إن فضل العلم ومكانة العلماء ليست بخافية على المتأمل في القرآن الكريم والاحاديث والآثار، ولو ذهبنا نستقصي ما ورد في ذلك لطال المقام، وها نحن نشهد في هذه المرحلة علامة جديدة من علامات الساعة ألا وهي قبض العلم وذلك بقبض العلماء كما جاء في الحديث الذي رواه الأئمة الستة إلا أبا داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .
ونرى تتابع رحيل أهل العلم واحدًا تلو الآخر، فنزداد يقينًا بقرب الساعة وبصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم وأنه لا ينطق عن الهوى؛ ولعل من آخر هؤلاء العلماء الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته. ونريد أن ندخل بهذه المناسبة إلى مشكلة من مشاكل الصحوة الإسلامية التي تحتاج إلى علاج، على هدي القرآن والسنة، وإذا أردنا أن نصوغها على شكل نقاط فيمكننا أن نطرح التساؤلات الآتية.
الاول: ما الموقف الشرعي الصحيح الذي يجب أن يقفه أبناء الصحوة الإسلامية من بعض أهل العلم الذين صدرت منهم فتاوى أو وقفوا مواقف غير صحيحة من بعض الحكومات المحاربة لدين الله تعالى.
الثاني: هل هناك مجال لإعذارهم في هذه الفتاوى أو تلكم المواقف.
الثالث: هل يصح أن يرجع إليهم في غير الباب الذي زلوا فيه أم يجب هجر كتبهم وأشرطتهم وإسقاط مكانتهم العلمية مطلقًا.
الرابع: هل يصح نقد فتاواهم المخالفة للصواب وبيان ما قد يترتب عليها من أضرار ومفاسد أم أن ذلك يعتبر"شتمًا"للعلماء أو تطاولًا على منزلتهم.
إلى غير ذلك من مواطن النزاع التي لا تخفى على العاملين في مجال الدعوة أو الجهاد.
ولا ندعي أننا سنوفي هذا الموضوع حقه من البحث على هذه الصفحات المحدودة، ولكننا نأمل أن يكون هذا المقال فتحًا لباب التصحيح والإصلاح ومراجعة كل امرئ لموقفه من هذه القضية.
إن القطيعة إذا استحكمت بين شباب الإسلام وبين العلماء فهنالك يظهر الخلل، ويفشو الزلل، وتتسع الخروق في جسم الأمة الإسلامية، ويجد الأعداء مجالًا أكبر للكيد والمكر.
والإنصاف يقتضي أن نقول إن هذا الفصام قد يتسبب فيه العلماء ويكون من جانبهم، كما قد يتسبب فيه الشباب ويكون من طرفهم؛ وسيأتي التمثيل لذلك، وهذا الفصام داء ملموس محسوس تعاني منه الصحوة الإسلامية جميعها، ويعايشه كل من له أدنى صلة بالدعوة والجهاد، وأيًا كان سبب هذه المعضلة، وكيف نتجت وظهرت، فالذي ينبغي الإرشاد إليه، والتركيز عليه بعد حصولها، ألا يجرنا هذا المرض إلى أمراض أخرى تنخر في جسد الأمة وتضاعف آلامها، فالخطأ لا يصحح بخطأ مثله أو أشد منه، فلذلك نرى لزامًا على شباب الدعوة والجهاد ألا يقصروا في الاتصال بأهل العلم وألا يستنكفوا