كؤوس المحن فشب عليها وشاب، ولم يثنه عن دربه ومواصلة نهجه.
توعّد عدوّ، أو عتاب أصحاب، ولم يخالج قلبه شك ولا ارتياب، بعد ما رسخ فيه رسوخ الرواسي، أنه بين إحدى الحسنيين (النصر أو الشهادة) فهانت أمامه الصعاب، وتفتحت الأبواب، وتمهدت العقبات وتيسرت الأزمات، وتصاغرت العظائم والنكبات.
الجهاد .. والتمحيص:
إن عبادة الجهاد قد طابق فيها الاسم المسمى، وليست كما يريدها بعض الناس اليوم أن تكون، بحيث لا تتجاوز في فهمه وأمنيته رحلة هادئة، ونقلة هانئة، يبلغ سالكها غايته، وينال بغيته، من غير ما تعب ولا نصب، ولا ابتلاء أو دماء وأشلاء، فإن هذا التصور العقيم، ما كان أبدًا ولن يكون واقعًا في عبادة تسمى (الجهاد) ، إذا كنا نفهم هذه العبادة على حقيقتها الشرعية الواقعية، وليست الخيالية الوهمية.
فالتمحيص جزء لا ينفك عن هذه العبادة (الممحصة) البتة، فهي حاوية لكل صنوف المحن وأنواع الفتن وصور الابتلاءات، من الهزائم والتشريد، والأسر والقهر، وذهاب الأنفس ونقص الأموال، ومعاناة الجوع والخوف، ومشاق السفر ومكابدة السهر، ومفارقة الخلان وهجر الأوطان، إلى غير ذلك مما تعبر عنه كلمة (جهاد) من الجهد والمشاق.
قال تعالى: {ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} . وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} ، وهذه الحقيقة المهمة ينبغي لكل من سلك طريق الجهاد أن يجعلها نصب عينيه، ويقيمها بين يديه حتى لا تزل قدمه، ويُبدّد حلمه، عند أول محنة تلاقيه، أو رغبة وإغراء يُعرضان عليه.
وهي حقيقة لم يهملها القرآن أو يغفلها، بل أفصح عنها أيّما إفصاح، وبينها أتمّ البيان وركز عليها أشد التركيز، من خلال الدروس التربوية العظيمة التي تنزل عقب الغزوات، لا سيما التي أصاب المسلمين فيها أذى كثير كغزوة أحد، فالقرآن وهو يعرض تلك الدروس السامية، والعبر الباقية، لم يغرس في نفوس المؤمنين المجاهدين آمال النصر، وأماني الظفر فقط، بل أرشدهم إلى جعل توقع الهزائم، وإظلال العظائم، أمرًا قائمًا نصب أعينهم دائمًا، حتى لا يصطدموا بما يلاقونه منها، ولينقى الصف ممن يتخلله ممن لا يتحمل مثلها، ولا يصبر على شدتها، أو يعزل نفسه فلا يقحمها في معمعتها أصلا، فهو ليس لذلك أهلًا، لأنه بنى مشاركته في القتال، على تيقن حصول الانتصار في كل معركة، وحوز الغنيمة عند أية غزوة، بل أضاف القرآن على ذلك أنْ حث المجاهدين المبتلين، إلى عدم جعل الابتلاء ووقوع اللأواء سببًا يفت عضدهم، أو يوهن قوتهم، أو يخلخل يقينهم، فقال لهم {ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الجاعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين أمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} ، وقال سبحانه {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيما} .
أوَلسنا نرى ما حدث يوم أحد لخير الخلق صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، وحتى تفاجأ الصحابة بذلك، خاصة انه وقع بعد الانتصار الساحق الذي حققوه يوم بدر، وكانوا إذ ذاك اقل منهم عددًا وعدة، فتساءلوا في غاية الاستغراب والتعجب {أنى هذا} فجاء القرآن بجواب صريح واضح {قل هو من عند أنفسكم} ، ومع أن هذه المصيبة كان سببها المعصية التي وقعت من الرماة، إلا أن ذلك لا يمنع أن تكون متضمنة ومشتملة على حكمة بالغة، يرجع مردودها، وتعودُ فائدتها، على أولئك