فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 163

وإذا تأملت البقاع وجدتها: تشفى كما تشقى الجبال وتسعد.

ومن بين هذه الجبال جبل الرحمة في ميدان عرفات الذي هو من أعظم مشاعر الحج، ومن لم يقف عنده فلا حج له، علم أن جهل، بعذر أو بلا عذر، فلله كم به من ذنب مغفور، وعثرة مقالة، وزلة معفوٌ عنها، وحاجة مقضية، كيف وهو الجبل المخصوص بذلك الجمع الأعظم، الوفد الأكرم، الذين جاءوا من كل فج عميق، وقوفًا لربهم مستكينين لعظمته، خاشعين لعزته، شعثًا غبرًا، فلله ذلك الجبل وما ينزل عليه من الرحمة والتجاوز عن الذنوب العظام.

وأما جبل أُحد فذاك له شأن وأي شأن، فهو أُحد في اسمه وفي مسماه وفي لفظه ومعناه، فقد ذُكر في أحد الأقوال أن سبب تسميته بـ"أُحد"أنه وحده لم يلاصقه أقرانه من الجبال، وهذه تحتها من المعاني والأسرار ما تحتها، ويكفيه شرفًا حضوره غزوة هي من أعظم الغزوات في تاريخنا المجيد، حتى أنها سميت باسمه لماذا؟ لأنه كان جندًا من الله تعالى في هذه الغزوة، فكان مساندًا ومناصرًا لحزب الله فيها، يحمي ظهور المسلمين من غائلة الكافرين، ونِعمَ المساند والمناصر كان، فكان عند ظن النبي صلى الله عليه وسلم به، وفي نهاية المعركة قُتل من قُتل من المسلمين ممّن اصطفاهم الله شهداء كرماء، وقَفِلَ من قَفِل من المسلمين مأجورين غانمين وهم سُعداء، أما هو فما كان نصيبه؟ نعم لقد كان له نصيب وياله من نصيب، لو كان لأحدنا ما ضره عمل قط، نصيبه وغنيمته التي حاز عليها ولن تخمس بين أقرانه هي حب النبي صلى الله عليه وسلم له وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا بعدما شرفه الله باعتلائه صلى الله عليه وسلم وصدّيقه والشهيدان عليه، فأي شرف هذا؟ وأيّ مكانه احتباها هذا الجبل؟ وكأنه يحن إلى ماضيه أيما حنين وبئن مما يشاهده في حاضره أيما أنين، فقد كانت كتائب الصحابة وسرايا التابعين وجيوش المسلمين تنطلق من ثناياه وعلى مرأى منه، أما الآن فليت شعري كيف هو مما يزاحمه من قصور الدجاجلة وسجون الطواغيت وحوانيت أهل الرذيلة، هذا وهو في حمى الحرم ومع ضمه وحفظه لقبور الشهداء وسيدهم، فالله المستعان.

ومما أوحى به القلب في هذه الوقفة البسيطة مع هذه الآية العظيمة القوية الدالة على عظمة وقوة خالقها هي: ان الجبل مع هذه الصفة العظيمة والضخامة والقوة البروز والشموخ منذ خلق الله الأرض - هو عبارة عن لفظ مكون من ثلاثة أحرف - أقل ما تكون به الكلمة.

فاسبر - أخي الكريم - غور هذه اللفتة ولا تبخس حقها من شد الذهن وجمع الفكرة وحضور القلب، ثم ارمِ شباكك في كل صوب وناحية وبكل قواك، فسيأتيك نصيبك من صيدك بقدر براعة وقوة رمايتك، فالطيب لا يقبل إلا طيبًا والحسنة لا تأتي إلا بأختها.

ثم ما هو الجبل؟ ما هو إلا عبارة عن أحجار وحصى اجتمعت وتراصت وتلاحمت على شكل هندسي بديع حكيم ليناسب حجمه وتأمل أين رأس الجبل؟ أليس في القمة؟ ثم أين قاعدته أليست بالأرض؟ فهي أعرض ما تكون، وهذا أدعْى لثبوته عليها وإلا ما فائدة الرأس مع هشاشة القاعدة، وكما قيل ليس من الصعب الصعود إلى القمة ولكن من الصعب الثبوت عليها، وهاك لفتة أخرى: وهي أن الجبل منارة واضحة بيّنة فلا يستطيع أي أحد طمسها أبدًا. فهي منارة لأصحاب القوافل وأهل الركب تترأى لهم من مئات الأميال، فهو بشرى لهم على صحة الطريق وقرب الوصول، فقد سمى الله تعالى الجبال أعلامًا"ومن آياته الجوارِ المنشئات في البحر كالأعلام".

وقالت الخنساء ترثي أخاها صخر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت