فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 139

ولقد كانت هذه هي الحجة التي ألهمها الله إبراهيم ليدحض بها حجتهم التي جاءوا بها يجادلونه . ولقد كشف لهم عن وهن ما هم عليه من تصورهم أن هذه الآلهة تملك أن تسيء إليه . . وواضح أنهم ما كانوا يجحدون وجود الله؛ ولا أنه هو صاحب القوة والسلطان في الكون ، ولكنهم كانوا يشركون به هذه الآلهة . فلما واجههم إبراهيم ، بأن من كان يخلص نفسه لله لا يخاف من دونه ، فأما من يشرك بالله فهو أحق بالمخافة . . لما واجههم بهذه الحجة التي آتاها الله له وألهمه إياها ، سقطت حجتهم ، وعلت حجته ، وارتفع إبراهيم على قومه عقيدة وحجة ومنزلة . . وهكذا يرفع الله من يشاء درجات . متصرفًا في هذا بحكمته وعلمه: { إن ربك حكيم عليم } . .وقبل أن نغادر هذه الفقرة نحب أن نستمتع بنفحة من نفحات الحياة في عصر صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا القرآن يتنزل عليهم غضًا؛ وتشربه نفوسهم؛ وتعيش به وله؛ وتتعامل به وتتعايش بمدلولاته وإيحاءاته ومقتضياته ، في جد وفي وعي وفي التزام عجيب ، تأخذنا روعته وتبهرنا جديته؛ وندرك منه كيف كان هذا الرهط الفريد من الناس ، وكيف صنع الله بهذا الرهط ما صنع من الخوارق ، في ربع قرن من الزمان: روى ابن جرير - بإسناده - « عن عبدالله بن إدريس ، قال: لما نزلت هذه الآية: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ، شق ذلك على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس كما تظنون . وإنما هو ما قال لقمان لابنه: { لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم » وروى كذلك - بإسناده - عن ابن المسيب ، أن عمر بن الخطاب قرأ: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } فلما قرأها فزع . فأتى أبيّ بن كعب . فقال: يا أبا المنذر ، قرأت آية من كتاب الله . من يَسلم؟ فقال: ما هي؟ . . فقرأها عليه . . فأينا لا يظلم نفسه؟ فقال: غفر الله لك! أما سمعت الله تعالى ذكره يقول: { إن الشرك لظلم عظيم } إنما هو: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك . وروى - بإسناده - عن أبي الأشعر العبدي عن أبيه ، أن زيد بن صوحان سأل سلمان ، فقال: يا أبا عبدالله ، آية من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ! فقال سلمان: هو الشرك بالله تعالى ذكره . فقال زيد: ما يسرني بها أني لم أسمعها منك ، وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه .

فهذه الآثار الثلاثة تصور لنا كيف كان حس هذا الرهط الكريم بهذا القرآن الكريم . كيف كانت جدية وقعه في نفوسهم . كيف كانوا يتلقونه وهم يشعرون أنه أوامر مباشرة للتنفيذ وتقريرات حاسمة للطاعة ، وأحكام نهائية للنفاذ . وكيف كانوا يفزعون حين يظنون أن هناك مفارقة بين طاقتهم المحدودة ومستوى التكليف المطلوب . وكيف كانوا يجزعون أن يؤاخذوا بأي درجة من درجات التقصير ، والتفاوت بين عملهم وبين مستوى التكليف . حتى يأتيهم من الله ورسوله التيسير .

إنه مشهد كذلك رائع باهر . . مشهد هذه النفوس التي حملت هذا الدين . . وكانت ستارًا لقدر الله؛ ومنفذًا لمشيئته في واقع الحياة . .بعد ذلك يعرض السياق موكب الإيمان الجليل ، يقوده ذلك الرهط الكريم من الرسل: من نوح إلى إبراهيم إلى خاتم النبيين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - يعرض السياق هذا الموكب ممتدًا موصولًا - وبخاصة منذ إبراهيم وبنيه من النبيين - ولا يراعي التسلسل التاريخي في هذا العرض - كما يلاحظ في مواضع أخرى - لأن المقصود هنا هو الموكب بجملته ، لا تسلسله التاريخي: ووهبنا له إسحاق ويعقوب - كلًا هدينا - ونوحًا هدينا من قبل - ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون .

.وكذلك نجزى المحسنين . . وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس . . كل من الصالحين . وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا . . وكلًا فضلنا على العالمين . . ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم . . واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم . . ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون . أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة . فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين . أولئك الذين هدى الله ، فبهداهم اقتده ، قل: لا أسألكم عليه أجرًا . إن هو إلا ذكرى للعالمين . .وفي الآيات ذكر لسبعة عشر نبيًا رسولًا - غير نوح وإبراهيم - وإشارة إلى آخرين من { آبائهم وذرياتهم وإخوانهم } . . والتعقيبات على هذا الموكب: { وكذلك نجزي المحسنين } . . { وكلًا فضلنا على العالمين } . . { واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم } . . وكلها تعقيبات تقرر إحسان هذا الرهط الكريم واصطفاءه من الله ، وهدايته إلى الطريق المستقيم .وذكر هذا الرهط على هذا النحو ، واستعراض هذا الموكب في هذه الصورة ، كله تمهيد للتقريرات التي تليه: { ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}

وهذا تقرير لينابيع الهدى في هذه الأرض . فهدى الله للبشر يتمثل فيما جاءت به الرسل . وينحصر المستيقن منه ، والذي يجب اتباعه ، في هذا المصدر الواحد ، الذي يقرر الله - سبحانه - أنه هو هدى الله؛ وأنه هو الذي يهدي إليه من يختار من عباده . . ولو أن هؤلاء العباد المهديين حادوا عن توحيد الله ، وتوحيد المصدر الذي يستمدون منه هداه ، وأشركوا بالله في الاعتقاد أو العبادة أو التلقي ، فإن مصيرهم أن يحبط عنهم عملهم: أي ان يذهب ضياعًا ، ويهلك كما تهلك الدابة التي ترعى نبتًا مسمومًا فتنتفخ ثم تموت . . وهذا هو الأصل اللغوي للحبوط!

{ أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة . فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين } . .وهذا هو التقرير الثاني . . فقرر في الأول مصدر الهدى ، وقصره على هدى الله الذي جاءت به الرسل . وقرر في الثاني أن الرسل الذين ذكرهم والذين أشار إليهم ، هم الذين آتاهم الله الكتاب والحكمة والسلطان والنبوة - « والحكم » يجيء بمعنى الحكمة كما يجيء بمعنى السلطان كذلك - وكلا المعنيين محتمل في الآية . فهؤلاء الرسل أنزل الله على بعضهم الكتاب كالتوراة مع موسى ، والزبور مع داود ، والإنجيل مع عيسى . وبعضهم آتاه الله الحكم كداود وسليمان - وكلهم أوتي السلطان على معنى أن ما معه من الدين هو حكم الله ، وأن الدين الذي جاءوا به يحمل سلطان الله على النفوس وعلى الأمور .فما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا ، وما أنزل الكتاب إلا ليحكم بين الناس بالقسط ، كما جاء في الآيات الأخرى . وكلهم أوتي الحكمة وأوتي النبوة . . وأولئك هم الذين وكلهم الله بدينه ، يحملونه إلى الناس ، ويقومون عليه ، ويؤمنون به ويحفظونه . . فإذا كفر بالكتاب والحكم والنبوة مشركو العرب: { هؤلاء } فإن دين الله غني عنهم؛ وهؤلاء الرهط الكرام والمؤمنون بهم هم حسب هذا الدين! . . إنها حقيقة قديمة امتدت شجرتها ، وموكب موصول تماسكت حلقاته؛ ودعوة واحدة حملها رسول بعد رسول؛ وآمن بها ويؤمن من يقسم الله له الهداية؛ بما يعلمه من استحقاقه للهداية! . . وهو تقرير يسكب الطمأنينة في قلب المؤمن ، وفي قلوب العصبة المسلمة - أيًا كان عددها - إن هذه العصبة ليست وحدها . ليست مقطوعة من شجرة! إنها فرع منبثق من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وحلقة في موكب جليل موصول ، موصولة أسبابه بالله وهداه . . إن المؤمن الفرد ، في أي أرض وفي أي جيل ، قوي قوي ، وكبير كبير ، إنه من تلك الشجرة المتينة السامقة الضاربة الجذور في أعماق الفطرة البشرية وفي أعماق التاريخ الإنساني ، وعضو من ذلك الموكب الكريم الموصول بالله وهداه منذ أقدم العصور . { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده . قل: لا أسألكم عليه أجرًا . إن هو إلا ذكرى للعالمين } . .وهو التقرير الثالث . . فهؤلاء الرهط الكرام الذين يقودون موكب الإيمان ، هم الذين هداهم الله . وهداهم الذي جاءهم من الله فيه القدوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن به . فهذا الهدى وحده هو الذي يسير عليه . وهذا الهدى وحده هو الذي يحتكم إليه ، وهذا الهدى وحده هو الذي يدعو إليه ويبشر به . . قائلًا لمن يدعوهم: { لا أسألكم عليه أجرًا } . . { إن هو إلا ذكرى للعالمين } . . للعالمين . . لا يختص به قوم ولا جنس ولا قريب ولا بعيد . . إنه هدى الله لتذكير البشر كافة . ومن ثم فلا أجر عليه يتقاضاه . وإنما أجره على الله!

ـــــــــــ

الرسل لا يخشون أحدا في تبليع الرسالة إلا الله

قال تعالى: مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) [الأحزاب/38-39]

لَيْسَ عَلى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ أَوْ غَضَاضَةٍ فِيما أَحَلَّ اللهُ لَهُ ، وَأَمَرَهُ بهِ ( فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ ) ، مِنْ زَوَاجِ زَيْنَبِ مُطَلَّقَةِ مُتَبَنَّاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَهذا حُكْمُ اللهِ في الأَنبياءِ قبْلَهُ فَقَدْ أَبَاحَ لَهُمْ الزَّوْجَاتِ والسَّرَارِي ، وَكَانَ لِسُلِيمَانَ وَدَاوُدَ وغيرِهِمَا مِنَ الأَنبياءِ كَثِيراتٌ مِنْهُنَّ .وَمَا يُقَدِّرُهُ اللهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ سَيَقَعُ لا مَحَالَةَ ، وَلاَ رَادَّ لَهُ . وَفِي هذِهِ الآيةِ رَدٌّ عَلَى اليَهُودِ الذِينَ عَابُوا عَلَى الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - كَثْرَةَ أَزْوَاجِهِ .

يَصِفُ اللهُ تَعَالى الأَنبياءُ الكِرَام الذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبلِ مُحَمَّدٍ ، بِأَنذَهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ بِإِبَلاغِ رِسَالاتِ رَبِّهِمْ إِلى مَنْ أَرْسَلَهُمُ اللهُ إِليهِمْ ، وَلا يَتَرَدَّدُونَ فِي ذَلِكَ مَهْمَا كَانَ الحُكْمُ الذِي يُرِيدُونَ تَبلِيغَه ثَقِيلًا عَلَى نُفُوسِهِمْ . وَيَخَافُونَ الله فِي تَرْكِهِمْ تَبليغَ الرِّسَالاَتِ ، وَلا يَخَافُونَ أَحَدًا سِوَاهُ ، وَكَفى بِاللهِ مُعِينًا وَنَاصِرًا وَحَافِظًا لأَعْمَالِ العِبَادِ ، وَمُحَاسِبًا عَلَيها .

{ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله } . .فقد فرض له أن يتزوج زينب ، وأن يبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء . وإذن فلا حرج في هذا الأمر ، وليس النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه بدعًا من الرسل

{ سنة الله في الذين خلوا من قبل } . .فهو أمر يمضي وفق سنة الله التي لا تتبدل . والتي تتعلق بحقائق الأشياء ، لا بما يحوطها من تصورات وتقاليد مصطنعة لا تقوم على أساس .

{ وكان أمر الله قدرًا مقدورا } . .فهو نافذ مفعول ، لا يقف في وجهه شيء ولا أحد . وهو مقدر بحكمة وخبرة ووزن ، منظور فيه إلى الغاية التي يريدها الله منه . ويعلم ضرورتها وقدرها وزمانها ومكانها . وقد أمر الله رسوله أن يبطل تلك العادة ويمحو آثارها عمليًا ، ويقرر بنفسه السابقة الواقعية . ولم يكن بد من نفاذ أمر الله .

وسنة الله هذه قد مضت في الذين خلوا من قبل من الرسل: { الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله } . .

فلا يحسبون للخلق حسابًا فيما يكلفهم الله به من أمور الرسالة ، ولا يخشون أحدًا إلا الله الذي أرسلهم للتبليغ والعمل والتنفيذ . { وكفى بالله حسيبًا } . . فهو وحده الذي يحاسبهم ، وليس للناس عليهم من حساب .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت