فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 163

سأل الجدار المسمار؛ لِمَ تشقني؟ قال؛ سل من يدقَني!

بقلم الشيخ الشهيد

صالح عبد السيد، أبي يحيى الليبي

قد لا يستغرب الإنسان عندما يرى البنَّاء يرفع جدار بِنائه لبنة لبنة .. يساوي بين هذه وتلك .. يهيئ الأولى لاستقبال الثانية ويضع الثانية عندما يرى أن مكانها قد أعد .. وقد لا يستغرب الإنسان أيضا عندما يرى هذا البنَّاء يترك بعض اللبنات القريبة من متناول يده ويتجه إلى أخرى أبعد .. فيرفع هذه ثم يضعها أرضا .. والتي بجانبها لا تحظى منه اهتمام، وكأن حمله للأولى كفاه مؤنة حمله لها .. وثالثة سليمة المظهر فيحملها بين يديه من بين ذلك العدد المتراكم من اللبنات .. ويخلص بها إلى حيث المكان المعد .. ولكن مع استقامة المكان المعد يظهر له اعوجاج تلك اللبنة فيحاول رفعها .. فتترك في ذلك المكان أثرا وذلك لما احتملته بطرفها من مواد التماسك الموضوعة لربط لبنات البناء، فيمسكها البنّاء بحذر ويحاول إبعادها عن متناول يده، حتى لا يتكرر لها اختيار، ويعود دون أن يحمل في يديه لبنة كي يهيئ المكان من جديد لاستقبال لبنة جديدة .. ثم يقف وكأنه شعر أن شروط الاختيار قد أضيف لها شرط آخر .. وكأنه شعر أن الاختيار اصبح مهمة لها ما بعدها .. وأن عليه أن يحسن الاختيار .. وعليه أن يدرك الاعوجاج في تلك اللبنات قبل وضعها حتى لا تتكرر التجربة ويتحمل بناؤه الآثار.

فشريط تجاربه وذكرياته مع البناء طويل جدا .. ولولا يقينه بأنه لابد لهذا البناء أن يرتفع .. ولولا يقينه بوجود تلك اللبنات الصالحة لرفع البناء .. ولولا ذلك العهد الذي يؤرقه .. العهد بحماية الحوزة والذب عن الحياض لولا ذلك كله .. لكانت تلك التجارب كفيلة بأن تجعله ينفض يديه من ذلك الغبار وينكل عن مواصلة البناء .. وكم يبدو هذا الأخير - ترك مواصلة البناء - جميلا ورائعا .. وكم يبدوا ورَعًا محمودا وفقها راجحا .. ولكنه ما أن ينتهي شريط ذكريات البناء .. ويصيب النفس شئ من الفتور والميل إلى الراحة والسكون .. حتى يمر شريط العوادي حيث لا تبقى دار ولا معلم .. ولا يبقى لأهل الأرض قيمة ولا مغنم .. ويرى مصير تلك اللبنات هو الاستقرار في قعر ذلك الوادي السحيق إن لم تجد من ينسق بينها لتصبح سدا منيعا لا تستطيع تلك العوادي أن تتجاوزه فضلا على أن تحدث به نقبا.

وعند ذلك يجدد العزم ويقفز بجد لمواصلة البناء وكأنه قد شعر بأهمية ما قد ضيع من وقت في إعادة أشرطة ذكرياته .. ولو .. لكن قدر الله وما شاء فعل .. ولا نقل لو فإن لو تفتح عمل الشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت