فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 139

قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) [الجمعة/2-3]

وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولًا فِي العَرَبِ الأُميِّينَ هُوَ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُوَ أُميٌّ مِنْهُمْ . لاَ يَقْرَأُ وَلاَ يَكْتُبُ ، وَقَدْ بَعَثَهُ اللهُ إِليْهِمْ لِيَتْلُوَ عَلَيْهِمْ آيَاتِ القُرآنِ التِي أَنْزَلَهَا اللهُ تَعَالَى ، لِيُطهرَهُمْ مِنْ خَبَائِث العَقَائِِدِ وَلِيعَلِّمَهُم الشَّرَائِعَ والأَحْكَامَ ، وَحِكْمَتَهَا وَأَسْرَارَهَا ، وَقَدْ كَانَ هَؤُلاَءِ الأُمِّيونَ ، قَبْلَ إِرْسَالِ النَّبِيِّ إِليهِمْ ، فِي ضَلاَلٍ بَيِّنٍ عَنْ جَادَّةِ الهُدَى ، إِذْ إِنَّ العَرَبَ كَانُوا قَبْلًا عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ، ثُمَّ ابْتَعَدُوا عَنِ التَّوْحِيدِ ، وَتَسَرَّبَتِ الضَّلاَلاَتُ إِلَى عَقِيدَتِهِمْ ، فأَصْبَحُوا مُشْرِكِينَ .

وَبَعَثَ اللهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا إِلَى أُمَمٍ أُخْرَى غَيْرِ العَرَبِ لَمْ يَجِيئُوا بَعْدُ ، وَسَيَجِيئُونَ ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ العَزِيزُ ذُو السُّلْطَانِ ، القَادِرُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ مِنْ أُمَّةِ العَرَبِ التِي كَانَتْ مُسْتَضْعَفَةً أُمَّةً قَوِيَّةً قَادِرَةً عَلَى نَشْرِ دِينِ اللهِ فِي أَرْجَاءِ الأَرْضِ ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ .

والمنة ظاهرة في اختيار الله للأميين ليجعلهم أهل الكتاب المبين؛ وليرسل فيهم رسولًا منهم ، يرتفعون باختياره منهم إلى مقام كريم؛ ويخرجهم من أميتهم أو من أمميتهم بتلاوة آيات الله عليهم ، وتغيير ما بهم ، وتمييزهم على العالمين . .

{ ويزكيهم } . . وإنها لتزكية وإنه لتطهير ذلك الذي كان يأخذهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - تطهير للضمير والشعور ، تطهير للعمل والسلوك ، وتطهير للحياة الزوجية ، وتطهير للحياة الاجتماعية .

تطهير ترتفع به النفوس من عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد؛ ومن التصورات الباطلة إلى الاعتقاد الصحيح ، ومن الأساطير الغامضة إلى اليقين الواضح . وترتفع به من رجس الفوضى الأخلاقية إلى نظافة الخلق الإيماني . ومن دنس الربا والسحت إلى طهارة الكسب الحلال . . إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة ولحياة السريرة وحياة الواقع . تزكية ترتفع بالإنسان وتصوراته عن الحياة كلها وعن نفسه ونشأته إلى آفاق النور التي يتصل فيها بربه ، ويتعامل مع الملأ الأعلى؛ ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الملأ العلوي الكريم .

{ ويعلمهم الكتاب والحكمة } . . يعلمهم الكتاب فيصبحون أهل الكتاب . ويعلمهم الحكمة فيدركون حقائق الأمور ، ويحسنون التقدير ، وتلهم أرواحهم صواب الحكم وصواب العمل وهو خير كثير .

{ وأن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } . . ضلال الجاهلية التي وصفها جعفر بن أبي طالب لنجاشي الحبشة حين بعثت قريش إليه عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ليكرّهاه في المهاجرين من المسلمين ، ويشوها موقفهم عنده ، فيخرجهم من ضيافته وجيرته . . فقال جعفر:

« أيها الملك . كنا قومًا أهل جاهلية . نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف . . فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه . فدعانا إلى الله لنوحده ولنعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان؛ وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء . ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام » . .

ومع كل ما كانوا عليه في الجاهلية من ضلال فقد علم الله أنهم هم حملة هذه العقيدة الأمناء عليها ، بما علم في نفوسهم من استعداد للخير والصلاح؛ ومن رصيد مذخور للدعوة الجديدة؛ وقد فرغت منه نفوس اليهود التي أفسدها الذل الطويل في مصر ، فامتلأت بالعقد والالتواءات والانحرافات ، ومن ثم لم تستقم أبدًا بعد ذلك ، لا في حياة موسى عليه السلام ، ولا من بعده . حتى كتب الله عليهم لعنته وغضبه ، وانتزع من أيديهم أمانة القيام على دينه في الأرض إلى يوم القيامة .

وعلم الله أن الجزيرة في ذلك الأوان هي خير مهد للدعوة التي جاءت لتحرير العالم كله من ضلال الجاهلية ، ومن انحلال الحضارة في الإمبراطوريات الكبيرة ، التي كان سوس الانحلال قد نخر فيها حتى اللباب! هذه الحالة التي يصفها كاتب أوربي حديث فيقول:« ففي القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدين على شفا جرف هار من الفوضى . لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت ، ولم يك ثم ما يعتد به مما يقوم مقامها .وكان يبدو إذ ذاك أن المدنية الكبرى التي تكلف بناؤها أربعة آلاف سنة ، مشرفة على التفكك والانحلال؛ وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية ، إذ القبائل تتحارب وتتناحر ، لا قانون ولا نظام . أما النظم التي خلقتها المسيحية فكانت تعمل على الفرقة والانهيار بدلًا من الاتحاد والنظام . وكانت المدنية ، كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله ، واقفة تترنح وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب . . وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحد العالم جميعه « . .

وهذه الصورة مأخوذة من زاوية النظر لكاتب أوربي . وهي من زاوية النظر الإسلامية أشد عتامًا وظلامًا!

وقد اختار الله سبحانه تلك الأمة البدوية في شبه الجزيرة الصحراوية لتحمل هذا الدين ، بما علم في نفوسها وفي ظروفها من قابلية للاستصلاح وذخيرة مرصودة للبذل والعطاء . فأرسل فيهم الرسول يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين .

{ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ، وهو العزيز الحكيم } . .وهؤلاء الآخرون وردت فيهم روايات متعددة . .قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن ثور ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: » كنا جلوسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزلت عليه سورة الجمعة { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثًا ، وفينا سلمان الفارسي ، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على سلمان الفارسي ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء « فهذا يشير إلى أن هذا النص يشمل أهل فارس . ولهذا قال مجاهد في هذه الآية: هم الأعاجم وكل من صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير العرب .وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي ، حدثنا الوليد بن مسلم . حدثنا أبو محمد عيسى بن موسى عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي . قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: » إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب « ثم قرأ: { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } . . يعني بقية من بقي من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - .وكلا القولين يدخل في مدلول الآية . فهي تدل على آخرين غير العرب . وعلى آخرين غير الجيل الذي نزل فيه القرآن . وتشير إلى أن هذه الأمة موصولة الحلقات ممتدة في شعاب الأرض وفي شعاب الزمان ، تحمل هذه الأمانة الكبرى ، وتقوم على دين الله الأخير . { وهو العزيز الحكيم } . . القوي القادر على الاختيار . الحكيم العليم بمواضع الاختيار . .واختياره للمتقدمين والمتأخرين فضل وتكريم: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم } . .

وإن اختيار الله لأمة أو جماعة أو فرد ليحمل هذه الأمانة الكبرى ، وليكون مستودع نور الله وموضع تلقي فيضه ، والمركز الذي تتصل فيه السماء بالأرض . . إن اختيار الله هذا لفضلٌ لا يعدله فضل . فضل عظيم يربى على كل ما يبذله المؤمن من نفسه وماله وحياته؛ ويربى على متاعب الطريق وآلام الكفاح وشدائد الجهاد .والله يذكر الجماعة المسلمة في المدينة ، والذين يأتون بعدها الموصولين بها والذين لم يحلقوا بها . يذكرهم هذا الفضل في اختيارهم لهذه الأمانة ، ولبعث الرسول فيهم يتلو عليهم الكتاب ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . ويترك للآتين في أطواء الزمان ذلك الرصيد الضخم من الزاد الإلهي ، ومن الأمثلة الواقعية في حياة الجماعة الأولى . يذكرهم هذا الفضل العظيم الذي تصغر إلى جانبه جميع القيم ، وجميع النعم؛ كما تصغر إلى جانبه جميع التضحيات والآلام . .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت