فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 163

وإن صخرًا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نارٌ

ومع ذلك فهي حمى الضعيف كما كان لسارية رضي الله عنه، وسترة للمظلوم كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه أثناء الهجرة، ومأوى للطريد كما كان لأبي بصير ورفاقه رضي الله عنهم أجمعين.

وكما كان عونًا أمينًا وركنًا حصينًا للمجاهدين في سبيل الله فهو ساحتهم في النهار وملاذهم في الليل، يبصرهم عدوهم وماله عليهم من سبيل، وكم تنفجر منه العيون ماءً عذبًا زُلالًا، وكم تتراكم عليه من الثلوج يحفظها لغيره حتى إذا اشتدت الحاجة إليها انحدرت من قممه السامقة فينهل منها من يريد، بل يجود بأغلى ما عنده من النفائس والدرر، فما على المحتاج إلا أن يمد يده، ومع ذلك كله فإنه تنفجر من قممه البراكين الثائرة، وما لهذه البراكين من حيلة أو خديعة إلا بيد من خلقها.

ولا أحد أحاط بصرًا بالجبل، ولا نقله من مكانه شبرًا فليعرف كل قدره.

واعلم - علمك الله - أنه لا مكان للعيش بين الجبال إلا في الوديان بل عند قعرها، ومن تأمل رفعة الجبل وشموخه ومن تحته الوديان والشِعَب يظهر له وبوضوح كأن الجبل يدوس عليه دوسًا.

ولهذا من أراد أن يرى شيئًا على حقيقته وطبيعته فليكن على قمة جبل فيكون حينئذ أقرب ما يكون إلى السماء وأبعد ما يكون عن الأرض - مع ما في الصعود من صعوبة وخطورة - لا على سفح وادٍ كفعل كثير من الأسافل في هذا الوقت، ولا على فم بئر كفعل كثير من اللئام في هذا الزمان، من خادع فإنما يخادع نفسه، وهؤلاء هم أجهل ما يكونون بأعدائهم وبأنفسهم.

واعلم - أخا الإسلام: ان من رام صعود الجبال واعتلاءها صَعُب عليه النزول منها والأُلْفَ عند غيرها، فالجبل يقابله رجل والرجال جبال وزنًا ومعنى ولابد منهما.

وقد يطول الوصف والتعريف ولكن باختصار شديد إذا أردت أن تعرف الرجال وقدرهم فقسهم - يرحمك الله - على الجبال لا الجمال وليس هذا من الخيال، فالجبال كما عرفت وأما الجمال فكما قال الشاعر:

وقد عظم البعير بغير لب * فلم يستغن بالعظم البعيرُ

فيركب ثم يضرب بالهراوى * ولا عرف لديه ولا نكيرُ

فأقول فالله الله كم في هذه المخلوقات من آيات نحن عنها غافلون لاهون، وقد كانت أن الدرداء رضي الله عنها إذا سافرت فصعدت على جبل تقول لمن معها: أسَمِعْتَ الجبال وما وعدها ربها؟ فيقال ما أسمعها، فتقول:"ويسألونك عن الجبال فقال ينسفها ربي نسفًا فيذرها قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا"فهذا حال الجبال وهي الحجارة الصلبة، وهذه رقتها وخشيتها وتَدكْدُكُها من جلال ربها وعظمته، وقد أخبر عنها فاطرها وبارئها أنه لو أنزل عليها كلامه لخشعت وتصدعت من خشية الله. . فيا عجبًا من مضغة لحم أقسى من الجبال، تسمع آيات الله تتلى عليها ويُذكر الرب تبارك وتعالى فلا تلين ولا تخشع ولا تنيب، فليس بمستنكر على الله عز وجل ولا بمخالف لحكمته أن يخلق لها نارًا تذيبها إذا لم تلن بكلامه وذكره وزاجره ومواعظه، فمن لم يلن لله في هذه الدار قلبه، ولم ينب إليه، ولم يذبه بحبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت