فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 163

المؤمنين المصابين كما قال تعالى مبنيًا تلك الحكمة {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالًا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ اقرب منهم للإيمان ... } .

فكما أن ثمة ابتلاء وتمحيصًا للناس ليعلم المؤمن من غيره، فكذلك الأمر في الجهاد، حتى يتميز المجاهد الصادق من الدعيّ المنافق، ليبقى الصادقون الخُلَّص، الذين صبروا وصابروا، ولم يغيروا أو يتغيروا، فيكونوا بعد نزول ذلك التمحيص، أهلًا لاستلام الأمانة وحمايتها، والحفاظ عليها وصيانتها، والقيام عليها خير قيام، لأنهم عرفوا قدرها، وأنزلوها منزلتها، فقدموا لأجلها كل غال ورخيص، وتحملوا أنواع الأذى، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، ولا خذلوا ولا لانوا.

الميزان الدنيوي .. ديدن المبطئين:

فالغثاء لا يمكن أن يكون له موضع في عبادة الجهاد الشاقة التي قرر القرآن أنها كتبت علينا وهي كره لنا {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون} ، ولا سيما في هذا الزمان، الذي انتشرت وتتابعت فيه الشبهات، وكثرت وتنوعت الشهوات، واستأسد الكفر وأهله، وقويت شوكته، واجتمعت على الإسلام كلمته، فعقدت لأجله المؤتمرات، أقيمت الندوات، وأبرمت الاتفاقيات، والمسلمون - كما نرى- مشتتون يتخطفهم الناس هنا وهناك، ولا يكاد الصادق منهم يجد له مقرًا ولا موطنا، فمثل هذه الظروف القاسية المتكاتفة، لن يتحمل معها أعباء عبادة الجهاد الشاقة في اصلها - علاوة على الظروف المعاصرة- إلا الصادقون المستيقنون وليسوا (المتهورين) (المتعجلين) كما يسميهم بعض (المبطئين) (المتثاقلين) .

فالمتربصون المبطئون الذين يقيسون نجاح المعارك بمقياس النتائج الذي رسموه في تصورهم، لا يوجد في حساباتهم إلا أمران اثنان يرجعون إليهما ويعتمدون عليهما، عند تقويم أي معركة، وهما (مصيبة، أو نصرٌ) ، فميزانهم دنيويٌ مجرد، أما مقياس الآخرة أو ميزان الأجور، فهذا لا يفكرون فيه، ولا يلتفتون إليه، ولا يعبئون به ولهذا تظهر خبايا نفوسهم، وخفايا قلوبهم، ودسائس صدورهم، - والتي تعبر عن مقياسهم وميزانهم- عند أول عاصفة محنة تهب عليهم، فإذا هم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، تنقله حيث شاءت، وتلقيه أينما أرادت، لخفته وهوانه، ولاختلال ميزانه، فلا يملك أحدهم عند حلول المصيبة، إلا أن يقول - شامتًا- وهو فرحٌ مرحٌ: {قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا} فتراه يعد حالته، ويحسب نجاته و (رويته) من نعم الله التي يشكره عليها.

والمبطأ - لا يرضى لنفسه الانفراد بهذا الوصف المستبشع، والنعت المستقذع، بل لا يزال يبحث عن الأنيس، ويفتش عن الرفيق، الذي يُسليه، ويميلُ إليه، ليشركه فيما هو فيه، ببث الشبهات، وتضخيم الأحداث، وإحباط الهمم، واختلاف الأعذار، والتنقيب عن مختلف الحجج، التي يتعذر بها عن النفير، ويحترز بها عند الاتهام بالتقصير، وهو في ذلك كله مترقب متربص لما تصل إليه المعركة، ليظهر عند (المصيبة) - حسب فهمه ومبلغ علمه- بوسام الحكمة والحنكة، والغور والخبرة، والتمرس في فهم الأحداث، جاعلًا تلك الحجج التي لجأ إليها، واعتمد عليها، برهانًا ساطعًا، ودليلًا قاطعًا، كان على من نزلت بهم تلك (المصيبة) أن يأخذوا به، ويسيروا على دربه.

أما إذا كانت الأخرى، فرجحت كفة الجهاد، ورفرفت رايات النصر، وبرقت أسارير الظفر، ونال أهل النزال الغنيمة والأجر، لَبَدَا - كأن لم تكن بينه وبينهم مودة- مولولًا، وولى ساخطًا صاخبًا، يقرع نفسه ويتقد - في حسراته، ويصارع زفراته، والندامة تأكل قلبه، وهو يُردد ياليتني كنت معهم فأفوز فوزًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت