فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 139

وأَرْسَلَ اللهُ تَعَالى لُوطًا علَيهِ السَّلامُ - وهُوَ ابنُ أَخي إِبراهيمَ - إلى قَومٍ عُرِفُوا فيما بعْدُ بقومِ لوطٍ ، وكَانُوا يَسْكُنُونَ مَدينةَ سَدُومٍ جَنُوبِيِّ البَحْرِ المَيِّتِ في الأُرْدُنَّ فَدعَاهُمْ إلى عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأنْ يُطِيعُوا رَسُولَهُ الذِي بَعَثَهُ اللهُ إلَيْهِمْ ، ونَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ تَعالى ، وعنِ ارْتِكَابِ الفَواحِشِ التي لَمْ يَسْبِقْهُمْ أحَدٌ منَ العَالَمِينَ إلى ارْتِكَابِها ، فكذَّبُوهُ .

فَقَالَ لَهُمْ لُوطٌ: أَلا تَتَّقٌونَ اللهَ ، وتَخَافُونَ عِقَابَهُ ، وأنتُمْ تَعْبَدُونَ منْ دُونِهِ آلهةً أصْنَامًا لا تَضُرُّ ولا تْنَفَعُ ، وتَرْتَكِبُونَ الفَواحِشَ؟

فإِنيّ رَسُولُ اللهِ إليكمُ ، وَإِنيّ أَمينٌ في إِبْلاَغِكُم مَا أتَلَقَّاهُ مِنْ رَبِّي . فأَطِيعُوني وَاسْمَعُوا قولي ، وَاتَّقُوا الله وأخْلِصُوا العِبَادَةَ لَهُ وحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ .

وَأَنا لا أَسْأَلُكُمْ جَزَاءً ، وَلاَ أَجْرًا عَلى نُصْحِي لَكُمْ ، ودَعْوَتي إيَّاكُمْ إِلى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالى ، وَإِنَّما أبْغِي الأَجْرَ والثَّوَابَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ عِنْدِ اللهِ ربِّ العَالَمِين .

وَقَالَ لَهُمْ: إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنَ دُونِ النِّسَاءِ ، وَهذَا أمرٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَسْبِقْكُمْ إِليهِ أََحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ .وتَذَرُونَ نَِاءَكُمْ وَمَا خَلَقَ اللهُ لَكُمْ مِنْهُنَّ ، فَأَنْتُمْ بِذَلِكَ قَوْمٌ مُعْتَدُون ، مُتَجَاوِزُونَ حُدودَ اللهِ ، وشَرائِعَهُ .فَقَالُوا لَهُ: لئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ عَمَّا جِئْتَنَا بهِ مِنْ دَعْوَتِنا إلى التَّطَهُّرِ ، وتَركِ ما وَجَدْنا عَليه آباءَنا ، لَنُنْخِرجَنَّكَ مِنْ بينِ أظْهُرِنا ، ولَنَنْفِيَنَّكَ منْ بَلْدَتِنا أنْتَ وأَهْلَكَ ، فإِنَّكُمْ أُنَاسٌ تَتَطَهَّرُون .فَقَالَ لَهُمْ لُوطٌ إنَّهُ كَارِهٌ لِمَا يفْعَلونَهُ ، وَلا يَرْضَى بهِ ، وإِنَّه بَراءٌ مِنهُمْ .

والخطيئة المنكرة التي عرف بها قوم لوط ( وقد كانوا يسكنون عدة قرى في وادي الأردن ) هي الشذوذ الجنسي بإتيان الذكور ، وترك النساء . وهو انحراف في الفطرة شنيع . فقد برأ الله الذكر والأنثى؛ وفطر كلًا منهما على الميل إلى صاحبه لتحقيق حكمته ومشيئته في امتداد الحياة عن طريق النسل ، الذي يتم باجتماع الذكر والأنثى . فكان هذا الميل طرفًا من الناموس الكوني العام ، الذي يجعل كل من في الكون وكل ما في الكون في حالة تناسق وتعاون على إنفاذ المشيئة المدبرة لهذا الوجود . فأما إتيان الذكور الذكور فلا يرمي إلى هدف ، ولا يحقق غاية ، ولا يتمشى مع فطرة هذا الكون وقانونه . وعجيب أن يجد فيه أحد لذة . واللذة التي يجدها الذكر والأنثى في التقائهما إن هي إلا وسيلة الفطرة لتحقيق المشيئة . فالانحراف عن ناموس الكون واضح في فعل قوم لوط . ومن ثم لم يكن بد أن يرجعوا عن هذا الانحراف أو أن يهلكوا ، لخروجهم من ركب الحياة ، ومن موكب الفطرة ، ولتعريهم من حكمة وجودهم ، وهي امتداد الحياة بهم عن طريق التزاوج والتوالد .

فلما دعاهم لوط إلى ترك هذا الشذوذ ، واستنكر ما هم فيه من ترك ما خلق لهم ربهم من أزواجهم ، والعدوان على الفطرة وتجاوز الحكمة المكنونة فيها . . تبين أنهم غير مستعدين للعودة إلى ركب الحياة ، وإلى سنة الفطرة: { قالوا: لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين } .

وقد كان فيهم غريبًا . وفد عليهم مع عمه إبراهيم حين اعتزل أباه وقومه ، وترك وطنه وأرضه ، وعبر الأردن مع إبراهيم والقلة التي آمنت معه . ثم عاش وحده مع هؤلاء القوم حتى أرسله الله إليهم ، ليردهم عما هم فيه ، فإذا بهم يهددونه بالإخراج من بينهم ، إذا لم ينته عن دعوتهم إلى سواء الفطرة القويم!

عندئذ لم يبق إلا أن يعالنهم بكراهة ما هم عليه من شذوذ ، في تقزز واستبشاع: { قال: إني لعملكم من القالين } . .والقلى: الكره البالغ . يقذف به لوط في وجوههم في اشمئزاز .

وقال تعالى: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) [الشعراء/176-184]

أهْلُ الأَيْكَةِ هُمْ أصْحَابُ مَدْيَنَ ، والأَيْكَةُ هيَ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ كَالغَيْضَةِ ، كَانُوا يَعْبُدونَها ، وَمَدْينُ تَقَعُ جَنُوبِيِّ الأُرْدُنِّ قَريبًا مِنَ العَقَبَةِ .

وَنتبيُّهُمْ شُعيبٌ عليهِ السلامُ ، وَهُوَ مِنْهُمْ ، وَقَدْ أرْسَلَهُ اللهُ إليهمْ ليَدْعُوَهُمْ إلى عِبَادَةِ اللهِ ، وَتَرْكِ مَا هُمْ عَليهِ مِنَ الفَسَادِ والضَّلالِ فَكَذَّبُوهُ .

فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ شُعَيْبٌ: ألا تَعْبُدونَ اللهَ وتُطِيعُونَ أَمْرَهُ ، وتُقْلِعُونَ عَنْ عِبَادَةِ ما سِواهُ منَ الأصْنَامِ والأَنْدَادِ؟ وتَكُفُّونَ عَنْ تَطْفِيفِ المِكْيَالِ والمِيزانِ؟ إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفعَلُوا ذَلكَ فإِنَّ اللهَ سَيُعَاقِبُكُمْ عِقَابًا شَدِيدًا . وإِنِّي رَسُولٌ إليْكُمْ منَ اللهِ ، أمينٌ في إبْلاَغِكُم مَا أَتَلَقَّاهُ مِنْ رَبِّي . فَأَطِيعُونِي وَاسْمَعُوا قَوْلِي ، وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ ، وَأَخْلِصُوا لَهُ العِبَادَةَ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ .وَأَنَا لاَ أَسْألُكُمْ جَزَاءً أو أَجْرًا عَلَى نُصْحي لكُمْ ، وَدَعْوَتي إيَّاكُمْ إِلى عِبادةِ اللهِ تَعالى وَحْدَه لا شَريكَ لهُ ، وإِنَّما أبْغِي الأَجْرَ والثَّوابَ على ذَلِكَ مِنَ اللهِ الكَرِيمِ وَهُوَ رَبُّ العَالَمينَ . ثمَّ أمرَهُمْ بإِيفَاءِ المِكْيَالِ والمِيزانِ ، وَنَهَاهُمْ عن التَّطْفِيفِ ، وقالَ لهمْ: إذا دَفْعْتُمْ للنَّاسِ فأوْفُوا الكَيلَ والمِيزانَ حقَّهُمَا ، ولا تَبْخَسُوا الكَيْلَ فَتُعْطُوا ناقِصًا ، وَتَأْخُذُوهُ وَافيًا إِذا كَانَ لَكُمْ ، وَلكِنْ خُذُوا كَما تُعْطُوْنَ ، وأعْطُوا كَمَا تأخُذُون .

