فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 163

تروي لنا كتب السيرة عند حديثها عن غزوة الخندق، وما جرى فيها من أحداث جسام وأمور عظام، إن المسلمين - لما كان يوم الخندق - عرضت لهم صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء وأخذ المعول فقال: (بسم الله) ، ثم ضرب ضربة، وقال: (الله اكبر ... أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة) ، ثم ضرب الثانية فقطع أخرى، فقال: (الله اكبر ... أُعطيت فارس، والله إني أبصر قصر المدائن الأبيض الآن) ، ثم ضرب الثالثة فقال: (بسم الله) ، فقطع بقية الحجر، فقال: (الله اكبر ... أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني) [قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن] .

وفي تلك الأثناء التي أخذت فيها الخطوب بالصدور، والكروب بالنحور، وزلزل المسلمون زلزالًا شديدًا، يقف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ليبعث الأمل في قلوب الجند ويعدهم بحسن المآل ... (الله أكبر ... ابشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره ... الحديث) .

وياله من موقف عظيم وقفه الرسول القائد صلوات ربي وسلامه عليه ... المدينة محاصرة بعشرة آلاف مقاتل من كفار قريش وحلفائهم من غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، وبنو قريظة نقضوا العهد، وطعنوا المسلمين في اشد الساعات ظلمة، وفي أحرج الأوقات وأعسرها، والمنافقون لا هم لهم إلا بث الشائعات والأراجيف التي يريدون من خلالها خلخلة الصف المجاهد، وبث الفرقة بين أفراده، وها هو القرآن الكريم يسجل لنا وصفًا دقيقًا لأقوالهم وأحوالهم: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا} ، {وإذ قالت طائفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارًا} ، {ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرًا} ، {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذًا لا تمتعون إلا يسيرا ... إلى آخر الآيات} التي تبين حال هذه الشجرة الخبيثة - شجرة المنافقين - والتي لا تطعم إلا العلقم، ولا تسقى إلا السم.

في هذه الأجواء التي يقرص فيها الجوع والبرد المسلمين، والمرجفون قد ملأوا المدينة بأراجيفهم والأحزاب يحاصرون المدينة يقف الرسول القائد صلى الله عليه وسلم ليعلن للدنيا جمعاء؛ إن المسلمين لن يهزموا الأحزاب فحسب، بل سيفتحون فارس والشام واليمن، وسط تحدٍّ لتلك الجموع الباهتة التي كانت تحيط بالمدينة المنورة من كل حدب وصوب.

ومن يتأمل ذلك الموقف العظيم الذي وقفه رسول الإسلام، يدرك تمام الإدراك عظمة القيادة التي قادت المسلمين إلى النصر في تلك الغزوة، ويعلم علم اليقين أن دور القيادة في تلك اللحظات العصيبة هي زرع الأمل في قلوب الجند، وبث الثقة في أفئدتهم بقرب نصر الله، {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا انهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ... الآية} .

وهو في ساح الزمان وحيدُ ... هاتف والصعاب تحدق فيه

صارمي قاطع وعزمي أكيدُ ... مسلمٌ يا صعاب لن تقهريني

يطلع الزهر والحيا والورودُ ... من دمائي في مقفرات البراري

وحتى بعد انتصار المسلمين، يقف الرسول الكريم ليرفع معنويات أصحابه، ويحمسهم على القتال، قائلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت