{فاصبِر كما صبر أُولُوا العزم من الرسل} ؛ لأنه أكثرُ خُلُقٍ أعاده القرآن، ورَدِّدْ مع
زوابع الزمان:
(هل أنتِ إلا إصْبَعٌ دَمِيْتِ ... وفي سبيل الله ما لَقِيْتِ) [1] ؛
لأن (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثلُ فالأمثل، يُبْتَلى الرجل على حسَب دينه، فإذا كان في دينه صُلْبًا اشتدَّ بلاؤه، وإنْ كان في دينه رِقَّةٌ ابتُلِيَ على قَدْر دينه، فما يَبْرَح البلاء بالعبد حتى يَتركَه يَمْشي على الأرض وما عليه خطيئة) [2] ، وحلاوةُ الأجر تُذْهِبُ مرارةَ الصبر.
وتدبَّر هذه الآية علَّك ترتاح: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون} ، لكنْ مع الفارق الجوهري: {وتَرْجُون من الله ما لا يَرْجون} .
وها هو ربكم الكريم يُواسينا {ولا تَهِنوا ولا تَحْزَنوا وأنتم الأعلَوْنَ إن كنتم مؤمنين} ،
{إنّ الذين كفروا يُنفقون أموالَهم لِيَصُدّوا عن سبيل الله، فَسَيُنْفِقونها ثم تكونُ عليهم حَسْرةً ثم يُغْلَبون} .
فإذا كنتَ تُحِبُّ أن تَندرج تحت مظلة: (مِن أَشَدِّ الناس لي حبًا ناسٌ يكونون بعدي، يَوَدُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله) [3] فاستعدَّ لعاصفةِ: (إن البلايا أسرعُ إلى مَن يُحِبُّني من السيلِ إلى مُنتهاهُ) [4] .
وليس في الأمر غَرابة! فـ (إن الصالحين يُشَدَّدُ عليهم، وإنه لا يُصِيْبُ مؤمنًا نَكْبةٌ من شَوكة فما فوقَ ذلك إلا حُطَّتْ بها عنه خطيئة، ورُفِعَ بها درجةً) [5] ، و (إنما مَثَلُ العبد المؤمن حين يُصيبه
(1) - البخاري، قالها (لما دَمِيَتْ إصبَعُه في إحدى المشاهد، وقال الحافظ:"هذان قسمان من رَجَز، والتاء في آخرهما مكسورة على وَفق الشعر، وجزم الكرماني بأنهما في الحديث بالسكون، وفيه نظر، وزعم غيره أن النبي صلى الله عليه وسلم تعمَّد إسكانهما ليُخرج القسمين عن الشعر وهو مردود؛ فإنه يصير من ضربٍ آخر من الشعر وهو من ضروب البحر الملقب الكامل، وفي الثاني زحاف جائز، قال عِياض: وقد غَفَل بعض الناس فروى دَمِيَتْ ولَقِيَتْ بغير مدٍّ فخالف الرواية ليَسْلم من الإشكال فلم يُصِبْ".
(2) - البخاري وغيره.
(3) - مسلم.
(4) - الترمذي: حسن غريب، وضعفها الألباني لكنه حسّن رواية ابن حبان.
(5) - أحمد والطبراني والحاكم ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي رجاله ثقات، وحسنه الألباني.