توقفنا وانتظرناه، ولا حتى سراب أمامنا يترائ لنا، ولا أقول لابتذرناه، بل لناديناه ليسقينا.
نعم .. ومع هذا كله تتلصلص الذئاب الجائعة والضباع الطامعة من حولنا نسمع عواءها من قريب وبعيد، ولا أحد منا يجهد نفسه ويلتفت الى من ورائه .. لحم ينهش وهو نيئ وعظم يُهشم وهو حي، والدم ينزف .. موقف يقطع القلب ويدميه ويدمع العين ويبكيها، والقافلة تسير .. الله اكبر.
ونحن في حالنا هذه اذ بي اسمع نداءات خفيفة تنادي - زاعمة نصح القوم الرُّحل - بأن يلقوا المتاع ليتخففوا من الحمل، ليت شعري من دبر لهم هذا؟ أهنا يلقى الراحل رَحْلَه!! ياللعجب العجاب.
ثم وبعد مسير مضن طويل قطعنا فيه شُعب الوديان ومفاوز الرمال، تنادى القوم في بعضهم أن حطوا الرحال، واينخوا الجمال، فبادروا أيما بدار، فرأينا خيامًا ممزقة تصفعها العاصفة، ورأينا بئرًا معطلة، وعلى مقربة من البئر رأينا بقايا رماد وقدور منكفئات منكسات، وما في الخيام إلا فُرش بالية مهجورة، وستائر مردومة، وبباب أحد الخيام كان أثر مربط فرس أمامه، ثم صاح رجل: تعالوا وانظروا هنا أثر مربط فرس، ونادى ثانٍ وهنا كان مربط فرس .. نعم وإذا بأثر الحوافر على الارض نراها وكأنها نقوش زخارف، فاقتفى الركب الأثر، وانسابوا وراءه كعقد انصرم، حتى أننا نسينا الرحل والمتاع، وذهب عنا التعب والظمأ، وتلألأت وجوه القوم كأنها المصابيح، وانشرح الصدر والكل على الاثر، هذه اثر حافر وهذه الاخرى ... وهكذا، وكأننا نقرأ ما نكتب بحوافرها حتى أتينا على سفح الجبل.
وهنا شيئًا فشيئًا بدأ التعب يعود وتلونت بعض الوجوه وبدأت تُسمع من جنباتهم تمتمات ثم كلمات متقطعات ثم صيحات؛ لا .. لا .. ليس هذا هو الأثر، لقد ضللنا فلنرجع ونعود قبل ان نتيه أكثر، وللأسف رجع بعضهم واثر على الأثر، ولكن ثبت الاخرون وآمنوا بان الوصول قريب وما ضرهم الناكثون، فتلاحموا يدًا بيد وهم الى أعلى الجبل.
وما أن علوه وعانقوا جبهته إلا وبخيط الفجر قد لاح وبان، فاستبشروا وضاءت وجوههم بضيائه، وعلى مقربة منهم اذا بثلة من الجند مصطفين يصلون صلاة الصبح، متقلدين سيوفهم، وإمامهم يتنغم بقراءة سورة القمر، وتخلط على مسامعنا قراءته مع صهيل خيولهم، وما أن ختم السورة بقوله {ان المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} إلا والعيون تذرف الدموع .. دموع فرح ودموع أمل .. دموع حزن ودموع رثاء .. ثم تلمحت في وجوههم فعلمت عندها انهم رفقاؤك الذين رحلتَ عنهم وهم يرثونك أيها الشهيد ..
وعذرًا أخي اذ توقف مداد قلمي عن الكتابة .. فلقد أبكاني ممشاك حقًا.
عن مجلة الفجر