كثيرًا ما يأمرنا الله عز وجل في كتابه الكريم بالتفكر والتأمل في هذا العالم الذي من حولنا والذي نحن جزء منه بل نحن أساسه وعُودُه، فقد أمرنا بأن نجوب ببصرنا ونسيح بقلوبنا بين هذه الآيات العظيمات الشرعية والكونية، قال تعال"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد"والله عز وجل يعرض علينا هذا المقصود بعدة أساليب بلاغية عظيمة، منها الأمر الصريح كقوله تعالى"قل انظروا ماذا في السماوات والأرض""فلينظر الإنسان مِمّ خُلق"وتارة يتمدح المتفكرين فيها والمتأملين، وأن هذا الصنع من صفات أهل العقول كقوله"إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس - إلى قوله لآيات لقوم يعقلون"وتارة على عكس ذلك حيث يذم تبارك وتعالى الغافلين عنها"وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عنها وهم عنها معرضون"، وتارة يقسم بها كقسمه بالضحى وبالشمس وبالنجوم، والله تعالى لا يقسم إلا بشئ عظيم من خلقته دالًا على عظمت خالقه إيحاءً منه عز وجل أن نتأمل في هذا المخلوق المقسوم به.
فالله تعالى أودع فينا نحن البشر هذه المضغة وهي القلب التي هي آلة التدبر والتأمل والتذكر، أراد منا أن نعايش هذه المخلوقات بجميع أجناسها وأشكالها التي تفضل الله علينا بأن سخرها لنا، وليس المقصود من تسخير الله لنا هذه المخلوقات هي حصول المنفعة المادية فحسب، بل من التسخير كذلك - وهو أعظمها نفعًا وأهمها أمرًا - أن نستشعر ونستحضر بها عظمة بارئها ومصورها مما من شأنه أن يطبع أثرًا واضحًا من حب الله والخوف منه والثقة به، وهذا هو رأس التسخير وقمة الرابطة ولب العلاقة التي كانت بين سلفنا الصالح وهذا العالم الذي نعيش فيه، وإلا فانظر وتأمل بين معايشتهم ومعرفتهم لهذه المقدرات الهائلة مما هي في أعلي الجبال وفي أعماق البحار وفي أغوار هذا الكون الفسيح مقارنة بما نحن فيه من استخلاص هذه المقدرات والموارد وتطويعها في سبل العيش حتى إن الواحد منا ليجد نفسه في حيرة مما يختار ويصطفي، ومع هذا تأمل حالنا وحالهم قال تعالى"ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون".
وهذا مما يدلك على مكانة سلفنا الصالح وهدايتهم، فهذه المنفعة لا يهتدي لها إلا أصحاب القلوب الحية والفطر السليمة، فكلما كان القلب أكمل حياة وأسلم فطرة كلما كانت استزادته من هذا المعين - وهو التأمل - أكثر حظًا وأوفر نصيبًا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وتلاوة المعني اشرف من مجرد تلاوة اللفظ، وأهلها هم أهل القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والآخرة، فإنهم أهل تلاوة ومتابعة حقًا.
فأقول وان من بين هذه الآيات العظيمة المشاهدة، والتي لها ذكر أيّما ذكر في القرآن الكريم هي:
الجبال. . .
فلنقف مع هذه الآية العظيمة، وذلك امتثالًا لأمر الخالق عز وجل في قوله تعالى"وإلى الجبال كيف نصبت"وذلك لنتعرف عليها أكثر، ونغوص في غورها بما يفتح الله به علينا علّ هذا الجماد الساكن يحيي فينا قلبًا ميتًا أو يجمع فينا همة شاردة، أو يبعث فينا القوة والعزة في وقت أصبح في الكثير من المسلمين لا يألفون العيش إلا في شُعب الأودية والسهول بعد أن كانوا فيها جبالًا على جبال.