لما كان السائرون إلى الله، والمجاهدون في سبيله بحاجة ماسة إلى زاد يعينهم على الثبات على طريق الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله كانت هذه الوقفات التربوية ...
حسن الظن ...
قال تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفك مبين} ، وقال تعالى: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} .
لما تكلم من تكلم في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، قالت أم أيوب الأنصاري لأبي أيوب: (أما سمعت ما يتحدث الناس؟) ، فحدثته بقول أهل الإفك، فقال: (ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم) .
وروى الإمام الطبري عن طريق ابن إسحاق قال: (حدثني أبي عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب قالت له أم أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت لا والله! قال: فعائشة والله خيرٌ منك قالت: فنزل القرآن؛ {لولا إذ سمعتموه ... الآية} ) .
إن المسلم المؤمن مأمور بحسن الظن بإخوانه المؤمنين عامة، وذلك أن سلامة الصدر نحو المؤمنين وعدم أخذهم بالشكوك والظنون دعامة راسخة من دعائم بناء المجتمعات المسلمة، ورباط محكم يربط بين لبناتها دلت على ذلك النصوص الشرعية وشهد بذلك التاريخ القريب منه والبعيد، ونطق به الواقع.
والمتأمل في كتاب الله سبحانه وتعالى يرى أن الله قد جعل المسلمين أمة واحدة وجسدًا واحدًا، فجعل قتل الرجل لغيره من المسلمين قتلًا لنفسه وإخراج الرجل من داره إخراجًا لنفسه، كما جعل ظن السوء بالمسلم ظنًا بنفسه، ولمز المسلم لمزًا لنفسه، قال تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ... الآية} ، وقال تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ... الآية} .
قال الإمام القرطبي: (ولما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحدًا، وكانوا كالشخص الواحد، جعل قتل بعضهم بعضًا وإخراج بعضهم بعضًا قتلًا لأنفسهم ونفيًا لها) اهـ [الجامع القرطبي: 2/ 19] .
إن هذه تذكرة تقرع جرس النذارة من هذا المرض العضال والسرطان الخبيث، وهو"التشكيك وسوء الظن بالمسلمين"، وتصف العلاج الشرعي من كتاب وسنة وتدعوا للعمل بهديهما في ذلك، إصلاحًا لذات البين ودرءًا للحالقة وجمعًا لكلمة الإسلام حتى تطوى من ساحته آثار الشقاق والشغب الذي هو في كثير منه نتيجة سوء الظن والأخذ بالشكوك وعدم إنصاف المخالف.
يقول الإمام ابن القيم: (ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم، وغير ذلك، ويصعب عيل التحفظ من حركة لسانه، حتى يرى الرجل يُشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يُلقي لها بالًا