فالأولَ، وتَبقى حُثالةٌ ـ أو حُفالة ـ كحُثالة الشعير أو التمر، لا يُباليْهم الله تعالى بالَةً) [1] .
فلا تكن هَشًَّا في مبادئك مِمَّنْ"طَبْلٌ يَجمعهم، وعَصًا تُفَرِّقُهم"، ولا تَشُكَّنَّ في دَرْبك أو فكرتك لقلة السالكين [2] ؛ لأن الباطلَ على مَرِّ العصور أكثرُ تَبَعًا، {وإن تُطِعْ أكثرَ مَن في الأرض يُضِلُّوك عن سبيل الله} .
والغريبُ حقًا أن كثيرًا مِمن يُحْسِنون السباحة في بَحر الدعوة غَفَلوا عن هذا فَغَرِقوا لِتَشَنُّج عضلات الأمل بحامض اليأس، بَيْدَ أنّ سفينة الإيمان نَجَتْ؛ لأن مَن عَمُقَ إيمانُه فهيهات أن تُعَكِّر طُمأنينتَه بالله تَمَوُّجاتُ الحياةِ السطحية.
ولعلك لا تَفْتَأ تسألني: علامَ غُثائيّة المحصول؟! {قل: هو مِن عِند أنفسكم} ،
{وما أصابكم من مصيبة فبِما كَسَبَتْ أيديكم ويَعفو عن كثير} .
فـ (ما أنكرتم من زمانكم فبما غَيَّرْتم من أعمالكم، فإن يَكُ خيرًا فواهًا واهًا، وإن يك شرًا فآهًا آهًا ... ) [3] ، والحلُّ: {إن الله لا يُغَيِّر ما بقوم حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم} ، وعلى رأس المعاصي ترك ما أمرنا الله به {وأعدُّوا لهم ما استطعتُم من قوة} .
ولكن الطريق طويلة:
{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولَمّا يعلمِ الله الذين جاهدوا منكم ويعلمَ الصابرين} ،
ولا بُدَّ للمجتمع من ميلاد، ولا بُدَّ للميلاد من مَخاض، ولا بُدَّ للمَخاض من ألم، فمِن أجْلِك يا فَجْرَ الإسلام كم تَحْلُو في الدرب الآلام!
والصبرُ على ثلاثة أقسام: صبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى البَلِيَّة؛ فإذا أُصِبْتَ بمكروه
(1) - البخاري.
(2) - قال نحوها الفُضيل بن عِياض رحمه الله فيما نقله النووي في أذكاره:"اتّبِعْ طُرُقَ الهدى، ولا يضرّك قلّةُ السالكين، واياك وطرقَ الضلالة، ولا تغترّ بكثرة الهالكين".
(3) - الهيثمي: الطبراني بإسناد حسن، قال في النهاية:"وَاهًا"قِيل: معنى هذه الكلمة التَّلَهُّف، وقد تُوضع مَوْضع الإعجاب بالشيء يقال: وَاهًا لَه، وقد تَرِدُ بمعنى التَّوَجّع، وقيل: التَّوَجّع يقال فيه: آهًا، ومنه حديث ... وذكر هذا الحديث اهـ وأورده في"عون المعبود"ساكتًا، لكن الزَّبيدي في"شرح الإحياء"نقل عن ابن عساكر: غريب اهـ، وهو في"الزهد الكبير"للبيهقي، و"السنن الواردة في الفتن"للداني، و"الحِلية"لأبي نُعيم.