فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 139

إنهم يخشون عباد الله فيحلفون لهم ليرضوهم ، ولينفوا ما بلغهم عنهم . فكيف لا يخشون خالق العباد ، وهم يؤذون رسوله ، ويحاربون دينه . فكأنما يحاربون الله ، تعالى الله أن يقصده أحد بحرب! إنما هو تفظيع ما يرتكبون من إثم ، وتجسيم ما يقارفون من خطيئة ، وتخويف من يؤذون رسول الله ، ويكيدون لدينه في الخفاء .

وإنهم لأجبن من أن يواجهوا الرسول والذين معه ، وإنهم ليخشون أن يكشف الله سترهم ، وأن يطلع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على نواياهم: { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم . قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون . ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب . قل: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم؛ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين } . .إن النص عام في حذر المنافقين أن ينزل الله قرآنًا يكشف خبيئتهم ، ويتحدث عما في قلوبهم .فينكشف للناس ما يخبئونه . وقد وردت عدة روايات عن حوادث معينة في سبب نزول هذه الآيات .

قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة ، وأجبننا عند اللقاء ( يقصدون قراء القرآن ) فرفع ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ارتحل وركب ناقته؛ فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ، فقال: { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ } إلى قوله: { كانوا مجرمين } وإن رجليه لتسفعان الحجارة ، وما يلتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متعلق بسيف رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم .

وقال محمد بن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف ، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشي بن حمير يسيرون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى تبوك؛ فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا؟ والله لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال . . إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين . فقال مخشي ابن حمير: والله لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة ، وأننا ننجوا أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه . « وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني لعمار بن ياسر أدرك القوم فإنهم قد احترقوا ، فاسألهم عما قالوا ، فإن أنكروا فقل: بلى قلتم كذا وكذا » فانطلق إليهم عمار ، فقال ذلك لهم ، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه . فقال وديعة بن ثابت ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف على راحلته ، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب . فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي . فكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشي بن حمير ، فتسمى عبد الرحمن ، وسأل الله أن يقتل شهيدًا لا يعلم بمكانه ، فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: « بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوته إلى تبوك ، وبين يديه أناس من المنافقين فقالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات . فأطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - » احبسوا على هؤلاء الركب « فأتاهم فقال: قلتم كذا . قلتم كذا . قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب ، فأنزل الله فيهم ما تسمعون .إنما كنا نخوض ونلعب . . كأن هذه المسائل الكبرى التي يتصدون لها ، وهي ذات صلة وثيقة بأصل العقيدة . . كأن هذه المسائل مما يخاض فيه ويلعب . { قل: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ } .لذلك ، لعظم الجريمة ، يجبههم بأنهم قالوا كلمة الكفر . وكفروا بعد إيمانهم الذي أظهروه ، وينذرهم بالعذاب ، الذي إن تخلف عن بعضهم لمسارعته إلى التوبة وإلى الإيمان الصحيح ، فإنه لن يصرف عن بعضهم الذي ظل على نفاقه واستهزائه بآيات الله ورسوله ، وبعقيدته ودينه: { بأنهم كانوا مجرمين } . .

وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) [الصف/5]

وَيُسَلِّي اللهُ تَعَالَى عَبْدَهُ مُحَمَّدًا عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنْ تَكذِيبِ قَوْمِهِ وَإِيذَائِهِمْ ، فَذَكَّرَهُ رَبُّهُ بِمَا لاَقَاهُ مُوسَى ، عَلَيهِ السَّلاَمُ ، مِنْ قَوْمِهِ ، إِذْ قَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُؤْذُونَنِي وَتُخَالِفُونَ أَمْرِي ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقِي ، فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ رِسَالَةِ رَبِّي ، فَلَمَّا عَدَلُوا عَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ ، وَأَصَرُّوا عَلَى ذَلِكَ ، صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ عَنِ الهُدَى ، وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ .

وإيذاء بني إسرائيل لموسى وهو منقذهم من فرعون وملئه ، ورسولهم وقائدهم ومعلمهم إيذاء متطاول متعدد الألوان ، وجهاده في تقويم اعوجاجهم جهاد مضن عسير شاق .ويذكر القرآن في قصص بني إسرائيل صورًا شتى من ذلك الإيذاء ومن هذا العناء .

كانوا يتسخطون على موسى وهو يحاول مع فرعون إنقاذهم ، ويتعرض لبطشه وجبروته وهم آمنون بذلتهم له! فكانوا يقولون له لائمين متبرمين: { أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } كأنهم لا يرون في رسالته خيرًا ، أو كأنما يحملونه تبعة هذا الأذى الأخير!

وما كاد ينقذهم من ذل فرعون باسم الله الواحد الذي أنقذهم من فرعون وأغرقه وهم ينظرون . . حتى مالوا إلى عبادة فرعون وقومه { فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا: يا موسى اجعل لنآ إلهًا كما لهم آلهة } وما كاد يذهب لميقات ربه على الجبل ليتلقى الألواح ، حتى أضلهم السامري: { فأخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار فقالوا: هذآ إلهكم وإله موسى فنسي! } ثم جعلوا يتسخطون على طعامهم في الصحراء: المن والسلوى . فقالوا: { يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها } وفي حادث البقرة التي كلفوا ذبحها ظلوا يماحكون ويتعللون ويسئيون الأدب مع نبيهم وربهم وهم يقولون: { ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } { ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } { ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا } { فذبحونا وما كادوا يفعلون } ثم طلبوا يوم عطلة مقدسًا فلما كتب عليهم السبت اعتدوا فيه .

وأمام الأرض المقدسة التي بشرهم الله بدخولها وقفوا متخاذلين يصعرون خدهم في الوقت ذاته لموسى: { قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين ، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } فلما كرر عليهم التحضيض والتشجيع تبجحوا وكفروا: { قالوا ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ذلك إلى إعنات موسى بالأسئلة والاقتراحات والعصيان والتمرد ، والاتهام الشخصي بالباطل كما جاء في بعض الأحاديث .

وتذكر الآية هنا قول موسى لهم في عتاب ومودة: { يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } . .

وهم كانوا يعلمون عن يقين . . إنما هي لهجة العتاب والتذكير . .

وكانت النهاية أنهم زاغوا بعدما بذلت لهم كل أسباب الاستقامة ، فزادهم الله زيغًا ، وأزاغ قلوبهم فلم تعد صالحة للهدى . وضلوا فكتب الله عليهم الضلال أبدًا: { والله لا يهدي القوم الفاسقين } . .وبهذا انتهت قوامتهم على دين الله ، فلم يعودوا يصلحون لهذا الأمر ، وهم على هذا الزيغ والضلال .

والرسول من حقه الإكرام والإعظام، والانقياد بأوامره، والابتدار لحكمه.

وأما أذية الرسول الذي إحسانه إلى الخلق فوق كل إحسان بعد إحسان الله، ففي غاية الوقاحة والجراءة والزيغ عن الصراط المستقيم، الذي قد علموه وتركوه، ولهذا قال: { فَلَمَّا زَاغُوا } أي: انصرفوا عن الحق بقصدهم { أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } عقوبة لهم على زيغهم الذي اختاروه لأنفسهم ورضوه لها، ولم يوفقهم الله للهدى، لأنهم لا يليق بهم الخير، ولا يصلحون إلا للشر، { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } أي: الذين لم يزل الفسق وصفا لهم، لا لهم قصد في الهدى، وهذه الآية الكريمة تفيد أن إضلال الله لعباده، ليس ظلما منه، ولا حجة لهم عليه، وإنما ذلك بسبب منهم، فإنهم الذين أغلقوا على أنفسهم باب الهدى بعد ما عرفوه، فيجازيهم بعد ذلك بالإضلال والزيغ الذي لا حيلة لهم في دفعه وتقليب القلوب [عقوبة لهم وعدلا منه بهم] كما قال تعالى: { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } .

ــــــــــــ

لا يجوز للرسول أن يستغفر للمنافقين والكافرين

قال تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) [التوبة/80 ]

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ لَيْسُوا أَهْلًا لِلاسْتِغْفَارِ ، وَأَنَّهُ لَوِ اسْتَغْفَرَ لَهُم النَّبِيُّ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ، وَذَلِكَ لإِصْرَارِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَجُحُودِهِمْ بِوَاحْدَانِيًّةِ اللهِ ، وَوَحْيهِ لِرَسُولِهِ ، وَلِشَكِّهِمْ فِي أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى ، وَغَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .

وَيُرْوَى أَنَّهُ حِينَ مَرِضَ رَئِيسُ المُنَافِقِينَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، انْطَلَقَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي يُحْتَضَرُ فَأُحِبُّ أَنْ تَشْهَدَهُ وَتُصَلِّي عَلَيْهِ . فَانْطَلَقَ مَعَهُ حَتَّى شَهِدَهُ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَقَالَ إِنَّ اللهَ قَالَ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ولأَسْتَغْفِرَنَّ لَهُمْ سَبْعِينَ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِينَ .

ويبدو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يستغفر للمخطئين عسى أن يتوب الله عليهم . فأما هؤلاء فقد أخبر بأن مصيرهم قد تقرر ، فلا رجعة فيه: { ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله } . . { والله لا يهدي القوم الفاسقين } .أولئك الذين انحرفوا عن الطريق فلم تعد ترجى لهم أوبة . وفسدت قلوبهم فلم يعد يرجى لها صلاح . .

{ إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } . .والسبعون تذكر عادة للتكثير . لا على أنها رقم محدد . والمعنى العام أن لا رجاء لهم في مغفرة ، لأنه لا سبيل لهم إلى توبة . والقلب البشري حين يصل إلى حد معين من الفساد لا يصلح ، والضلال حين ينتهي إلى أمد معين لا يرجى بعده اهتداء . والله أعلم بالقلوب .

وقال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) } [التوبة/113، 114]

لَمَّا حَضَرَتِ الوَفَاةُ أَبَا طَالِبٍ ، عَمَّ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، دَخَلَ النَّبِيُّ ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، عَلَيهِ ، وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، مِنْهُمْ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّة ، فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَمُّ ، قُلْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، كَلمةٌ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ وَعُبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَقَالَ أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ . فَقَالَ النَّبِيُّ: لأَسْتَغِفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ، وَفِيهَا دَعْوَةٌ لِلنَّبِيَّ وَالمُؤْمِنِينَ إِلَى عَدَمِ الاسْتِغْفَارِ لِلْكَافِرِينَ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى شِرْكِهِمْ وَلَوْ كَانُوا أَقْرِبَاءَهُمْ .

"قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ مِنْ آبَائِنَا مَنْ كَانَ يُحْسِنُ الجِوَارَ ، وَيَصِلُ الأَرْحَامَ ، وَيَفُكُّ العَانِي ، وَيُوفِي الذِّمَمَ ، أَفَلا نَسْتَغْفِر لَهُمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: بَلَى وَاللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ لأَبِي كَمَا اسْتَغْفِرَ إِبراهيمُ لأَبِيهِ". فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ ، وَالتي قَبْلَها ، وَعَذَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ إِبْرَاهيمَ عَلَيْهَ السَّلاَمُ فِي هَذِهِ الآيَةِ ، عَمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ الاسْتِغْفَارِ لأَبِيهِ المُشْرِكِ .

وَالمُسْلِمُ يَدْعُوا لِقَرِيبِهِ غَيْرِ المُسْلِمِ بِالصَّلاَحِ مَا دَامَ حَيًّا ، فَإِذَا مَاتَ وَكَلَهُ إِلى شَأْنِهِ ، وَتَوَقَّفَ عَنِ الدُّعَاءِ وَالاسْتِغْفَارِ لَهُ .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ إِبراهيمَ لأَوّاهٌ حَلِيمٌ ، أَيْ كَثِيرُ الدُّعَاءِ ، كَثِيرُ الدُّعَاءِ ، كَثِيرُ التَّضَرُّعِ .

والظاهر أن بعض المسلمين كانوا يستغفرون لآبائهم المشركين ويطلبون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر لهم؛ فنزلت الآيات تقرر أن في هذا الاستغفار بقية من تعلق بقرابات الدم ، في غير صلة بالله ، لذلك ما كان للنبي والذين آمنوا أن يفعلوه . . ما كان لهم قطعًا وليس من شأنهم أصلًا . . أما كيف يتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، فالأرجح أن يكون ذلك بموتهم على الشرك ، وانقطاع الرجاء من أن تكون لهم هداية إلى الإيمان .

إن العقيدة هي العروة الكبرى التي تلتقي فيها سائر الأواصر البشرية والعلاقات الإنسانية . فإذا انبتَّت وشيجة العقيدة انبتَّت الأواصر الأخرى من جذورها ، فلا لقاء بعد ذلك في نسب ، ولا لقاء بعد ذلك في صهر . ولا لقاء بعد ذلك في قوم . ولا لقاء بعد ذلك في أرض . . إما إيمان بالله فالوشيجة الكبرى موصولة ، والوشائج الأخرى كلها تنبع منها وتلتقي بها . أو لا إيمان فلا صلة إذن يمكن أن تقوم بين إنسان وإنسان .

{ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ، إن إبراهيم لأواه حليم } . .فلا أسوة بإبراهيم في استغفاره لأبيه . فإنما كان استغفار إبراهيم لأبيه بسبب وعده له أن يستغفر له الله لعله يهديه ، ذلك إذ قال له: { سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًا ، وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيًا } فلما أن مات أبوه على الشرك ، وتبين إبراهيم أن أباه عدو لله لا رجاء في هداه ، { تبرأ منه } وقطع صلته به .

{ إن إبراهيم لأواه حليم } . .كثير التضرع لله ، حليم على من آذاه . ولقد آذاه أبوه فكان حليمًا؛ وتبين أنه عدو لله فتبرأ منه وعاد لله ضارعًا .

ــــــــــــ

جزاء من يترك الجهاد في سبيل الله خلف الرسل

قال تعالى: { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) } [التوبة/81-85]

ذَمَّ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَفَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ ، وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَهُ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ، إِغْرَاءً لَهُمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى المُنْكَرِ ، وَتَثْبِيطًا لِعَزَائِمِ الْمُؤْمِنِينَ: لاَ تَخْرُجُوا إِلَى الجِهَادِ فِي الحَرِّ . فَأَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنَّ نَارَ جَهَنَّمَ الَّتِي سَيَصِيرُونَ إِلَيْهَا ، هِيَ أَشَدُّ حَرًّا مِنْ قَيْظِ الصَّحْرَاءِ الذِي فَرُّوا مِنْهُ . وَلَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُدْرِكُونَ وَيَعْقِلُونَ لَمَا خَالَفُوا وَقَعَدُوا ، وَلَمَا فَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ .

ثُمَّ تَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ عَلَى فِعَالِهِمْ السَّيِّئَةِ ، فَقَالَ لِنَبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: لِيَضْحَكُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيا الفَانِيَةِ قَلِيلًا ، لأَنَّ الدُّنْيَا نَفْسَهَا شَيْءٌ قَلِيلٌ ، فَإِذَا انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا ، وَصَارُوا إِلَى اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، اسْتَأْنَفُوا بُكَاءً لاَ يَنْقَطِعُ أَبَدًا بِسَبَبِ مَا اكْتَسَبُوهُ مِنْ كُفْرٍ وَآثَامٍ ، وَعَلَى مَا فَوَّتُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ فُرَصِ اكْتِسَابِ الحَسَنَاتِ ، وَعَمَلِ مَا يُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ .

فَإِذَا رَدَّكَ اللهُ تَعَالَى مِنْ غَزْوَتِكَ هَذِهِ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ المُنَافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ ( وَكَانُوا ، فِيمَا قِيلَ ، اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ) فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ مَعَكَ إِلَى غَزْوَةٍ أُخْرَى ، فَقُلْ لَهُمْ: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا ، وَذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ وَتَعْزِيزٌ ، وَلَنْ يَكُونَ لَكُمْ شَرَفُ صُحْبَتِي إِلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ أَبَدًا ، لأَنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِخِزْيِ الْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ دُعِيتُمْ فِيهَا إِلَى الجِهَادِ ، وَأَنْتُمْ لاَ عُذْرَ لَكُمْ يُبَرِّرُ هَذَا التَّخَلُّفَ ، فَاقْعُدُوا مَعَ الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الجِهَادِ ، مِنَ العَجَزَةِ وَالمَرْضَى وَالنِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ .

أَمَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ يَتَبَرَّأَ مِنَ المُنَافِقِينَ ، وَأَنْ لاَ يُصَلِّيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ ، وَأَنْ لاَ يَقُومَ عَلَى قَبْرِهِ دَاعِيًا مُسْتَغْفِرًا لَهُ ، لأنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ ، وَمَاتُوا عَلَى كُفْرِهِمْ . وَهَذا حُكْمٌ عَامٌ فِي كُلِّ نِفَاقٍ ، وَإِنْ كَانَتِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ فِي حَادِثَةٍ مُعَيَّنَةٍ هِي حَادِثَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ . وَلَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مُنَافِقٍ أَبَدًا .

فَلاَ يُثِرْ عَجَبَكَ مَا تَرَاهُمْ فِيهِ مِنْ وَفْرَةِ المَالِ ، وَكَثْرَةِ الأَوْلاَدِ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ فِيمَا أَعْطَاهُمْ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ مِنْهَا ، وَفِي الإِنْفَاقِ فِي الجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا يُوجِبُهُ الإِسْلاَمُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ يُمِيتُهُم اللهُ عَلَى الكُفْرِ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَشَدَّ نَكَالاَ لَهُمْ ، وَعَذَابًا فِي الدَّارِ الآخِرَةِ فَتَكُونَ الأَمْوَالُ وَالأَوْلاَدُ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ مِنَ اللهِ .

هؤلاء الذين أدركتهم ثقلة الأرض . ثقلة الحرص على الراحة ، والشح بالنفقة . وقعد بهم ضعف الهمة وهزال النخوة ، وخواء القلب من الإيمان . . هؤلاء المخلفون - والتعبير يلقي ظل الإهمال كما لو كانوا متاعًا يخلف أو هملًا يترك - فرحوا بالسلامة والراحة { خلاف رسول الله } وتركوا المجاهدين يلاقون الحر والجهد ، وحسبوا أن السلامة غاية يحرص عليها الرجال! { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } .. { وقالوا: لا تنفروا في الحر } وهي قولة المسترخي الناعم الذي لا يصلح لشيء مما يصلح له الرجال .

إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة ، وطراوة الإرادة؛ وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب ، وينفرون من الجهد ، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم ، ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز . وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات . ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات والأشواك ، لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان ، وأنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال .

والنص يرد عليهم بالتهكم المنطوي على الحقيقة: { وقالوا: لا تنفروا في الحر . قل: نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون } . .

فإن كانوا يشفقون من حر الأرض ، ويؤثرون الراحة المسترخية في الظلال . فكيف بهم في حر جهنم وهي أشد حرًا ، وأطول أمدًا؟ وإنها لسخرية مريرة ، ولكنها كذلك حقيقة . فإما كفاح في سبيل الله فترة محدودة في حر الأرض ، وإما انطراح في جهنم لا يعلم مداه إلا الله:

{ فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيرًا جزاء بما كانوا يكسبون } . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت