واتخذت هذه الحرب صورًا وأشكالا وأساليب متعددة، منها الحرب السافرة التي تطعن في صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وتصوره علاقة قلبية بين العبد وربه ليس له أية صلة بواقع الحياة المعاش.
ومنها الحرب المبطنة .. التي ظاهرها الطعن في الأشخاص والدعاة والمصلحين والهيئات والجماعات الإسلامية وباطنها حرب الدين نفسه وطمس معالم الدين وعقائده.
أو بإشاعة الفاحشة ونشر الفسق والمجون في الجماهير حتى صارت هذه الوسائل تغذي عقول المسلمين الرقص وتعشّيها الموسيقى والغناء والتمثيل ..
وليست هذه الحرب الإعلامية الشرسة على الدعوة ورجالها - اليوم- ببدعٍ من الحروب بل هي حرب قديمة قدم هذه الدعوة .. قديمة بالعداء الفطري والصراع الجِبِلِّي بين الحق والباطل، وهي جديدة بوسائلها وأساليبها الحديثة.
إنها حرب أبي لهب، وأسلوب أبي لهب، يوم كان سائرًا في مكة خلف النبي صلى الله عليه وسلم محذرًا من الدعوة قائلًا: (هذا ابن أخي لا تصدقوه) ، مستغلًا للرحم والقرابة في التنفير عن الحق، ويسير على خطى أبي لهب اليوم جيوش من مرتزقة الأخبار والدعاة بأسلوب الشياطين حين يسترقون السمع من السماء فيظفرون بكلمة ويزيدون عليها مائة كذبة .. أسلوب يفسر المعجزة بالسحر والجرأة بالجنون .. والثقة بالغرور .. ويفسر الدعوة بالرغبة في السلطة ويعلل الصحوة الإسلامية بالظروف الاقتصادية كما قال هرقل لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما أخرجكم إلا الجوع) ، وكما قال قوم نوح لنوح عليه السلام يتهمونه بحب الشهرة: (ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ... الآية) .
انه أسلوب الكلمة المكذوبة المشاعة المكررة التي تشوش صفاء العقول وتمحو اثر الفطرة والدين وتخلق من الإنسان عدوًا لنفسه ولدينه.
أسلوب يقتصر على منطق واحد ورأي واحد وفكرة واحدة، فلا يسمحون لداعية أن يخاطب الأمة إلا إذا كان طبلًا من طبول السلطة، مسبحًا بحمدها فلا فرصة لمناقشة ولا سبيل إلى إقناع.
(وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) ، وعندما يكون الموقف مرتبطًا بالسياسة الجاهلية العالمية - كما هو الواقع اليوم - وتصل محاربة الدعوة في بلدٍ من هذه البلاد إلى المستوى القومي، تصبح مقاومة هذا المد في كل مكان ودون اعتبار لاختلاف النظم والقوانين والحدود .. بل يصبح التدخل في شؤون الدول الداخلية أمرًا عاديًا تقليديًا لا يثير الحساسية، ولا يفسر بأنه انتهاك للسيادة الوطنية.
ولهذا لم ترفض قريش أن يتدخل - إبليس- في صورة شيخ من مشايخ نجد مشيرًا على قبائل مكة باجتماع فتيانهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليتفرق دمه بين القبائل .. رغم أن المشكلة قرشية والنبي صلى الله عليه وسلم قرشي والمؤتمر منعقد في قريش.
وتعتمد وسائل الإعلام في حربها للدعوة على - التكرار- وهو من اخطر أساليب الدعاية والتوجيه، وهدف التكرار الاطمئنان إلا أن الأمر قد استقر في أذهان الناس بصورة عميقة وطويلة الأمد، فتستغل كل حدث للتنفير من الدعوة والدعاة وتصويرهم في اقبح صورة، ولو نظرت إلى صور المقبوض عليهم