وزِنُوا بالمِيزَانِ العَادِلِ المَضْبُوطِ ( القِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ ) . ولا تُنْقِصُوْا النَّاسَ شَيْئًا مِنْ حُقُوقِهِمْ وأَمْوَالِهِمْ ، وَلاَ تَعِيثُوا في الأَرضِ فَسَادًا ، وَلا تَقْطَعُوا الطَّريقَ عَلَى النَّاسِ ، كَمَا جَاءَ في آيةٍ أُخْرى { وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ } .

وَحَذَّرَهُمْ شُعَيْبٌ مِنْ نِقْمَةِ اللهِ وبأْسِهِ ، وَهُوَ الذي خَلَقَهُمْ وَخَلَقَ آباءَهُمُ الأوَّلينَ مِنَ العَدَمِ ليَكُونُوا مُصْلِحِينَ في الأرضِ .

وقد بدأهم شعيب بما بدأ به كل رسول قومه من أصل العقيدة والتعفف عن الأجر ، ثم أخذ يواجههم بما هو من خاصة شأنهم: { أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ، وزنوا بالقسطاس المستقيم ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين } .

وقد كان شأنهم كما ذكر في سورتي الأعراف وهود أن يطففوا في الميزان والمكيال ، وأن يأخذوا بالقسر والغصب زائدًا عن حقهم ، ويعطوا أقل من حق الناس ، ويشتروا بثمن بخس ويبيعوا بثمن مرتفع . ويبدو أنهم كانوا في ممر قوافل التجارة ، فكانوا يتحكمون فيها . وقد أمرهم رسولهم بالعدل والقسط في هذا كله ، لأن العقيدة الصحيحة يتبعها حسن المعاملة . ولا تستطيع أن تغضي عن الحق والعدل في معاملات الناس .

ثم استجاش شعيب مشاعر التقوى في نفوسهم ، وهو يذكرهم بخالقهم الواحد . خالق الأجيال كلها والسابقين جميعًا: { واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين } .

فما كان منهم إلا أن يطلقوا عليه الاتهام بأنه مسحور ، فهو يخلط ويهذي بما يقول: { قالوا: إنما أنت من المسحرين } . .

وإلا أن يستنكروا رسالته . فهو بشر مثلهم ، وما هكذا في زعمهم يكون الرسول . ويرمونه بالكذب فيما يقول: { وما أنت إلا بشر مثلنا . وإن نظنك لمن الكاذبين } .

وإلا أن يتحدوه أن يأتيهم بما يخوفهم به من العذاب إن كان صادقًا فيما يدعيه؛ وأن يسقط عليهم رجومًا من السماء ، أو يحطمها عليهم ويسقطها قطعًا: { فأسقط علينا كسفًا من السماء إن كنت من الصادقين } . .

وهو تحدي المستهتر الهازئ المستهين! وهو شبيه بتحدي المشركين للرسول الكريم . . { قال: ربي أعلم بما تعملون } . .ويعجل السياق بالنهاية دون تفصيل ولا تطويل . { فكذبوه . فأخذهم عذاب يوم الظلة . إنه كان عذاب يوم عظيم } . .قيل: أخذهم حر خانق شديد يكتم الأنفاس ويثقل الصدور . ثم تراءت لهم سحابة ، فاستظلوا بها؛ فوجدوا لها بردًا ، ثم إذا هي الصاعقة المجلجلة المدوية تفزعهم وتدمرهم تدميرًا .

وكان ذلك { يوم الظلة } فالظلة كانت سمة اليوم المعلوم!

ـــــــــــ

وجوب الاقتداء بالرسل

قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) [الأحزاب/21 ]

يَحُثُّ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَلَى الاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والتَّأَسِّي بِهِ فِي صَبْرِهِ وَمَصَابَرَتِهِ وَمُرَابِطَتِهِ وَمُجَاهَدَتِهِ فَقَالَ لِلَّذِينَ أَظْهَرُوا الضَّجَرَ وَتَزَلْوَلُوا واضْطَربُوا فِي أَمْرِهِمْ يَوْمَ الأَحْزابِ: هَلاَّ اقْتَدَيْتُمْ بِرَسُولِ اللهِ ، وتَأَسَّيْتُمْ بِشَمَائِلِهِ فَلَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ إِنْ كُنْتُمْ تَبْتَغُونَ ثَوابَ اللهِ ، وَتَخَافُونَ عِقَابَهُ ، وَتَذْكُرونَ اللهَ ذِكْرًا كَثيرًا ، فَذِكْرُ اللهِ يُؤَدِّي إِلى أُسْوَةٌ حَسَنٌ - قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ .

وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد ، مثابة الأمان للمسلمين ، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان . وإن دراسة موقفه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحادث الضخم لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم؛ وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر؛ وتطلب نفسه القدوة الطيبة؛ ويذكر الله ولا ينساه .

ويحسن أن نلم بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال . إذ كنا لا نملك هنا أن نتناوله بالتفصيل .

خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل في الخندق مع المسلمين . يضرب بالفأس ، ويجرف التراب بالمسحاة ، ويحمل التراب في المكتل . ويرفع صوته مع المرتجزين ، وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل ، فيشاركهم الترجيع! وقد كانوا يتغنون بأغان ساذجة من وحي الحوادث الجارية: « كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل ، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اسمه ، وسماه عمرًا . فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج:

سماه من بعد جعيل عمرًا وكان للبائس يومًا ظهرًا

فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة » عمرو « ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: » عمرًا « . وإذا مروا بكلمة » ظهر « قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ظهرًا »

ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسلمون ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، يضرب بالفأس ، ويجرف بالمسحاة ، ويحمل في المكتل ، ويرجع معهم هذا الغناء .

ولنا أن نتصور أية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم؛ وأي ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز .

« وكان زيد بن ثابت فيمن ينقل التراب . فقال - صلى الله عليه وسلم - » أما إنه نعم الغلام! « وغلبته عيناه فنام في الخندق . وكان القر شديدًا . فأخذ عمارة بن حزم سلاحه ، وهو لا يشعر . فلما قام فزع . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: » يا أبا رقاد! نمت حتى ذهب سلاحك «! ثم قال: » من له علم بسلاح هذا الغلام «؟ فقال عمارة: يا رسول الله هو عندي . فقال: » فرده عليه « . ونهى أن يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعبًا! »

وهو حادث كذلك يصور يقظة العين والقلب ، لكل من في الصف ، صغيرًا أو كبيرًا . كما يصور روح الدعابة الحلوة الحانية الكريمة: « يا أبا رقاد! نمت حتى ذهب سلاحك! » ويصور في النهاية ذلك الجو الذي كان المسلمون يعيشون فيه في كنف نبيهم ، في أحرج الظروف . .

ثم كانت روحه - صلى الله عليه وسلم - تستشرف النصر من بعيد ، وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول؛ فيحدث بها المسلمين ، ويبث فيهم الثقة واليقين .

قال ابن إسحاق: « وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق ، فغلظت عليّ صخرة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريب مني . فلما رآني أضرب ، ورأى شدة المكان عليّ ، نزل فأخذ المعول من يدي ، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة . قال: ثم ضرب به ضربة أخرى ، فلمعت تحته برقة أخرى . قال: ثم ضرب به الثالثة ، فلمعت تحته برقة أخرى . قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما هذا الذي رأيت ، لمع المعول وأنت تضرب؟ قال: » أوَ قد رأيت ذلك يا سلمان «؟ قال: قلت . نعم: قال: أما الأولى فإن الله فتح عليّ بها اليمن . وأما الثانية فإن الله فتح عليّ بها الشام والمغرب . وأما الثالثة فإن الله فتح عليّ بها المشرق » .

وجاء في « إمتاع الأسماع للمقريزي » أن هذا الحادث وقع لعمر بن الخطاب بحضور سلمان . رضي الله عنهما .

ولنا أن نتصور اليوم كيف يقع مثل هذا القول في القلوب ، والخطر محدق بها محيط .

ولنا أن نضيف إلى تلك الصور الوضيئة صورة حذيفة عائدًا من استطلاع خبر الأحزاب؛ وقد أخذه القر الشديد؛ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي في ثوب لإحدى أزواجه . فإذا هو في صلاته واتصاله بربه ، لا يترك حذيفة يرتعش حتى ينتهي من صلاته بل يأخذه صلوات الله وسلامه عليه بين رجليه ، ويلقي عليه طرف الثوب ليدفئه في حنو .ويمضي في صلاته . حتى ينتهي ، فينبئه حذيفة النبأ ، ويلقي إليه بالبشرى التي عرفها قلبه - صلى الله عليه وسلم - فبعث حذيفة يبصر أخبارها!

أما أخبار شجاعته - صلى الله عليه وسلم - في الهول ، وثباته ويقينه ، فهي بارزة في القصة كلها ، ولا حاجة بنا إلى نقلها ، فهي مستفيضة معروفة .

وقال تعالى: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) } [الأنعام/83-90]

وَتِلْكَ هِيَ حُجَّةُ اللهِ الدَّامِغَةُ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ ، أَرْشَدَ إِلَيْهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، لِيُوجِّهُهَا إلَى قَوْمِهِ ، وَهُمْ يُجَادِلُونَهُ فِي رَبِّهِ ، وَاللهُ يَرْفَعُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، دَرَجَاتٍ فِي الدِّينِ وَالفَهْمِ وَالحُجَّةِ ، وَإنَّ رَبَّكَ اللهَ الذِي رَبَّاكَ وَعَلَّمَكَ وَهَدَاكَ يَا مُحَمَّدُ ، وَجَعَلَكَ خَاتَمَ الرُّسُلِ ، حَكِيمٌ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَهْتَدِي بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ، وَبِمَنْ يَضِلُّ ، وَبِمَنْ قَامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِ .

يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ وَهَبَ لإِبْرَاهِيمَ ابْنَهُ إِسْحَاقَ بَعْدَ أَنْ شَاخَ وَطَعَنَ فِي السِّنِّ ، وَبَشَّرَتْهُ المَلاَئِكَةُ بِأنَّ ابْنَهُ إِسْحَاقَ سَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ يَعْقُوبُ ، فِي حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ .

وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ هَدَى كُلاًّ مِنْ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِمَا آتَاهُمَا مِنَ النُّبُوَّةِ وَالحِكْمَةِ ، وَإِنَّهُ تَعَالَى هَدَى مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ: ( أَوْ مِنْ ذُرِّيَةِ إَبْرَاهِيمَ - وَإِبْرَاهِيمُ مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ ) : دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَيُوسُفَ وَأَيُّوبَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَآتَاهُمُ الحُكْمَ وَالنَّبُوَّةَ ، وَكَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المُحْسِنِينَ فَيَهْدِيهِمْ إلَى الحَقِّ وَالصَّوَابِ وَالإِيمَانِ .

وَهَدَى اللهُ مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ أَيْضًا: زَكَرِيّا وَابْنَهُ يَحْيِى وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَإِلْيَاسَ ، وَقَدْ جَعَلَهُمُ اللهُ جَمِيعًا مِنَ الصَّالِحِينَ . وَكَانَتْ لِهَؤُلاءِ الأَنْبِيَاءِ الكِرَامِ مِيزَةُ الزُّهْدِ وَالإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيا وَلَذَّاتِها ، وَزِينَتِهَا ، لِذَلِكَ خَصَّهُمُ اللهُ تَعَالَى بِوَصْفِ الصَّالِحِينَ .

وَمِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ ، مِمَّنْ هَدَاهُمُ اللهُ ، يَذْكُرُ تَعَالَى: إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ ، وَاليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوْطًا فَهَدَاهُمْ ، وَآتَاهُمُ النُّبُوَّة ، وَجَعَلَهُمْ مِنَ المُهْتَدِينَ ، وَفَضَّلَهُمْ عَلَى العَالَمِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ .

وَهَدَى اللهُ بَعْضَ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ - لاَ كُلّهُمْ إذْ إِنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الأَقْرَبِينَ لَمْ يَهْتَدِ بِهَدِي أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ ، كَآزَرَ أَبِي إِبْرَاهِيم ، وَابْنِ نُوحٍ وَزَوْجَةِ لُوطٍ - . وَيَقُولُ تَعَالَى إنَّهُ اخْتَارَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ وَهَدَاهُمُ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ .

وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ أَحَدًا ، لَهَلَكَ عَمَلُهُمْ ، وَلَضَاعَ أَجْرُ أَعَمْالِ الخَيْرِ التِي عَمَلُوهَا ، ( وَهَذا تَشْدِيدٌ لأَمْرِ الشِّرْكِ ، وَتَغْلِيظٌ لِشَأْنِهِ ) .

أُولَئِكَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِمْ ، بِأنْ آتَاهُمُ الكِتَابَ ( صُحُفَ إِبْرَاهِيم ، وَتَوْرَاةِ مُوسَى وَزَبُورِ دَاوُدَ ، وَإِنْجِيلَ عِيسَى ) كَمَا آتَاهُمُ العِلْمَ وَالفِقْهَ فِي الدِّينِ ( الحُكْمَ ) ، وَآتَاهُمُ النُّبُوَّةَ لِيَهْدُوا النَّاسَ إلى اللهِ ، وَذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ بِعِبَادِهِ ، وَلَطْفٌ مِنْهٌ بِخَلْقِهِ ، فَإنْ يَكْفُرْ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ فِي الأَرْضِ مِنَ البَشَرِ ( هَؤلاءِ ) بِالكِتَابِ وَالحُكْمِ وَالنُّبُوَّةِ فَإنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَّلَ بِرِعَايَتِهَا قَومًا مُؤْمِنِينَ ، لاَ يَجْحَدُونَ مِنْهَا شَيْئًا ، وَلاَ يَرُدُّونَ مِنْهَا حَرْفًا . ( وَهُمُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَاُر وَالمُؤْمِنُونَ - عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا المَقْطَعِ مِنَ الآيَةِ ) .

وَهَؤُلاءِ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ ، الذِينَ وَرَدَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الآيَاتِ السَّابِقَةِ ، وَالذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأنَّهُ آتَاهُمُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ، هُمُ الذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ هِدَايَةً كَامِلَةً ، فَاهْتَدِ ، يَا مُحَمَّدُ ، بِهُدَاهُمْ ، وَاقْتَدِ بِهِمْ ، فِي الأَخْلاَقِ الحَمِيدَةِ ، وَالصِّفَاتِ الرَّفِيعَةِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى السُّفَهَاءِ ، وَالعَفْوِ عَنْهُم ، وَقُلْ لِقَوْمِكَ إنَّنِي لاَ أَسْأَلُكُمْ أَجْرًا عَلَى إِبْلاغِ رِسَالَةِ رَبِّي إلَيْكُمْ ، وَمَا أَنْزَلَهُ عَلَيَّ مِنَ القُرْآنِ ، فَهَذَا القُرْآنُ هُوَ تَذْكِيرٌ ( ذِكْرَى ) لِلْعَالَمِينَ الذِينَ يَتَذَكَّرُونَ فَيَرْشُدُونَ مِنَ الجَهَالَةِ وَالضَّلاَلَةِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت