فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 139

فَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُوسَى عِنْدَ آلِ فِرْعَوْنَ ، وَعَرَضُوا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ فَأَبَاهَا ، جَاءَتْ أُخْتُ مُوسَى ، وَقَالَتْ لآلِ فِرْعَوْنَ: هَلْ تُرِيدُونَ أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ، وَيُرْضِعُونَهُ؟ فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أُمِّهَا فَعَرَضَتْ ثَدْيَهَا عَلَى مُوسَى فَأَخَذَهُ ، فَفَرِحَ جَمَاعَةُ فِرْعَوْنَ فَرَحًا شَدِيدًا ، وَاسْتَأْجَرُوهَا لإِرْضَاعِهِ ، وَبِذَلِكَ قَرَّتْ عَيْنُهَا ، وَاطْمَأَنَّتْ عَلَى سَلاَمَةِ ابْنِهَا ، إِذْ أَصْبَحَ مَشْمُولًا بِرِعَايَةِ فِرْعَوْنَ وَزَوْجِهِ .

وَلَمَّا كَبُرَ مُوسَى ، وَجَدَ قِبْطِيًّا يَتَخَاصَمُ مَعَ إِسْرَائِيلِيٍّ ، فَضَرَبَ مُوسَى القِبْطِيَّ بِجُمْعِ يَدِهِ فَقَتَلَهُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِمَقْتَلِهِ ، ثُمَّ وُجَدَ ذَلِكَ الإِسْرَائِيلِيَّ يَتَخَاصَمُ مَعَ قِبْطِيٍّ آخَرَ فَاسْتَغَاثَ الإِسْرَائِيلِيُّ بِمُوسَى ، فَوَبَّخَهُ مُوسَى عَلَى شُرُورِهِ ، فَخَافَ الإِسْرَائِيلِيُّ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مُوسَى ، وَقَالَ لَهُ لَعَلَّكَ تُرِيدُ قَتْلِي كَمَا قَتَلْتَ القِبْطِيَّ يَوْمَ أَمْسِ . وَعَلِمَ فِرْعَوْنُ بِأَنَّ مُوسَى هُوَ قَاتِلُ القِبْطِيِّ فَهَرَبَ إِلَى مَدْيَنَ . وَلِبِثَ فِيهَا عَشْرَ سِنِينَ يَرْعَى الغَنَمَ فِيهَا لِشُعَيْبٍ .

ثُمَّ لَمَّا انْتَهَى الأَجَلُ سَارَ مُوسَى بِأَهْلِهِ ، وَفِي الطَّرِيقِ أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ رِسَالَتَهُ فِي الوَقْتِ المُقَدَّرِ .

حَدِيثُ الفُتُونِ:

وَسَأَلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الفُتُونِ الوَارِدِ فِي هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ لَهُ:

-أَمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ الذُّكُورِ مِنَ المَوْلُودِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَكَانَ رِجَالُهُ يَطُوفُونَ ، فَلاَ يَتْرُكُونَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ المَوْجُودِينَ فِي مِصْرَ وَلِيدًا ذَكَرًا إِلاَّ ذَبُحُوهُ ، وَلَمَّا خَافَ الأَقْبَاطُ أَنْ يَفْنَى بَنُو إِسْرَائِيلَ وَلاَ يَبْقَى لِلأَقْبَاطِ مَنْ يَخْدِمَهُمْ ، وَيَقُومُ بِالأَعْمَالِ الشَّاقَةِ لَدَيْهِمْ ، اسْتَقَرَّ رَأْيُ فِرْعَوْنَ عَلَى أَنْ يَذْبَحَ ذُكُورَ الأَطْفَالِ سَنَةً ، وَيَتْرُكَهُمْ سَنَةً . وَحَمَلَتْ أُمّ مُوسَى بِهِ فِي عَامٍ يَذْبَحُ فِيهِ الذَّكُورُ ، فَخَافَتْ عَلَيْهِ ، فَمَا دَخَلَ عَلَى مُوسَى وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، أَوْ مِمَّا يُرَادُ بِهِ هُوَ مِنَ الفُتُونِ .

-ثُمَّ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، وَخَافَتْ عَلَيْهِ فَقَذَفَتْهُ فِي اليَمِّ بِوَحْيٍّ مِنَ اللهِ ، فَلَمَّا اخْتَفَى عَنْهَا ابْنُهَا وَسْوَسَ لَهَا الشَّيْطَانُ ، فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: مَا صَنَعْتُ بِابْنِي ، لَوْ أَنَّهُ بَقِيَ عِنْدِي وَذُبِحَ فِي حِجْرِي لَوَارَيْتُهُ التُّرَابَ ، فَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْكُلُهُ دَوَابُّ البَحْرِ .

-وَلَمَّا التَقَطَهُ جَوَارِي امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ وَهُوَ فِي التَّابُوتِ حَمَلْنَهُ إِلَيْهَا ، فَلَمَّا فَتَحَتْهُ وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ أَحَبَّتْهُ ، بِوَحْيٍّ مِنَ اللهِ ، مَحَبَّةٍ كَبِيرَةٍ ، وَجَاءَهَا الذَّبَّاحُونَ لِيَذْبَحُوا مُوسَى ، وَذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ .

-فَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ اتْرُكُوهُ حَتَّى آتِي فِرْعَوْنَ فَأَسْتَوْهِبُهُ إِيَّاهُ ، فَإِنَّ هَذا الوَاحِدُ لاَ يَزِيدُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَإِنْ وَهَبَهُ لِي كُنْتُمْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ ، وَإِنْ أَمَرَ بِذَبْحِهِ لَمْ أَلُمْكُمْ ، فَأَتَتْ فِرْعَوْنَ فَقَالَتْ: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكْ . فَقَالَ فِرْعَوْنُ: قُرَّةُ عَيْنٍ لَكِ ، أَمَّا أَنَا فَلاَ حَاجَةَ لِي بِهِ .

-ثُمَّ عَرَضَتْهُ عَلَى المَرَاضِعِ فَأَبَاهَا ، وَأَصْبَحَتْ أُمُّ مُوسَى وَالِهًا فَقَالَتْ لابْنَتِهَا قُصِّي أَثَرَهُ فَبَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ فَعَرَفَتْهُ ، وَلَمَّا عَرَفَتْ أَنَّهُ رَفَضَ الرَّضَاعَ مِنَ المُرْضِعَاتِ ، تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَتْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ؟ فَقَالُوا وَمَا يُدْرِيكَ مَا نُصْحُهُمْ لَهُ؟ هَلْ تَعْرِفِينَهُ؟ حَتَّى شَكُّوا فِي أَمْرِهَا ، وَذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ .

ثُمَّ وَجَدَ مُوسَى رَجُلًا إِسْرَائِيلِيًّا يَتَخَاصَمُ مَعَ قَبْطِيٍّ فَاسْتَغَاثَ الإِسْرَائِيلِيُّ بِمُوسَى فَقَتَلَ القَبْطِيَّ ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ مَنْ قَتَلَهُ ، فَخَافَ مُوسَى عَلَى نَفْسِهِ . ثُمَّ وَجَدَ مُوسَى ذَلِكَ الإِسْرَائِيلِيُّ يَتَخَاصَمُ مَعَ قِبْطِيٍّ آخَرَ ، فَاسْتَاءَ مُوسَى مِنْ فِعْلِ الإِسْرَائِيلِيِّ ، فَقَالَ لَهُ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فَخَافَ الإِسْرَائِيلِيُّ أَنْ يَقْتُلَهُ مُوسَى ، فَقَالَ لَهُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ؟ فَعَرَفَ القِبْطِيُّ أَنَّ مُوسَى هُوَ الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيُّ الآخَرَ ، فَذَهَبَ إِلَى فِرْعَوْنٍ يُعْلِمُهُ بِمَا سَمِعَ ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ مُوسَى ، وَأَرْسَلَ الذَّبَّاحِينَ يَبْحَثُونَ عَنْهُ ، وَسَمِعَ رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ مُوسَى بِمَا أَمَرَ بِهِ فِرْعَوْنُ ، فَأَسْرَعَ إِلَى مُوسَى يُخْبِرُهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ فِرْعَوْنُ ، فَهَرَبَ مُوسَى إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ ، وَهَذا مِنَ الفُتُونِ أَيْضًا .

وَبَقِيَ مُوسَى عَددًا مِنَ السِّنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ يَرْعَى الغَنَمَ لِصِهْرِهِ ، حَتَّى انْقَضَتْ المُدَّةُ التِي اتَّفَقَا عَلَيْهَا ، ثُمَّ جَاءَ فِي الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ وَأَرَادَتْهُ مَشِيئَتُهُ تَعَالَى ، مِنْ غَيْرِ مِيعَادٍ ، لِيَجْعَلَهُ رَسُولًا .

وَاخْتَرْتُكَ لإِقََامَةِ حُجَّتِي ، وَاصْطَفَيْتُكَ بِرِسَالَتِي وَبِكَلاَمِي ، فَصِرْتَ أَشْبَهُ بِمَنْ يَرَاهُ المَلِكُ أَهْلًا لِكَرَامَتِهِ ، فَيُقَرِّبُهُ وَيَجْعَلُهُ مِنْ خَوَاصِّهِ .

إن موسى عليه السلام ذاهب لمواجهة أقوى ملك في الأرض وأطغى جبار . إنه ذاهب لخوض معركة الإيمان مع الطغيان . إنه ذاهب إلى خضم من الأحداث والمشكلات مع فرعون أول الأمر؛ ثم مع قومه بني إسرائيل وقد أذلهم الاستعباد الطويل وأفسد فطرتهم ، وأضعف استعدادهم للمهمة التي هم منتدبون لها بعد الخلاص . فربه يطلعه على أنه لن يذهب غفلًا من التهيؤ والاستعداد . وأنه لم يرسل إلا بعد التهيئة والإعداد . وأنه صنع على عين الله منذ زمان ، ودرب على المشاق وهو طفل رضيع . ورافقته العناية وسهرت عليه وهو صغير ضعيف . وكان تحت سلطان فرعون وفي متناوله وهو مجرد من كل عدة ومن كل قوة فلم تمتد إليه يد فرعون ، لأن يد القدرة كانت تسنده ، وعين القدرة كانت ترعاه .

في كل خطاه . فلا عليه اليوم من فرعون ، وقد بلغ أشده . وربه معه . قد اصطنعه لنفسه ، واستخلصه واصطفاه .

{ ولقد مننا عليك مرة أخرى } . . فالمنة قديمة ممتدة مطردة ، سائرة في طريقها معك منذ زمان . فلا انقطاع لها إذن بعد التكليف الآن .

لقد مننا عليك إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى ، وألهمناها ما يلهم في مثل حالها . . ذلك الإلهام: { أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل } . .حركات كلها عنف وكلها خشونة . . قذف في التابوت بالطفل . وقذف في اليم بالتابوت . وإلقاء للتابوت على الساحل . . ثم ماذا؟ أين يذهب التابوت المقذوف فيه بالطفل المقذوف في اليم الملقى به على الساحل . من يتسلمه؟ { عدو لي وعدو له } .وفي زحمة هذه المخاوف كلها . وبعد تلك الصدمات كلها . ماذا؟ ما الذي حدث للطفل الضعيف المجرد من كل قوة؟ ما الذي جرى للتابوت الصغير المجرد من كل وقاية؟

{ وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } !!!

يا للقدرة القادرة التي تجعل من المحبة الهينة اللينة درعًا تتكسر عليها الضربات وتتحطم عليه الأمواج . وتعجز قوى الشر والطغيان كلها أن تمس حاملها بسوء؛ ولو كان طفلًا رضيعًا لا يصول ولا يجول بل لا يملك أن يقول . .

إنها مقابلة عجيبة في تصوير المشهد . مقابلة بين القوى الجبارة الطاغية التي تتربص بالطفل الصغير ، والخشونة القاسية فيما يحيط به من ملابسات وظروف . . والرحمة اللينة اللطيفة تحرسه من المخاوف ، وتقيه من الشدائد وتلفه من الخشونة ، ممثلة في المحبة لا في صيال أو نزال: { ولتصنع على عيني } . . وما من شرح يمكن ان يضيف شيئًا إلى ذلك الظل الرفيق اللطيف العميق الذي يلقيه التعبير القرآني العجيب: { ولتصنع على عيني } وكيف يصف لسان بشري ، خلقًا يصنع على عين الله؟ إن قصارى أي بشري أن يتأمله ويتملاه . . إنها منزلة وإنها كرامة أن ينال إنسان لحظة من العناية . فكيف بمن يصنع صنعًا على عين الله؟ إنه بسبب من هذا أطاق موسى أن يتلقى ذلك العنصر العلوي الذي تلقاه

ولتصنع على عيني . تحت عين فرعون عدوك وعدوي وفي متناول يده بلا حارس ولا مانع ولا مدافع . ولكن عينه لا تمتد إليك بالشر لأني القيت عليك محبة مني . ويده لا تنالك بالضر وأنت تصنع على عيني .

ولم أحطك في قصر فرعون ، بالرعاية والحماية وأدع أمك في بيتها للقلق والخوف . بل جمعتك بها وجمعتها بك: { إذ تمشي أختك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟ فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن } . .

وكان ذلك من تدبير الله . إذ جعل الطفل لا يقبل ثدي المرضعات . وفرعون وزوجه وقد تبنيا الطفل الذي ألقاه اليم بالساحل مما لا يفصله السياق كما يفصله في موضع آخر يبحثان له عن موضع .فيتسامع الناس وتروح أخت موسى بإيحاء من أمها تقول لهم: هل أدلكم على من يكفله؟ وتجيء لهم بأمه فيلقم ثديها . وهكذا يتم تدبير الله للطفل وأمه التي سمعت الإلهام فقذفت بفلذة كبدها في التابوت ، وقذفت بالتابوت في اليم ، فألقاه اليم بالساحل . ليأخذه عدو لله وله ، فيكون الأمن بإلقائه بين هذه المخاوف ، وتكون النجاة من فرعون الذي كان يذبح أطفال بني إسرائيل . بإلقائه بين يدي فرعون بلا حارس ولا معين!

ومنة أخرى: { وقتلت نفسا فنجيناك من الغم ، وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى . واصطنعتك لنفسي } . .ذلك حين كبر وشب في قصر فرعون ، ثم نزل المدينة يومًا فوجد فيها رجلين يقتتلان أحدهما إسرائيلي والآخر مصري ، فاستعانه الإسرائيلي فوكز المصري بيده فخر صريعًا . ولم يكن ينوي قتله إنما كان ينوي دفعه . فامتلأت نفسه بالغم على هذه الفعلة وهو المصنوع على عين الله منذ نشأته؛ وتحرج ضميره وتأثم من اندفاعه . . فربه يذكره هنا بنعمته عليه ، إذ هداه إلى الاستغفار فشرح صدره بهذا ونجاه من الغم . ولم يتركه مع هذا بلا ابتلاء ليربيه ويعده لما أراد؛ فامتحنه بالخوف والهرب من القصاص؟ وامتحنه بالغربة ومفارقة الأهل والوطن؛ وامتحنه بالخدمة ورعي الغنم ، وهو الذي تربى في قصر أعظم ملوك الأرض ، وأكثرهم ترفًا ومتاعًا وزينة . .وفي الوقت المقدر . عندما نضج واستعد ، وابتلي فثبت وصبر؛ وامتحن فجاز الامتحان . وتهيأت الظروف كذلك والأحوال في مصر ، وبلغ العذاب ببني إسرائيل مداه . .في ذلك الوقت المقدر في علم الله جيء بموسى من أرض مدين ، وهو يظن أنه هو جاء: { فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى } جئت في الوقت الذي قدرته لمجيئك . . { واصطنعتك لنفسي } خالصًا مستخلصًا ممحضًا لي ولرسالتي ودعوتي . . ليس بك شيء من هذه الدنيا ولا لهذه الدنيا . إنما أنت للمهمة التي صنعتك على عيني لها واصطنعتك لتؤديها . فما لك في نفسك شيء . وما لأهلك منك شيء ، وما لأحد فيك شيء . فامض لما اصطنعتك له

وقال تعالى:أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) (الضحى6-11)

أَلَمْ تَكُنْ يَتِيمًا لاَ أَبَ لَكَ وَلاَ أُمَّ يَهْتَمّانِ بِأَمْرِكَ ، وَيعْتَنِيَانِ بِشُؤُونِكَ ، فَتَعَهَّدَكَ رَبُّكَ وَمَا زَالَ يَحْمِيكَ وَيَتَعَهَّدُكَ بِرِعَايَتِهِ حَتَّى بَلَغَتْ ذُرْوَةَ الكَمَالِ الإِنْسَانِي؟

وَوَجَدَكَ حَائِرًا مُضْطَرِبًا فِي أَمْرِكَ ، إِذْ وَجَدْتَ قَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ فِي عِبَادَتِهِمْ وَمُعْتَقَدِهِمْ ، فَهَدَاكَ إِلَى الحَقِّ ، وَاخْتَصَّكَ بِرِسَالَتِهِ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ وَحْيَهُ؟

وَكُنْتَ فَقِيرًا لَمْ يَتْرُكَ لَكَ وَالِدَاكَ شَيئًَا تَعِيشُ بِهِ فَأَنْجَاكَ اللهُ مِنَ الفَقْرِ وَأَغْنَاكَ . وَلِذَلِكَ كَانَ عَلَيْكَ أَنْ لاَ تَقْهَرَ اليَتِيمَ وَتَسْتَذِلَّهُ ، بَلِ ارْفَعْ مِنْ شَأْنِهِ بالأَدَبِ ، وَهَذَّبْ نَفْسَهُ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ لِيَكُونَ عُضْوًا نَافِعًا فِي جَمَاعَتِكَ ، وَمَنْ ذَاقَ مَرَارَةَ اليُتْمِ وَالضَّيقِ فِي نَفْسِهِ ، فَمَا أَجْدَرَهُ بِأَنْ يَسْتَشْعِرَهَا فِي غَيْرِهِ . وَلاَ تَزْجُرْ سَائِلًا مُسْتَجْديًا يَطْلُبُ مِنْكَ إِحْسَانًا بَلْ تَفَضَّلْ عَلَيْهِ بِشَيءٍ ، وَأَحْسِنْ مُخَاطَبَتَهُ . وَأَوْسِعْ فِي البَذْلِ عَلَى الفُقَرَاءِ ، وَأَفِضْ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى طَالِبِيهَا ، وَاشْكُرِ اللهَ عَلَى نِعَمِهِ بِإِظْهَارِ نِعَمِهِ عَلَيْكَ ، وَبِالحَدِيثِ عَنْهَا .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت