اسمع يا تاريخ وتأمل يامسلم، وتنبه يا غافل، هاهم صناديد الكفر وأعلام الإلحاد ورؤوس الردة تجمعوا بقضهم وقضيضهم يكيدون، بالأمس أبو جهل وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة، واليوم أبناؤهم وحفدتهم غير أن رائد أولئك كان ذاك الشيخ النجدي [1] أما حفدتهم اليوم فكلهم رواد وكلهم أولى بالكيد والمكر من صاحبه، وبالأمس كان يشير عليهم فيستمعون بآذان صاغية وأبصار خاشعة، واليوم يشير كلٌ على صاحبه متعجبًا: أهؤلاء هم أبنائي ورفاقي؟ اني إذا لَبِخير، وصار حالهم كحال القائل؛
وكنت امرأً من جند إبليس فارتقى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحدثت بعده ... طرائق فسقٍ ليس يحسنها
الله اكبر .. إنها السنن .. الله اكبر .. انه النصر، هاهو التاريخ يعيد نفسه، وإلا فقل لي بربك في أي وقت وعلى أي حال تكالبت قريش وكادوا كيدهم واجمعوا أمرهم؟ أليس بعد أن شب عود الإسلام وظهر أمره وكثر اتباعه وأنصاره، عندها أحسّ أصحاب المناصب وأهل الوجاهات بشرخ حصونهم وتصدع قلاعهم، وذهاب ملكهم، وعندها أخذوا في فتل حبائل الكيد والتربص والالتفاف .. ولكن على من؟ على ذلك الشبل الفتي.
واليوم يعلم القاصي والداني، والصديق والعدو أن الشبل بدأ يشب وأن الشرخ في العرين قد انسد، وأن غفلته فيما مضى كانت غفلة غفل عنها، وسهوة سهى عنها.
لقد كانت البقرة صاحبة المجلس، فنادت بالجمع، فكان من بين من شارك الحرباء والوزغ فكان من قوله للجمع: (إن لي ثقلًا من سِمن، هو ورثة ابن عن أب، فنعم الموروث لنعم الوارث يا أهل الفطن، قد ادخرته لمثل هذا اليوم، فالحل عندي هو أن تخلّوا بيني وبينه لأرفسه رفسًا تحت قدمي حتى أفتق أمعاءه فتقًا، لتزهق روحه زهقًا، فلا رحمة تأخذني فيه ولا شفقة، فقد بلغ السيل الزبى، وتمادى فينا كل التمادي) .
(1) الشيخ النجدي: هو إبليس - لعنه الله - حيث حضر اجتماع كبار كفار قريش في صورة الشيخ النجدي في دار الندوة، وقد صوب رأي أبي جهل في قتل النبي صلى الله عليه وسلم.