وليس المراد بهذه الأسطر سرد منافعها ولا الحكمة من خلقها وإن كان هذا بعض المراد، ولكن المقصود شئ ما رواء ذلك بكثير، انه رسالة إلى كل مجاهد وإلى كل داعية ومصلح ومؤمن بهذا الدين القويم.
فلا نقول لك - أخا الإسلام - قس نفسك على الجبال ولكن نقول لك: كن جبلًا.
هذا الجبل الصلد الصلب الذي هو للأرض كالوتد، هذا المخلوق العظيم الشامخ الذي لا يتزحزح ولا يترنح، صامد ثابت على طول الأزمنة وعلى كل الأحوال، الذي لا يميله إعصار، ولا تحرقه شمس، ولا يلينه قمر ولا يهده نفق، ومع كل ذلك تعرض عليها الأمانة والسماوية والتكاليف الشرعية فيخاف"إن عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا"لقد أُوتيت هذه الجبال الجامدة من العلم والمعرفة ما جعلها ترفض حمل هذه الأمانة الربانية والرسالة السماوية لا استكبارًا كما هو حال إبليس اللعين وجنوده، بل شفقة منها من عظمتها واستشعارًا لعظمة أمر الله الخالق البارئ.
وفي الآية نكتة لطيفة وهي: أن الله عز وجل ذكر الخاص بعد العام فذكر الأرض ثم خصص أكثر فذكر الجبال مع أن الجبال من الأرض، وهذا فيه إشارة إلى حال الجبال من الصلابة والمكانة والله أعلم، فهذا الجماد قد أوتي من العلم ما لم يؤته بنو آدم، فقد عَلِمَ عِظَم هذه الأمانة فأشفق منها وقدّرها حق قدرها فأبى أن يتحملها اختيارًا منه، وأما الإنسان الظلوم الجهول العجول، حيث جهل قدره وقدر ما عُرض عليه، فتقبلها فكان في وصفه الظلم والجهل فرحم الله إمرءًا عرف قدر نفسه.
ومما يؤكد عظمة المخلوق، السر في أن الله عز وجل عندما طلب منه كليمه موسى عليه الصلاة والسلام أن يراه في الدنيا، قال له الرب جل شأنه"لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني"ولكن أين هذا المخلوق الضعيف من عظمة خالقه ومولاه؟.
وأعلم - أخي المسلم - أن لبعض الجبال شرفًا ومكانة، وعظمة وجلالة، حيث فضلها الله تعالى عن غيرها من الجبال، وهكذا فعل عز وجل مع عباده يشرّف المؤمن عمن سواه من الخلق، والمجاهد عمن سواه من المؤمنين، والشهيد عمن سواه من المجاهدين"وبربك يخلق ما يشاء ويختار".
فمن هذه الجبال:
الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه الصلاة والسلام وهو غير الذي تجلى له ربه فساح وتدكدك.
ومنها جبلا الصفا والمروة اللذان هما في حمى الحرم، وزاد في شرفهما ذكر الله لهما بقوله"إن الصفا والمروة من شعائر الله"وما زال المسلمون يسعون بينهما.
ومن الجبال التي حازت الشرف والمكانة جبل حراء، ففي ضيافته كان اللقاء، وما أدراك ما ذاك اللقاء؟، لقاء أمين الأرض بأمين السماء، وفيما بينهم يتلى كلام الله جلا وعلا، فكان شاهدًا على تسليم الأمانة من القوي الأمين إلى الصادق الأمين، فشع النور من بين جنباته في وقت مَقَتَ الله فيه كل أهل الأرض إلا بقايا من أهل الكتاب، وفي وقت عجت الأرض - ومكة خاصة - بالأصنام المعبودة والآلهة المألوهة من دون الله عز وجل.
فإنه ليفخر على الجبال وحق له ذلك، فسبحان من اختص برحمته وتكريمه من شاء من الجبال والرجال.