عظيما ... الآية.
إنه لم ينكر أو ينظر إلى ما كابده أهل النصر من العناء وما لاقوه من البلاء، وما تحملوه من المشاق المتوالية والكروب المتتالية، والخطوب التي لا تكاد تطاق، حتى وصلوا إلى قمة الانتصار، ومنازل الأخيار، مما يراه ذلك التحسر ويعانيه، ولم يخطر بباله، أن يجعل لنفسه من ذلك الجهد قسطا، ومن تلك الكروب حظا، يثقل به ميزانه، ويشد به أزر إخوانه، بل كان محجمًا متربصا، ومترقبًا متريثا، وهو متذبذب بين فزع الإقدام الذي يؤز قلبه أزاَّ، وطمع المغنم الذي يشده اليه شدا، ولكنه آثر الإحجام على الإقدام، ومراتع النعيم على مواطن النزال، ومقارعة الأبطال وما ذلك إلا لأنه يرى بعين واحدة، ويزن بميزان واحد، ميزان النتائج المختل الذي يعرف به الربح والخسارة، والحكمة والتهور، والخبرة والسطحية، والنصر والقهر، فتراه عند أي مصيبة، هزيمة أو أسرًا أو قتلًا، شاكرًا لربه على نجاته، ساخرًا مستهزئًا من غيره على شهادته، وعند المغانم مقرعًا لنفسه على ما فاته، حاسدًا لقومه على ما حصلته جهودهم وسيوفهم، من المغنم وعلى ما وصفوه من الفضل والشرف، فهو متباطئ ومثبطّ لأهل الجهاد في الابتلاء، ومضادٌ لهم في الانتهاء، فعند مصيبتهم في سرور وحبور، ولدى بهجتهم بالفوز والنصر في ويل وثبور، ونعوذ بالله من الخذلان.
ولهذا جاءت الآية القرآنية بعد ذكر حال المبطئين، مبينة الميزان الصحيح الذي لا اختلاف فيه، والذي ينبغي أن توزن به أحوال الجهاد والمجاهدين، ناسفة ذاك الميزان المضطرب الذي نصبه (المبطئون) لأنفسهم، يتكئون عليه، ويلجئون اليه، فقال تعالى {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} النساء74، انه ميزان (الأجر العظيم) الذي يتساوى في كفتيه (القتل) و (الغلبة) بل ربما كان - وكثيرًا ما يكون - القتل فيه اعظم أجرا، واكبر قدرا، واثقل وزنا وأحق فوزًا، وهذا ما لا يفهمه (المبطئون) ولا يفقهه (المتثاقلون) قال تعالى {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خيرٌ مما يجمعون} وقال تعالى {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ... الآية} .
وقال صلى الله عليه وسلم: (تكلف الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق بكلماته، أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من اجر أو غنيمة) [رواه البخاري ومسلم] .
فهلا رجعنا بأنفسنا إلى هذا المقياس الدقيق الصحيح، واعتمدناه في تقويم أعمال المجاهدين المنافحين عن حوزة الدين، بما استطاعوا، ما بخلوا بمال، ولا شحوا بنفس، ولا تشبثوا بوطن، وما رضوا بوهن، فإن استخدام هذا الميزان هو الكفيل بوضع الأمور في نصابها، والعاصم من بخس الناس أشياءهم، طيِّ جهودهم، وهضم حقوقهم، وهو الذي نعرف به حقائق نفوسنا، وصحة نوايانا، فإن دخائل النفوس لاتتفلت إلا عند إلمام الرزايا، وإقبال المنايا، ونزول الخطوب، وتوالي الكروب، وربما كان لسان الحال افصح أصرح من المقال، ولْنقدِّر ما يلاقيه أهل الجهاد من المحن، ويتعرضون اليه من الفتن، ويحف بهم من المخاطر التي لا تنقطع، والمكائد التي لا ترتفع، ولنأخذ بوصية ربنا {يا أيها الذي ءامنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزىً لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير} .
والحمد لله رب العالمين
[عن مجلة الفجر]