فليكن صاحبك من إذا مَدَدْتَ يدك بخير مدّها، وإن رأى منك حسنةً عدّها، وإنْ رأى سيئة سدّها، وإن سألتَه أعطاك، وإن نزلَت بك نازلةٌ واساك، وإن قلتَ صدّق قولَك،
وإن تنازعْتما آثرك.
ليكن كصاحب المسك لا كنافخ الكِيْر [1] ، ليكن ممن يَنْتَقي أطايبَ الكلام كما يُنتقى أَطَايِبُ التمر [2] .
ولكنْ!(لا تقوم الساعة حتى يُعِزَّ الله فيه ثلاثًا: درهمًا من حلال، وعلمًا مستفادًا،
وأخًا في الله) [3] ؛ فـ (الناس كالإبل المِئَة لا تكاد تَجِد فيها راحلة) [4] ؛ لذا كانت [الوَحدة خيرٌ من جليس السوء] [5] ؛ لأن مصاحبَة المُقَصِّر أو الفاسق كمصاحبة الأفعى لا تدري متى تُؤذيْك؟!
فاخْتَرْ إخوانك، ولا تَدَعِ الظروف هي التي تختار لك، فإنْ أبَيْتَ فحسبي أن أقول ما قاله جبريل الأمين عليه السلام: (أَحْبِب مَن شئتَ؛ فإنك مُفارقه) [6] .
ألا ترى معي أن كلَّ مؤلِّف تقرأ له يترك في تفكيرك مَسارِبَ وأَخاديد؟!
إذًا لا تقرأ إلا لِمَن عَرفْتَه: بصدقٍ في الاتباع، وإخلاصٍ في القول والعمل، وحُرقةٍ لإعلاء هذا الدين، وحكمةٍ في طرح وجهة النظر في الزمان والمكان، وقُلْ مِثْلَ ذلك في الاستماع؛ لأن"هذا العلم دينٌ فانظروا عمّن تأخذون دينَكم" [7] .
وهل يُرجى لأطفال كمالٌ ... إذا رَضَعوا ثُدِيَّ الناقِصات؟!
كلُّ هذا لكيلا تَعَضَّ على يديك قائلًا: {يا وَيْلَتَى!! ليتني لم أتّخِذْ فلانًا خليلًا} .
(1) - إشارة إلى ما في البخاري (مثَل الجليس الصالح و الجليس السوء كمثل صاحب المسك و كِيْر الحدّاد، لا يَعْدَمك من صاحب المسك إما أن تشتريَه أو تجدَ ريحه، وكِيْر الحدّاد يُحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحًا خبيثة) .
(2) - إشارة إلى حديث عند الطبراني في صفة من يُغْبَطون يوم القيامة: ( ... يجتمعون على ذكر الله فيَنتقون أطايب الكلام كما يَنتقي آكل التمر أطايبَه) قال الهيثمي: رجاله موثقون، وقال المنذري: إسناده مقارب لا بأس به، وضعفه الألباني.
(3) - أخرجه"الحسن بن عرَفة"في"جزئه"ورجاله ثقات مُحْتَجٌّ بهم إلا"رَوْح بن صلاح"فيه ضَعْفٌ، ومنهم من قَوّاه، وهو عند الدَّيْلَمي.
(4) - متفق عليه.
(5) - لا يصح مرفوعًا كما قال الذهبي، ولم يصححه الحاكم، قال ابن حجَر: سنده حسن، والمحفوظ أنه موقوف على أبي ذرّ أو أبي الدرداء اهـ.
(6) - المنذري والعراقي: إسناده حسن، وحسنه الألباني.
(7) - مسلم من كلام ابن سيرين رحمه الله.