه .

لذلك كله اقتضت سنة الله الجارية اختيار الرسل من البشر؛ وأجرت عليهم كل ما يجري على البشر من ولادة وموت . ومن عواطف وانفعالات . ومن آلام وآمال . ومن أكل للطعام ومعاشرة للنساء . . وجعلت أكبر الرسل وأكملهم وخاتمهم وصاحب الرسالة الباقية فيهم . . أكمل نموذج لحياة الإنسان على الأرض ، بكل ما فيها من دوافع وتجارب وعمل وحياة .

تلك سنة الله في اختيار الرسل . ومثلها سنته في إنجائهم ومن معهم ، وإهلاك المسرفين الظالمين المكذبين: { ثم صدقناهم الوعد ، فأنجيناهم ومن نشاء ، وأهلكنا المسرفين } . .

فهي كذلك سنة جارية كسنة اختيارهم . وقد وعدهم الله النجاة هم والمؤمنون معهم إيمانًا حقيقيًا يصدقه العمل؛ فصدقهم وعده ، وأهلك ، الذين كانوا يسرفون عليهم ، ويتجاوزون الحد معهم .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت