فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 163

الكاتب: أبو يحيى الليبي

يقف كثير من المسلمين اليوم من الأحداث الجسام، والأمور العظام، التي تجري في الأمة الإسلامية بين الحين والآخر، موقف المتفرج على حوادثها، المترقب لنتائجها، وقد اتخذ كل منهم لنفسه ساترًا وحاجزًا فكريًا يتلبس به، ويمنعه من اقتحام أتونها، وولوج أبوابها، أو أن يكون له دور فعلي في مجرياتها، أو تحريك عجلاتها، فصير قصارى جهده، وغاية أمره، ومبلغ بذله، ترقب الأخبار آناء الليل وأطراف النهار، وقد هاب الفتن، وخشى المحن، وركن إلى الدعة، ومال إلى الراحة، مكتفيًا بما هو فيه، وكأن ما يراه ويراقبه لا يعنيه، وذلك لقصور همته عن ارتقاء المعالي، وتعود نفسه التقهقر عند إظلال المصائب، وتوالي النوائب.

وليته مع هذا كله نأى بنفسه، وشعر بذنبه، واعترف بتقصيره، ونسب الفضل إلى أهله، إذًا لكان الأمر يسيرًا ولما لامه أحد إلا قليلًا، غير أن الأمر ليس كذلك، بل أشد وأنكى على نفوس العاملين الجادين الصادقين، فتراه وهو في ملجئه، ومغارته ومدّخله، قد نصّب نفسه ناقدًا بصيرًا، وموجهًا خبيرًا ومنظرًا نحريرًا، إذا تكلم تكلّم باللوم والعتاب، وليس في حديثه إلا ضمائر (الغيبة) و (الخطاب) ، فقوله لا يعدو (لو أنهم فعلوا) أو (لو أنكم فعلتم) ، أما أن يدرج نفسه بين العاملين حقًا ويضمها إلى جملة المتكلمين صدقًا، فيقول: (لو أننا فعلنا) ، فهذا ما لا يصدر عنه، ولا يكون منه.

إنه صنف (المبطئين) (المتريثين) (المترقبين) الذين يريدون النصر والظفر في كل معركة بصورة متتالية متوالية ويبتغون دولة قائمة حاكمة من غير دفع ضريبة إقامتها، فهم يصبحون على الأوهام، ويمسون على الأحلام، وقد قال تعالى {وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا ولئن أصابكم فضل من الله ليقولنّ كأن لم تكن بينكم وبينه مودّةً يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا} .

وإنه لجدير بكل مسلم اليوم أن يقف عند هذه الآية الكريمة وقفة تأمل طويلة، وتفكر عميقة، يتدبر معانيها ويلتمس دلائلها، فهي بحق تكشف دخائل عناصر دخيلة، ونماذج غريبة على الصف الإسلامي (وإن منكم) ، تزيّت بزيه، وتظاهرت بمظهره، وتسمت باسمه، ورفعت شعاراته، إلا أن حقائق نفوسها ومكنونات صدورها، وخبايا قلوبهم، بعيدة كل البعد عن ذلك الزي، ومنفصلة كل الانفصال عن ذلك المظهر، ومختلفة تمام.

الاختلاف عن ذلك الاسم، إنها زبَد يطفو ويبدو عندما يُرسَل سيل المصائب والنوائب الجارف، يعرف به وهنها، وتنكشف حقيقتها، وتنفضح دسائسها، وتباح سرائرها.

أولئك (المبطئون) الذين لا هم لهم، ولا همة لديهم، إلا رؤية نتائج الأمور، وثمار الجهود، أما تحمّل مشاق طريقها، وحمل أعباء وسائلها، وبذل المجهود لوصولها، فهم عن ذلك كله بمعزل ومنأى، وليس لها منهم إلا النقد، والأخذ والرد، والإحصاء والعد.

فهم (المتربصون) الذين لا ينظرون إلا إلى مآل الأمور، وينتظرون ليعرفوا أي حال يصل إليها أهل المعارك وحماة الثغور، ممن كابد السهر، وتحمل وعثاء السفر، واصطلى بنيران الفتن، وتجرع مرارًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت