ها أنا اكتب اليك ولا أعرف لماذا، ولكن فقط وجدت في نفسي أن اكتب اليك، ولعلك تسمع مني العتاب، وتسمع مني المدح والاطراء، وتارة الرثاء، وتارة اخرى التأسف والتأوه، واحيانًا انقل اليك شيئًا من اخبارنا واحوالنا بعدما تركتنا ورحلت عنا، وأحاول ان لا أجاملك فيها في شئ، وعفوًا ان قلت لك بداية انك ستسمع ما لايسرك ويفرحك بل ما يحزنك، وما يكدر عليك صفو لذائدك، وينكد عليك نعمتك، ولكن ما ذنبي - انا الكاتب اليك - طالما كل ما أقوله لك حق وصدق، وان كان هذا هو حالنا ولاندري كيف سيكون مآلنا ونعوذ بالله ان نرجم بالغيب.
اخي الشهيد ..
من يدري لعلي تأخرت عنك كثيرًا في الكتابة لك، بل ولعل رسائل كثيرة وصلتك منا .. ويا عظم خوفي عن أي شئ كتبوا لك؟ هل ياترى عن ملاحم مزعومة سطروها لك؟ أم عن بطولات موهومة وصفوها لك؟ أم عن غنائم مغنومة بشروك بها؟ .. ولكن ما اظن ان كل هذا ينطلي عليك لانه لو كان الأمر كذلك لأعلمك واخبرك بها من لحق بك وجاورك، وإلا أيعقل ان تكون معاركنا كلها انتصارات وفتوحات، لاقتلى فيها ولا حتى جراحات؟! آمنت بالله.
وأعود فأقول:
ولربما كان في بعض هذه الرسائل من يتجرأ عليك بعدما يدوس على كل خلق حسن، وطبع شهم، وينكر بل ويوبخك أيما توبيخ على فعلتك التي فعلت، ومنهم من يتمادى اكثر ويكتب اليك ويتهمك بأنك وليت الدبر واعطيت الظهر والدليل هو انك لم تعُد تُرى في الركب ولا أدري أي الركائب يعنون .. واني لأتساءل في نفسي واقول انه لمن الاضداد ان يجتمع نعيمك وحياتك التي تحياها الآن وبين ما يصلك عنا وعن احوالنا .. ولكن ارجوك لا تلمني.
وابدأ فأقول:
اخي لقد رحلت عنا وتركتنا ونحن اصفار عن اليمين وعن الشمال وفي كل مكان، فلقد فقدنا بعدك كل شئ فلا تجمعنا هوية، ولا تهمنا قضية، بل ان قضيتنا هي قضية انعدام القضية، نعيش أشتاتًا في شتات ولاهم لأحدنا إلا الاقتيات، نفر ونهرب الى الامام فيصدمنا جدار، فنرد على أعقابنا فيتلاقنا جدار، وهكذا فنحن بين جدار وجدار وحالنا من شجار الى شجار .. ترحالنا لايكون الا في الليل بل وفي غسقه فإذا ما انبلج الصباح فلا ترى إلا قاعدًا أو منبطحًا وكأنما حرم علينا السير الا في الظلام، نسير بلا دليل، ونرحل ونقاد وأفضلنا حالًا من يتساءل الى أين؟ ولكن لاجواب بل كل الكلام تضجر وشتام، ولعن وسباب .. التعب انهكنا، والظمأ اهلكنا، والغبار تلحفنا، فلا نجم نستهدي به الطريق، ولا بدر نستبصر به الرفيق، قد ضللنا الأثر أثر قومنا صحراء متحركة، وسماء مغيمة .. احلولك الظلام وتشعبت الافهام فنحن على وجوهنا هيام ومن هنا وهناك تسمع ما يقطع القلب ويمزق الفؤاد .. بكاء الصبيان وأنين النسوان.
اخي الشهيد ..
صدقني .. لا سيف يحمينا، ولا نور يأنسنا ولو من بعيد، ولا أمل، لا أقول يحذونا بل ليته كان وراءنا لكنا