تغيب الرؤية المنهجية الصحيحة عند كثير من العاملين في ميدان الدعوة إلى الله، فتظهر الاختلالات الفكرية والتي تجر إلى الإنحراف العقدي والسلوكي العملي على مستوى الأفراد والجماعات، وما ذلك إلا لغياب الوعي الإسلامي، والفهم الأصيل لطبيعة الإسلام العضوية الحركية وكينونته الحيوية في الضمير الإنساني والوجود البشري وقدرته على تغيير المناهج الأرضية الجاهلية، فغياب هذا الوعي عند جمهرة من المنتسبين الى العمل الإسلامي هو الذي أدى الى ذلكم الإسقاط الفكري الذي تتجرع غصصه كثير من الحركات الإسلامية اليوم - على طول الخارطة الإسلامية -.
إن إعادة النظر في طبيعة منهج التغيير الذي اتخذته بعض الحركات الإسلامية في تعاملها مع الأنظمة العلمانية القائمة اليوم بحاجة إلى مزيد من الدراسة الموضوعية، بحيث تتخذ من النقد الهادف البناء طريقًا لتقييم تجاربها مع المناوئين للإسلام، فالانغلاق على الأطر الضيقة والنظر القاصرة المحدودة والتي عفا عليها الزمن، ومحاولة ترقيع الجاهلية ببعض الإصلاحات الجزئية الطفيفة ليس هو الهدف الذي لأجله أناط الله بهذه الأمة حمل رسالة الإسلام، ذلك أن الباعث للدعوة الإسلامية هو اجتثاث الجاهلية من جذورها وإحلال الإسلام محلها، وتغيير كل الواقع الجاهلي في الأنماط السلوكية والاجتماعية وفي المناحي السياسية والاقتصادية وفي الجوانب التربوية العملية وفي الاتجاهات الفكرية العقدية، فمن السذاجة أن يعتقد المسلم أن بإمكانه التعايش مع الجاهلية في أي صورة من صورها وفي أي شكل من أشكالها، لأن طبيعة الإسلام ومنهجيته في التغيير تتنافى مع طبيعة الجاهلية المحكومة بالنظرة الشركية الوثنية، فمنهج الإسلام لا يتلاءم مع منهج الجاهلية، فإما إسلام لا جاهلية فيه وإما جاهلية لا إسلام معها، أما الخلط بين الخبيث والطيب باسم الإصلاح الجزئي والتدريجي للكيان الجاهلي المعادي للإسلام منهجًا وتشريعًا واعتقادًا، فإنه مصادم للمنهج الرباني الذي ارتضاه الله لعباده وجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاعًا بين الناس، فلا مداهنة للطواغيت ولا ركون للظالمين، ولا التفات إلى سياسة أنصاف الحلول التي ميعت كثيرًا من المفاهيم الإسلامية الأصيلة النابعة من مصدري التشريع الكتاب والسنة، وأصابت الشخصية الإسلامية بالانهزامية النفسية أمام أعدائه التاريخيين.
طبيعة الصراع:
ولا بد أن ندرك طبيعة الصراع بين الإسلام والجاهلية، ونعلم أنها عقيدة في كل صورها وأشكالها ولو أخذت الطابع الاقتصادي أو السياسي أو العسكري، فطبيعة الصراع عقدي، وحقيقة المواجهة بين خصمين أحدهما يريد للبشرية الخير الذي أراده الله لها منذ خلق آدم عليه السلام، والآخر يحاول بكل ما أوتي من قوة الحيلولة بين البشر وبين الخير الذي أراده الله لهم، وشتان بين الفريقين، فريق يرفع راية التوحيد، وفي سبيله يجاهد وتحت لوائه يستظل، وفريق يعلي لواء الشرك، في سبيل الطاغوت يقاتل، وفي عفن الجاهلية الآسنة المنتنة يتمرغ، فأنى يلتقيان أو يستويان .. {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} .
إن وضوح الطريق وتصحيح المفهوم في تعاملنا مع أعدائنا أمر ضروري حيوي لكل ذي عينين يريد لأمته الخير والسلامة، ولشرعه الحنيف الريادة والسمو والعلياء، فتوضيح الأسس المنهجية وفق الضوابط الشرعية مطلوب لاسيما وأننا نمر بمرحلة حرجة وخطيرة، تتطلب منا جميعًا التصدي لكل المؤامرات التي تحاك ضد الأمة الإسلامية تلك المؤامرات التي تستهدف إجهاض البعث الإسلامي، واستئصاله من الوجود، وبما أن التصدي لهذه المحاولات التآمرية على الإسلام من قبل أساطين الكفر