وَلَكِنَّ عْلَمَاءَ المُسْلِمِينَ الثِّقاتَ ( مِثْلَ القَاضِي عِيَاضٍ والفَخْر الرِّازيَّ والقْسْطَلاَّني وابن إٍِسْحَاقٍ والأمام محمد عبده . . الخ يَقُولُونَ إِنَّه لاَ يَجُوزُ عَلَى النَّبيِّ تَعْظِيمُ الأوْثَانِ . وَلَوْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لارْتفَعَ الأَمَانُ عَن شَرْعهِ ، وَجَوَّزْنَا في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأحْكَامِ والشَّرَائع أَنْ يَكُونَ كَذَلِك أي مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ . وَيَقُولُونَ إِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِنْ وَضْع الزَّنَادِقَِ .
وأفْرَدَ عَالِمُ حَلَب الجَليلُ الشَّيْخُ عَبْدُ الله سِرَاجُ الدِّين فَصْلًا مُطَوَّلًا في كِتَابِه ( هَدْي القُرْآن الكريم إلى الحجة والبرهان ) لِنَفِي هَذِهِ القِصَّةِ ، وَتَأْكِيدِ عَدَم جَوَاز وُقُوعِها
وَيَتَلَخَّصُ رَأْيُ القَائِلين بِنَفْي القِصَّة في الآتي:
1 )- يَمْتَنِعُ في حَقِّ النَّبيَّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) أَنْ يَتَمِنَّى أَنْ يَنْزلَ عَلَيْهِ شَيءٌ مِنَ القُرْآنٍِ في مَدْح آلِهةٍ غَيْر الله لأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ . كَمَا يَمْتَنعُ في حَقِّه أَنْ يتَسَوَّدَ الشَّيْطَانُ عَلَيْه ، وَيُشَبِّهَ عَلَيْهِ القُرْآنَ حَتَّى يَجْعَلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، وَيَعْتَقِد النَّبيّ أنّ مِنَ القُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ حَتَّى يُفْهمَهُ جِبْرِيلُ ذَلِكَ .
2 )- يَمْتَنِعُ بِحَقِّ النَّبيِّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) أَنْ يَقُول ذَلِكَ مِنْ قِبَل نَفْسِهِ عَمْدًا أَو سَهْوًا ، فَالنَّبيَّ مَعْصًوُمٌ مِنْ جَرَيَانِ الكُفْر عَلَى لِسَانِهِ أوْ قَلْبهِ عَمْدًا أََو سَهْوًا ، أوْ أَنْ يًَشْتَبِهَ عَلَيْهِ المَلَكُ وَمَا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ ، أَوْ أَنْ يَكُونَ للشَّيْطَانِ عَلَيْه سَبيلٌ .
3 )- وَيَقُولُ العَالِمُ الهنْدِيّ مُحَمَّد عَلي إن قِراءةَ الآيَاتِ مُتَسَلْسِلَةً تُظْهِرَ أنْ لَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ أَنْ تُحْشَرَ بَيْنَها آيَاتٌ مُناقِضَةٌ لَها في أَصْلِ العَقِيدَةِ الاسْلاَميَّةِ . وَصُلْب دَعْوَة مُحَمَّد ، دَعْوَة التَّوْحِيدِ .
4 )- وَيَرى الامَامُ الشَّيْخُ مُحَمَّد عَبْدُه أنَّهُ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِمَا يَلي:
لَمْ يُرْسِل الله رَسُولًا نَبيًّا إلى قَوْمٍ إلاَّ وتَمنَّى أَنْ يَتَّبعهُ قَوْمُهُ وأنْ يَسْتَجيبُوا لِمَا يَدْعُوهُم إلَيْهِ . وَلَكِنَّ مَا تَمَنَّى نَبَيّ وَلاَ رَسُولٌ هَذِهِ الأمْنِيَة السَّامِيَة إلاّ ألْقَى الشَّيْطَانُ في سَبيلِهِ العَوائِق وأثار الشكوك وَوَسْوسَ في صُدُور النَّاس ، لَسْلِبَهُم القُدْرَةَ عَلَى الانْتِفَاع بما وُهِبُوهُ مِنْ قُوَّةِ العَقْل ، وسَلاَمَة الفِكرِ ، فَثَاروا في وَجْهِ النَّبيِّ وصَدّوهُ عَنْ غَايَتِهِ . فإذَا ظَهَروُوا في بادِئ الأمر ظَنّوا أنَّهُمْ عَلَى الحَقْ ، وَلَكِنَّ كَلِمَةَ الله سَتَكُون دَائمًا هِي العُلْيا ، وَكَلِمِةُ الشَيْطَانُ وأعوانِهِ هِيَ السُفْلى دائمًا .
فَأَمَّا الذينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَشَكٌّ وِنَفَاقٌ ، أَوْ انْحِرافٌ ( مِنْ المُنافِقِينَ ) ، والقاسِيةُ قُلُوبُهُمْ مِنَ اليَهُود والكُفَّارِ والمعانِدِينَ فَيَجِدُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ مَادَّةً للجَدَلِ واللَّجَاجِ والشِّقَاقِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ .
وَأَمَّا الذينَ أُوتُوا العِلْمَ والمَعْرِفَةَ فَتَطَمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ إِلَى بَيَانِ اللهِ ، وَحُكْمِهِ الفَاصِلِِ ، لأَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بالعِلْمِ الذي أُوتُوهُ بَيْنَ الحَقِّ والبَّاطِلِ ، فَيُؤمِنُونَ بالحَقِّ وَيُصَدّقُونَه ، وَيَنْقَادُونَ إِلَيْهِ ، وَتَخْضَعُ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَتَذِلُّ فَتُخْبِتُ ، واللهُ يَهدي الذين آمنوا في الدُّنيا والآخِرَةِ إِلى الطَّريقِ القَوِيمِ .أمَّا فِي الدُّنْيا فَيُرْشِدُهُمُ إِلَى الحَقِّ وإِلَى اتِّبَاعِهِ ، وَيُوفِّقُهم إِلى مُخَالَفَةِ البَّاطِلِ وإِلَى اجْتِنَابِهِ ، وفِي الآخِرَةِ يَهْدِيهِم إِلَى الطَّرِيقِ المُوْصِلِ إِلَى الجَنَّةٍ ، ويُجَنِّبُهم نَارَ جَهَنَّمَ . [1]
ـــــــــــ
حرص الرسل الشديد على هداية قومهم
قال تعالى: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) [الشعراء/123-135]
يُخْبِرُ اللهُ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ رَسُولَهُ هُودًا إلى قَوْمِ عَادٍ - وكَانُوا يَسْكُنُونَ الأحْقَافَ وهِيَ تِلاَلٌ رَمْلِيَّةٌ قُرْبَ حَضْرَمَوْتَ - وكَانُوا بعدَ قومِ نُوحٍ - فَدَعَاهُمْ هُودٌ إلى عِبادَةِ اللهِ تَعَالى وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ ، والإِقَلاعِ عَنْ عبادةِ الأَصْنَامِ والأَوْثَانِ فكذَّبُوهُ
-فَقَالَ لَهُمْ هُودٌ عليهِ السَّلامُ: أَلاَ تَخَافُونَ أَنْ تَعْبُدُوا مَعَ اللهِ آلهةً أُخْرى هيَ أَصنامٌ لا تَضرُّ ولا تَتْفَعُ؟
إنِّي مُرْسَلٌ إِليكُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالى ، وَإِني صَادِقٌ فِيما أُبَلِّغُكُمْ إِيَّاهُ مِنْ رَبِّكُمْ .
فَأَطْيعُونِي ، واتَّبِعُوا قَوْلِي ، واسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِي واتَّقُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ، واعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ .وَأَنَا لا أسْأَلُكُمْ جَزَاءً وأجْرًا عَلَى مَا أقُومُ بِهِ منْ دَعْوَتِي إيَّاكُمْ ، وَإِنَّمَا أنْتَظِرُ الأجْرَ والثَّوَابَ عَلَى ذَلكَ مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمينَ الذِي بَعَثَنِي إليْكُمْ .
كانَ قومُ عادٍ جَِبَّارينَ في غَايةِ القُوةِ وشِدَّةِ البَطْشِ ، وَكَانَتْ لَهُمْ وَفْرَةٌ في الأموالِ والزُّرُوعِ والمِيَاهِ والأَبْنَاءِ ، وَمَعَ ذلكَ كانُوا يَعْبُدُونَ غيرَ اللهِ مَعَهُ ، فَبَعَثَ اللهُ إِليهمْ هُودًا ، وهُو رَجُلٌ منهُم ، رَسُولًا ونَذِيرًا فَدَعَاهُمْ إلى اللهِ ، وَحَذَّرهُمْ نِقَمَهُ وَعَذَابَهُ ، فَقَالَ لَهُمْ: أَتَبْنُونَ في كُلِّ مُرْتَفَعِ منَ الأَرضِ ( رِيْعٍ ) بِنَاءٍ ضَخْمًا مُحْكَمًا للعَبَثِ والتَّفَاخُرِ والدَّلاَلَةِ على الغِنَى والقُوَّوةِ؟ لِذلِكَ أنْكَرَ علَيْهِمْ نَبيُّهُم الاشْتِغَالَ فيما لا يُجْدِي في الدُّنيا والآخِرَةِ .
وَتَبْنُونَ قصُورًا مُشَيَّدَةً وَحِيَاضًَا ضَخْمَةً لِجَمْعِ المِيَاهِ ، وتظُنُّونَ أنَّكُمْ خَالِدُونَ في هِذه الحَياةِ الدُّنْيا ، وَهذَا لَيْسَ بِحَاصِلٍ لَكُمْ ، بَلْ هُوَ زَائِلٌ عنْكُمْ كَمَا زَالَ عَمَّنْ قَبْلَكُمْ
ويَصِفُهُمْ نَبِيُّهُم بِالقَسْوَةِ ، والغِلْظَةِ ، وَالجَبَرُوتِ ، فَيَقُولُ لهمْ: إنَّهُمْ حِينَما ينْتَقِمُونَ وَيضْرِبُون ، فإنَّهُم يفْعلونَ ذَلِكَ بقَسْوَةٍ بَالِغَةٍ ، كَما يَفْعَلُ الجبَّارُونَ الأقْوِياءُ الذينَ لا يَخَافُونَ اللهَ تَعالى . فأَطِيعُوني فِيمَا دعوتُكُم إليهِ ، وتَجَنَّبُوا ما حَذَّرْتُكُمْ منْهُ ، واتَّقُوا الله ، وَخَافُوا نِقَمَهُ في الدُّنْيا والآخرةِ .
واتَّقُوا الله الذي آتاكمُ الأمْوالَ ، والبَنينَ والقُوَّة .الذِي أمدَّكُمْ بأنْعَامٍ تَنْتَفِعُونَ بأوْبَارِهَا وأصْوافِها ولُحُومِها وألْبَانِها ، وأمَدَّكُمْ بِبَنِينَ يَزيْدُونَ في قُوَّتِكُمْ .وأمَدَّكُم بِبساتِينَ ومَزَارِعَ وعيونِ ماءٍ تَجْري في أرْضِكُمْ .
فإنْ كذَّبْتُمْ وتَوَلَّيْتُم ورَفَضْتُم اتِّبَاعِي فِيمَا دَعَوْتُكُمْ إِليهِ مِنْ عِبادةِ اللهِ تَعَالى ، فإِنِّي أخافُ أن تَحِلَّ بِكُمْ نِقَمُ اللهِ وعذابُهُ في يومِ القيامةِ ، وهُوَ يَومٌ شديدُ الهَوْلِ .
فهي الكلمة الواحدة يقولها كل رسول: دعوة إلى تقوى الله وطاعة رسوله . وإعلان للزهد فيما لدى القوم من عرض الحياة ، وترفع قيم الأرض الزائلة ، وتطلع إلى ما عند الله من أجر كريم .
ثم يزيد ما هو خاص بحال القوم وتصرفاتهم ، فينكر عليهم الترف في البنيان لمجرد التباهي بالمقدرة ، والإعلان عن الثراء ، والتكاثر والاستطالة في البناء؛ كما ينكر غرورهم بما يقدرون عليه من أمر هذه الدنيا ، وما يسخرونه فيها من القوى ، وغفلتهم عن تقوى الله ورقابته: { أتبنون بكل ريع آلهة تعبثون ، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون؟ } . .
والريع المرتفع من الأرض . والظاهر أنهم كانوا يبنون فوق المرتفعات بنيانًا يبدو للناظر من بعد كأنه علامة . وأن القصد من ذلك كان هو التفاخر والتطاول بالمقدرة والمهارة . ومن ثم سماه عبثًا . ولو كان لهداية المارة ، ومعرفة الاتجاه ما قال لهم: { تعبثون } . . فهو توجيه إلى أن ينفق الجهد ، وتنفق البراعة ، وينفق المال فيما هو ضروري ونافع ، لا في الترف والزينة ومجرد إظهار البراعة والمهارة .
ويبدو كذلك من قوله: { وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون } أن عادًا كانت قد بلغت من الحضارة الصناعية مبلغًا يذكر؛ حتى لتتخذ المصانع لنحت الجبال وبناء القصور ، وتشييد العلامات على المرتفعات؛ وحتى ليجول في خاطر القوم أن هذه المصانع وما ينشؤونه بوساطتها من البيان كافية لحمايتهم من الموت ، ووقايتهم من مؤثرات الجو ومن غارات الأعداء .
ويمضي هود في استنكار ما عليه قومه: { وإذا بطشتم بطشتم جبارين } . .
فهم عتاة غلاظ ، يتجبرون حين يبطشون؛ ولا يتحرجون من القسوة في البطش . شأن المتجبرين المعتزين بالقوة المادية التي يملكون .
وهنا يردهم إلى تقوى الله وطاعة رسوله ، لينهنه من هذه الغلظة الباطشة المتجبرة: { فاتقوا الله وأطيعون } . .
ويذكرهم نعمة الله عليهم بما يستمتعون به ويتطاولون ويتجبرون ، وكان الأجدر بهم أن يتذركوا فيشكروا ، ويخشوا أن يسلبهم ما أعطاهم ، وأن يعاقبهم على ما أسرفوا في العبث والبطش والبطر الذميم!
ثم يزيد ما هو من شأن ثمود خاصة ، وما تقتضيه طبيعة الموقف وطبيعة الظروف . إذ يذكرهم أخوهم صالح بما هم فيه من نعمة ( وقد كانوا يسكنون بالحجر بين الشام والحجاز ، وقد مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدورهم المدمرة مع صحابته في غزوة تبوك ) ويخوفهم سلب هذه النعمة ، كما يخوفهم ما بعد المتاع من حساب على ما كان من تصرفهم فيه: { أتتركون فيما ها هنا آمنين . في جنات وعيون . وزورع ونخل طلعها هضيم . وتنحتون من الجبال بيوتًا فارهين؟ } .
وإنهم ليعيشون بين هذا المتاع الذي يصوره لهم أخوهم صالح . ولكنهم يعيشون في غفلة عنه لا يفكرون فيمن وهبهم إياه؛ ولا يتدبرون منشأه ومأتاه ، ولا يشكرون المنعم الذي أعطاهم هذا النعيم . فيأخذ رسولهم في تصوير هذا المتاع لهم ليتدبروه ويعرفوا قيمته ، ويخافوا زواله .
وفيما قاله لهم لمسات توقظ القلوب الغافية ، وتنبه فيها الحرص والخوف: { أتتركون فيما ها هنا آمنين؟ } أتظنون أنكم متروكون لهذا الذي أنتم فيه من دعة ورخاء ومتعة ونعمة . . وسائر ما يتضمنه هذا الإجمال من تفخيم وتضخيم . . أتتركون في هذا كله آمنين لا يروعكم فوت ، ولا يزعجكم سلب ، ولا يفزعكم تغيير؟
أتتركون في هذا كله من جنات وعيون ، وزروع متنوعات ، ونخل جيدة الطلع ، سهلة الهضم حتى كأن جناها مهضوم لا يحتاج إلى جهد في البطون! وتتركون في البيوت تنحتونها في الصخور بمهارة وبراعة ، وفي أناقة وفراهة؟
{ فاتقوا الله وأطيعون . ولا تطيعوا أمر المسرفين . الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون } . .
ولكن هذه اللمسات وهذه النداءات لا تصل إلى تلك القلوب الجاسية الجافية ، فلا تصغي لها ولا تلين: { قالوا: إنما أنت من المسحرين . ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين } . .
إنما أنت ممن سحرت عقولهم فهو يهرفون بما لا يعرفون! كأنما الدعوة إلى الله لا يدعوها إلا مجنون!
{ ما أنت إلا بشر مثلنا } . . وتلك هي الشبهة التي ظلت تخايل للبشرية كلما جاءها رسول . فقد كان تصور البشرية القاصر للرسول عجيبًا دائمًا؛ وما كانت تدرك حكمة الله في أن يكون الرسول بشرًا ، وما كانت تدرك كذلك تكريم هذا الجنس البشري باختيار الرسل منه ليكونوا رواد البشرية المتصلين بمصدر الهدى والنور
وقال تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) [الشعراء/141-152]
يُخبرُ اللهُ تَعالى أَنَّهُ أرْسَلَ عَبْدَهُ صَالِحًا رَسُولًا إلى قَوْمِهِ ثُمودَ ، وَكَانُوا عَرَبًا يَسْكُنُونَ الحِجْرَ ، بينَ وَادِي القُرى وبِلادِ الشَّامِ ، ومَسَاكِنُهُمْ مَعْرُوفةٌ باسْمِ مَدَائِنِ صَالِحٍ ، وَكَانُوا بَعْدَ عادٍ ، وَقَبْلَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ ، فدَعَاهُمْ نَبيُّهُمْ صَالِحٌ إلى عِبادةِ اللهِ تعالَى وَحْدَه لا شَريكَ لَهُ فَكَذَّبُوهُ ، وبِذَلكَ يَكُونُون قَدْ كَذَّبُوا جَميعَ الرُّسُلِ لاتِّحَادِ رِسَالاتِ الرُّسُلِ في أصُولِها وغَايَاتِها .
وَقَالَ لَهُمْ نبيُّهُمْ صَالِحٌ: أَلا تَخَافُونَ أَنْ تُشْرِكُوا معَ اللهِ آلهةً أُخْرى في العِبَادَةِ؟ ( وَصَالحٌ مِنْ ثمودَ لِذَلكَ قَالَ تَعَالى عَنهُ إِنهُ أخُوهمْ ) .
فَأنَا مُرسلٌ إِليكمْ مِنَ اللهِ تَعَالى ، وَإِنِّي أمينٌ في نُصْحي لكُمْ ، وفِي إِبْلاغِكُمْ رِسَالَة رَبِّي .
فأَطِيعُوني فِيما دَعَوْتُكُمْ إليهِ من عِبَادَةِ اللهِ تَعَالى وَحدَهُ لا شَرِيكَ لهُ ، وفِي الإِقْلاَعِ عَنْ عِبَادَةِ الأصْنَامِ والأنْدَادِ .
وإنِّي لا أبْتَغِي مِنْكُمْ أَجْرًا عَلَى مَا أقومُ بهِ من إبْلاَغِكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي ، وإنَّمَا أطْلُبُ الأجْرَ والثَّوَابَ عليهِ منَ اللهِ وَحْدَهُ .
وذَكَّرَهُمْ بِمَا أنْعَمَ اللهُ بِهِ عليهِمْ من الأرْزَاقِ والجَنَّاتِ ، والزُّرُوعِ والثمارِ ، ثُمَّ قالَ لهمْ: هلْ تَظُنُّونَ أنْ تُتْرَكُوا طَوِيلًا في هَذا النّعيمِ والرَّفَاهِ والأمْنِ ، وأنتُمْ كافِرُون ، جَاحِدُون نِعَمَ اللهِ ، مُخَالِفُونهَ أوامِرَهُ؟
في هذهِ الجَنَّاتِ والعُيُونِ والخَيْراتِ الحِسَانِ .وفي هذِهِ الزُّرُوعِ وَالنَّخِيلِ ، وَقَدْ أيْنَعَ ثمرُهَا ، وبَلَغَ ، فأصْبَحَ نَاضِجًا هَضِيمًا . وتَنْحِتُون بُيُوتًا في الجِبَالِ أَشَرًا وبَطَرًا وعَبَثًا ( فَارِهِينَ ) ، منْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلى سُكْنَاهَا . فأطِيعُوني فيمَا دَعَوْتُكُم إليهِ منْ عِبَادَةِ اللهِ وحدَهُ ، والإٍِقْلاَعِ عنِ الكُفْرِ والضَّلاَلِ والطُّغيَانِ وعِبَادَةِ الأَوْثَانِ ، وَأقْبِلُوا عَلَى مَا يَعُودُ عليكُمْ نَفْعُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ ، وتسبيحهِ بُكْرَةً وأَصِيْلًا . ( كَانَ قومُ ثمودَ مَهَرةً حَاذِقينَ في نَحْتِ البيُوتِ في الجِبَال ونَقْشِها ) .
وَلاَ تُطِيعُوا أمْرَ الرُّؤسَاءِ والكُبَراءِ ، الدُّعَاةِ إلى الشِّرْكِ والكُفْرِ ومُخَالَفَةِ الحَقِّ ( المُسْرِفِينَ ) .
وَهَؤُلاءِ الكُبراءُ يُفْسِدُونَ في الأَرْضِ ، وَيَدْعُونَ إِلى الضَّلالِ وَيَصْرِفُون النَّاسَ عَنِ الحقِّ ، وَلا يَدْعُونَ إلى الهُدى وَالإِصْلاحِ .
إنها ذات الدعوة بألفاظها يدعوها كل رسول . ويوحد القرآن عن قصد حكاية العبارة التي يلقيها كل رسول على قومه للدلالة على وحدة الرسالة جوهرا ومنهجا , في أصلها الواحد الذي تقوم عليه , وهو الإيمان بالله وتقواه , وطاعة الرسول الآتي من عند الله .
ثم يزيد ما هو من شأن ثمود خاصة , وما تقتضيه طبيعة الموقف وطبيعة الظروف . إذ يذكرهم أخوهم صالح بما هم فيه من نعمة - [ وقد كانوا يسكنون بالحجر بين الشام والحجاز , وقد مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدورهم المدمرة مع صحابته في غزوة تبوك ] - ويخوفهم سلب هذه النعمة , كما يخوفهم ما بعد المتاع من حساب على ما كان من تصرفهم فيه:أتتركون فيما ها هنا آمنين . في جنات وعيون . وزروع ونخل طلعها هضيم . وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ? .
وإنهم ليعيشون بين هذا المتاع الذي يصوره لهم أخوهم صالح . ولكنهم يعيشون في غفلة عنه لا يفكرون فيمن وهبهم إياه ; ولا يتدبرون منشأه ومأتاه , ولا يشكرون المنعم الذي أعطاهم هذ النعيم . فيأخذ رسولهم في تصوير هذا المتاع لهم ليتدبروه ويعرفوا قيمته , ويخافوا زواله .
وفيما قاله لهم لمسات توقظ القلوب الغافية , وتنبه فيها الحرص والخوف: (أتتركون في ما هاهنا آمنين ?) أتظنون أنكم متروكون لهذا الذي أنتم فيه من دعة ورخاء ومتعة ونعمة . . وسائر ما يتضمنه هذا الإجمال من تفخيم وتضخيم . . أتتركون في هذا كله آمنين لا يروعكم فوت , ولا يزعجكم سلب , ولا يفزعكم تغيير ?
أتتركون في هذا كله من جنات وعيون , وزروع متنوعات , ونخل جيدة الطلع , سهلة الهضم حتى كأن جناها مهضوم لا يحتاج إلى جهد في البطون ! وتتركون في البيوت تنحتونها في الصخور بمهارة وبراعة , وفي أناقة وفراهة ?
وبعد أن يلمس قلوبهم هذه اللمسات الموقظة يناديهم إلى التقوى , وإلى الطاعة , وإلى مخالفة الملأ الجائرين البعيدين عن الحق والقصد , الميالين إلى الفساد والشر
(فاتقوا الله وأطيعون . ولا تطيعوا أمر المسرفين . الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) . .
ولكن هذه اللمسات وهذه النداءات لا تصل إلى تلك القلوب الجاسية الجافية , فلا تصغي لها ولا تلين: (قالوا:إنما أنت من المسحرين . ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين) . .
إنما أنت ممن سحرت عقولهم فهم يهرفون بما لا يعرفون ! كأنما الدعوة إلى الله لا يدعوها إلا مجنون !
(ما أنت إلا بشر مثلنا) . . وتلك هي الشبهة التي ظلت تخايل للبشرية كلما جاءها رسول . فقد كان تصور البشرية القاصر للرسول عجيبا دائما ; وما كانت تدرك حكمة الله في أن يكون الرسول بشرا , وما كانت تدرك كذلك تكريم هذا الجنس البشري باختيار الرسل منه ليكونوا رواد البشرية المتصلين بمصدر الهدى والنور
وكانت البشرية تتصور الرسول خلقا آخر غير البشر . أو هكذا ينبغي أن يكون ; ما دام يأتي إليها بخبر السماء , وخبر الغيب , وخبر العالم المحجوب عن البشر . . ذلك أنها ما كانت تدرك سر هذا الإنسان الذي كرمه الله به , وهو أنه موهوب القدرة على الاتصال بالملأ الأعلى وهو على هذه الأرض مقيم . يأكل وينام ويتزوج ويمشي في الأسواق . ويعالج ما يعالجه سائر البشر من المشاعر والنوازع , وهو متصل بذلك السر العظيم .
وكانت البشرية جيلا بعد جيل تطلب خارقة معجزة من الرسول تدل على أنه حقا مرسل من الله: فأت بآية إن كنت من الصادقين . . وهكذا طلبت ثمود تلك الخارقة , فاستجاب الله لعبده صالح , وأعطاه هذه الخارقة في صورة ناقة ; لا نخوض في وصفها كما خاض المفسرون القدامى , لأنه ليس لدينا سند صحيح نعتمد عليه في هذا الوصف . فنكتفي بأنها كانت خارقة كما طلبت ثمود .
(قال:هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم . ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم) . .لقد جاءهم بالناقة , على شرط أن يكون الماء الذي يستقون منه يوما للناقة ويوما لهم , لا يجورون عليها في يومها , ولا تجور عليهم في يومهم , ولا يختلط شرابها بشرابهم , كما لا يختلط يومها بيومهم . ولقد حذرهم أن ينالوها بسوء على الإطلاق , وإلا أخذهم عذاب يوم عظيم .
فماذا فعلت الآية الخارقة بالقوم المتعنتين ? إنها لم تسكب الإيمان في القلوب الجافة ; ولم تطلع النور في الأرواح المظلمة . على الرغم من قهرها لهم وتحديهم بها . وإنهم لم يحفظوا عهدهم , ولم يوفوا بشرطهم: (فعقروها فأصبحوا نادمين) .
والعقر:النحر . والذين عقروها منهم هم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ولقد حذرهم منهم صالح وأنذرهم فلم يخشوا النذير . ومن ثم كتبت خطيئتها على الجميع , وكان الجميع مؤاخذين بهذا الإثم العظيم .
ولقد ندم القوم على الفعلة , ولكن بعد فوات الأوان وتصديق النذير: (فأخذهم العذاب) . . ولا يفصل نوعه هنا للمسارعة والتعجيل !
وقال تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) [الشعراء/160-166]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 2527)