فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 139

يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنْ إِيذَاءِ قَوْمِهِ ، وَتَكْذِيبِهِمْ بِمَا يَقُصُّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ السَّابِقِينَ . وَيَبْدَأُ تَعَالَى بِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، فَيَقُولُ تَعَالَى: أَخْبِرْ يَا مُحَمَّدُ كُفَّارَ مَكَّةَ الذِينَ يُكَذِبُونَكَ خَبَرَ نُوحٍ مَعْ قَوْمِهِ الذِينَ كَذَّبُوهُ ، كَيْفَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ ، وَدَمَّرَهُمْ بِالغَرَقِ أَجْمَعِينَ ، وَلَيْحَذَرْ هَؤُلاَءِ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِنَ البَلاَءِ وَالهَلاَكِ وَالدَّمَارِ مَا أَصَابَ أُوْلَئِكَ .لَقَدْ قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ ثَقُلَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْنَكُمْ ( كَبُرَ ) ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْكُمْ تَذْكِيرِي إِيَّاكًُمْ بِآيَاتِ اللهِ ، وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ ، فَإِنِّي قَدْ وَكَّلْتُ أَمْرِي إِلَى اللهِ الذِي أَرْسَلَنِي ، وَاعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ ، وَإِنِّي لاَ أُبَالِي بِكُمْ ، وَلاَ أَكُفُّ عَنْكُمْ ، سَوَاءَ عَظُمَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي أَوْ لاَ ، فَاجْتَمِعُوا أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ ، مِنَ الأَصْنَامِ الذِينَ تَدْعُونَهُمْ ، وَلاَ تَتْرُكُوا أَمْرَكُمْ مُلْتَبَسًا عَلَيْكُمْ ( غَمَّةً ) ، بَلْ كُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ ، لِكَيْلا تَتَحَوَّلُوا عَنْهُ ، وَافْصِلُوا أَمْرَكُمْ مَعِيَ ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مُحِقُّونَ فَاقْضُوا إِلَيَّ ، وَافْعَلُوا مَا تَسْتَطِيعُونَ ، وَلاَ تُؤَخِرُونِي سَاعَةً وَاحِدَةً ( وَلاَ تُنْظِرُونَ ) . فَإِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنْ تَذْكِيرِي ، وَأَدْبَرْتُمْ عَنِ الطَّاعَةِ ( تَوَلَّيْتُمْ ) ، فَلاَ يَضُرُّنِي ذَلِكَ لأَنَّنِي لَمْ أَطْلُبْ مِنْكُمْ أَجْرًا عَلَى نُصْحِي لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَطْلُبُ الأَجْرَ مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ الذِي أَمَرَنِي بِأَن أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ، المُؤْمِنِينَ العَابِدِينَ القَائِمِينَ بِأَمْرِ رَبِّهِمْ .

وقال تعالى: وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) [يوسف/104]

وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لاَ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا عَلَى نُصْحِكَ لَهُمْ ، وَلاَ عَلَى دَعْوَتِكَ إِيَّاهُمْ إِلَى اللهِ ، وَإِلَى تَرْكِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ ، فَإْنَ لَمْ يَهْتَدُوا فَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ، وَسَيَهْدِي اللهُ قَوْمًا غَيْرَهُمْ ، فَمَا أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لَيْسَ إَلاَّ مَوْعِظَةً وَعِبْرَةً لِلْعِبَادِ .

وقال تعالى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) [الفرقان/57]

وقُلْ يا مُحمدُ لِمَنْ أُرْسِلَتْ إليهِم: أنَا لا أسْأَلُكُم أجْرًا على مَا جِئْتُكُمْ بِهِ عندِ رَبِّي ، لتقُولوا إنَّما يَدْعُونا لأَخْذِ أموالِنا ، ومِنْ ثَمَّ لا نَتَّبِعُهُ حَتَّى لا يكونَ لَهُ في أمْوالِنا مَطْمَعٌ . ولكنْ مَنْ شاءَ أنْ يَتقربَ إلى اللهِ تَعالى بالإِنْفاقِ في وُجوهِ الخيرِ والبِرِّ ، ويَتَّخِذَ ذلكَ سَبيلًا إلى رحمةِ اللهِ ، ونَيْلِ ثَوَابهِ فَلْيَفْعَلْ .

ــــــــــــ

الرسل دعوا على أقوامهم

قال تعالى: وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) [نوح/26-27]

وََقَالَ نُوحٌ بَعْدَ أَنْ يَئِسَ مِنْ صَلاَحِ قَوْمِهِ: رَبِّ لاَ تَدَعْ أَحَدًا مِنَ الكَافِرِينَ حَيًّا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ ، يُقِيمُ فِي دَارٍ فِيهَا .

فَإِنَّكَ يَا رَبِّ إِنْ أَبْقَيْتَ أَحَدًا مِنْهُمْ حَيًّا فَإِنَّهُمْ سَيَعْمَلُونَ عَلَى إِضْلاَلِ عِبَادِكَ . وَصَرْفِهِمْ عَنِ الهُدَى وَالإِيْمَانِ ، وَلاَ يَلِدُ هَؤُلاَءِ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ إِلاَّ كَفَرَةً فَجَرَةً مِنْ أَمْثَالِهِمْ .

فقد ألهم قلب نوح أن الأرض تحتاج إلى غسل يطهر وجهها من الشر العارم الخالص الذي انتهى إليه القوم في زمانه . وأحيانًا لا يصلح أي علاج آخر غير تطهير وجه الأرض من الظالمين ، لأن وجودهم يجمد الدعوة إلى الله نهائيًا ، ويحول بينها وبين الوصول إلى قلوب الآخرين . وهي الحقيقة التي عبر عنها نوح ، وهو يطلب الإجهاز على أولئك الظالمين إجهازًا كاملًا لا يبقي منهم ديارًا أي صاحب ديار فقال: { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك } . . ولفظة { عبادك } توحي بأنهم المؤمنون . فهي تجيء في السياق القرآني في مثل هذا الموضوع بهذا المعنى . وذلك بفتنتهم عن عقيدتهم بالقوة الغاشمة ، أو بفتنة قلوبهم بما ترى من سلطان الظالمين وتركهم من الله في عافيه!

ثم إنهم يوجدون بيئة وجوًا يولد فيها الكفار ، وتوحي بالكفر من الناشئة الصغار ، بما يطبعهم به الوسط الذي ينشئه الظالمون ، فلا توجد فرصة لترى الناشئة النور ، من خلال ما تغمرهم به البيئة الضالة التي صنعوها . وهي الحقيقة التي أشار إليها قول النبي الكريم نوح عليه السلام ، وحكاها عنه القرآن: { ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا } . . فهم يطلقون في جو الجماعة أباطيل وأضاليل ، وينشئون عادات وأوضاعًا ونظمًا وتقاليد ، ينشأ معها المواليد فجارًا كفارًا ، كما قال نوح . .

من أجل هذا دعا نوح عليه السلام دعوته الماحقة الساحقة . ومن أجل هذا استجاب الله دعوته ، فغسل وجه الأرض من ذلك الشر؛ وجرف العواثير التي لا تجرفها إلا قوة الجبار القدير .

وقال تعالى: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) [يونس/88]

بَعْدَ أَنْ أَعَدَّ مُوسَى قَوْمَهُ مَا اسْتَطَاعَ لِلْخُرُوجِ بِهِمْ مِنْ مِصْرَ ، وَغَرَسَ فِي قُلُوبِهِمْ الإيمَانَ ، وَالثِّقَةَ بِاللهِ ، وَحُبَّ العِزَّةِ وَالكَرَامَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ ، تَوَجَّهَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ أَنْ يُتِمَّ أَمْرَهُ ، وَدَعَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، لِمَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الكُفْرِ وَالعُتُوِّ وَالضَّلاَلِ ، وَلَمَّا رَفَضُوهُ مِنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ وَالهُدَى ، فَقَالَ: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنْ أَثَاثِ الدُّنْيا ، وَمَتَاعِهَا وَزُخْرُفِها ، وَمِنَ الأَمْوَالِ الجَزِيلَةِ ، فَكَانَتْ عَاقِبَةُ ذَلِكَ إِسْرَافَهُمْ فِي الضَّلاَلِ ، وَافْتِتَانِ الجَهَلَةِ بِمَا أَعْطَيتَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ إِذْ ظَنُّوا أَنَّكَ إِنَّمَا أَعْطَيْتَهُمْ هذا لأَنَّكَ تُحِبُّهُمْ . رَبَّنَا أَهْلِكْ أَمْوَالَهُمْ وَامْحَقْها ( اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ) ، وَاطْبَعْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، وَزِدْهَا قَسْوَةً حَتَّى لاَ تَلِينَ ، وَلاَ يَصِلَ إِلَيْهَا الإِيمَانُ ، لِيَسْتَحِقُّوا عَذَابَكَ الشَّدِيدَ .

{ ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا } . .ينشأ عنها إضلال الناس عن سبيلك ، إما بالإغراء الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الآخرين . وإما بالقوة التي يمنحها المال لأصحابه فيجعلهم قادرين على إذلال الآخرين أو إغوائهم . ووجود النعمة في أيدي المفسدين لا شك يزعزع كثيرًا من القلوب التي لا يبلغ من يقينها بالله أن تدرك أن هذه النعمة ابتلاء واختبار ، وأنها كذلك ليست شيئًا ذا قيمة إلى جانب فضل الله في الدنيا والآخرة . وموسى يتحدث هنا عن الواقع المشهود في عامة الناس . ويطلب لوقف هذا الإضلال ، ولتجريد القوة الباغية المضلة من وسائل البغي والإغراء ، أن يطمس الله على هذه الأموال بتدميرها والذهاب بها ، بحيث لا ينتفع بها أصحابها . أما دعاؤه بأن يشد الله على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ، فهو دعاء من يئس من صلاح هذه القلوب ، ومن أن يكون لها توبة أو إنابة . دعاء بأن يزيدها الله قسوة واستغلاقًا حتى يأتيهم العذاب ، وعندئذ لن يقبل منهم الإيمان؛ لأن الإيمان عند حلول العذاب لا يقبل ، ولا يدل على توبة حقيقية باختيار الإنسان .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت