فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 139

واذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَومِكَ قِصَّةَ أَبيهِمْ إِبراهِيمَ عَليهِ السَّلامُ إِذْ آتاهُ اللهُ رُشْدَهُ مُنْذُ صِغْرِهِ ، فَكَمُلَ عَقْلُهُ ، وأَخَذَ في دَعْوَةِ قَوْمِهِ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَإِلى الإِخْلاَصِ فِي تَقوَى اللهِ في السِّرِّ والعَلَنِ . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ إِنَّ الإِيمَانُ خَيْرٌ سلهُم مِنَ الكُفْرِ إِنْ كَانُوا مِنْ ذَوِي العِلمِ والفَهْمِ ، وإِنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بهِ فَازُوا بالخَيرِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ .

إِنَّكُمْ لاَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِلا تَمَاثِيلَ مِنْ حِجَارَةٍ تَنْحِتُونَهَا أَنْتُمْ ، وتَخْتَلِقُونَ الكَذِبَ فَتُسَمُّونَها آلهَةً ، وهذِهِ التَّماثِيلُ لا تُمْلِكُ لَكُمْ ولا لأَنْفُسِها ضَرًّا وَلا نَفْعًا ، وَلا تَسْتَطيعُ رِزْقَكُمْ ولا رِزْقَ أَنْفُسِهَا ، والرَّازِقُ هُوَ اللهُ ، فاطْلٌبُوا الرِّزْقَ مِنَ اللهِ ، وكُلوا مِنْ رِزْقِ اللهِ واعبُدُوهُ واشْكُرُوا لهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بهِ عَلَيكُم ، واعْلَمُوا أَنَّكُمْ سَتَرجِعُونَ إِليهِ يَومَ القِيامةِ فَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى أعْمَالِكُمْ ، وَيَجِزِيكُمْ بِهَا .

وَقَالَ إِبراهِيمُ ، عَلَيهِ السَّلامُ ، مُتَابِعًا نُصْحَ قَوْمِهِ: إِنَّكُمْ إِنْ كَذَّبْتُمْ رَسُولَكُمْ فَقَدْ كَذَّبَتْ أُمَمٌ أُخْرَى قَبْلَكُمْ رُسُلَهَا ، وَقَدْ بَلَغَكُمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ الهَلاَكِ والدَّمَارِ ، وَكَيفَ أَخَذَهُُ اللهُ بِعَذَابِهِ ، وَمَهَمَّةُ الرَّسُولِ هيَ إِبْلاغُ النَّاسِ مَا أَمَرهُ رَبُّهُ بإِبلاغِهِ إِليهِمْ فَاحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا مِنَ السُّعَدَاءِ المُستَجٍِيبِينَ لأَمرِ اللهِ .

{ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } . .وفي هذا التعقيب ما يحفزهم إلى نفي الجهل عنهم ، واختيار الخير لأنفسهم . وهو في الوقت ذاته حقيقة عميقة لا مجرد تهييج خطابي!

وفي الخطوة الثالثة بين لهم فساد ما هم عليه من العقيدة من عدة وجوه: أولها أنهم يعبدون من دون الله أوثانًا والوثن: التمثال من الخشب وهي عبادة سخيفة ، وبخاصة إذا كانوا يعدلون بها عن عبادة الله . . وثانيها: أنهم بهذه العبادة لا يستندون إلى برهان أو دليل ، وإنما يخلقون إفكًا وينشئون باطلًا ، يخلقونه خلقًا بلا سابقة أو مقدمة ، وينشئونه إنشاء من عند أنفسهم بلا أصل ولا قاعدة . . وثالثها: أن هذه الأوثان لا تقدم لهم نفعًا ، ولا ترزقهم شيئًا: { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقًا } . .وفي الخطوة الرابعة يوجههم إلى الله ليطلبوا منه الرزق . الأمر الذي يهمهم ويمس حاجتهم: { فابتغوا عند الله الرزق } . . والرزق مشغلة النفوس ، وبخاصة تلك التي لم يستغرقها الإيمان . ولكن ابتغاء الرزق من الله وحده حقيقة لا مجرد استثارة للميول الكامنة في النفوس .وفي النهاية يهتف بهم إلى واهب الأرزاق المتفضل بالنعم ، ليعبدوه ويشكروه: { واعبدوه واشكروا له }

وأخيرًا يكشف لهم أنه لا مفر من الله ، فمن الخير أن يثوبوا إليه مؤمنين عابدين شاكرين: { إليه ترجعون } . .فإن كذبوا بعد ذلك كله فما أهون ذلك! فلن يضر الله شيئًا ، ولن يخسر رسوله شيئًا . فقد كذب الكثيرون من قبل ، وما على الرسول إلا واجب التبليغ: { وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين } . .

وهكذا يأخذهم خطوة خطوة ، ويدخل إلى قلوبهم من مداخلها ، ويوقع على أوتارها في دقة عميقة ، وهذه الخطوات تعد نموذجًا لطريقة الدعوة جديرًا بأن يتملاه أصحاب كل دعوة ، لينسجوا على منواله في مخاطبة النفوس والقلوب .

ـــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت