فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 163

قد وضع رجله في أول الركاب فاصلا ... وهروبا من متاع الدنيا وزينتها، يغض بصره ... حيث بستانه هناك، فقد أينعت ثماره وحان وقت القطاف ... وإلى يمينه وشماله سنابل الحنطة تتمايل مع هبوب الرياح، تدعوه للحصاد وجمع المحصول ... ويمضي في طريقه وفي نفسه رغبة ملحة إلى إلقاء نظرة وداع على بيت أظله سقفه حينا وترعرع وشب بين جدرانه، وله في كل زاوية من زواياه موقف وذكرى ... وقد قيل:

ما الحب إلا للحبيب الأولِ ... قلب فؤادك حيث شئت من الهوى

وحنينه دوما لأول منزلِ ... كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وقبل ذلك نظرات زوجته وقد جلست تكفكف دموعها وتنظر إليه من طرف خفي ... تمسح على رؤوس صغيراتها، ولسان حالها يقول:

وارحم بناتك إنهن صغارُ ... اذكر صبابتنا إليك وشوقنا

فلعله يُنزل رحله ويعدل عن سفره ... وحديث في النفس يكاد يتحول إلى يقين ... بان هذه ستكون النظرة الأخيرة ... وان الأجل قد حان ... وأنه ليس للعودة سبيل ... وتتزاحم المطالب ... فيدفعها ... فتعود ... تعرض نفسها عليه ..."فهلا كان لجيرانك من الوداع نصيب!"،"وماذا عن الأقارب وصلة الأرحام؟"...

وفتاوى تزاحم المطالب ... ترتدي زي التقوى وثوب التفقه في الدين ..."ألم تعلم أن الدين يسر ... فلماذا تعسر على نفسك وتخرج في شدة القيظ؟"..."يسروا ولا تعسروا"..."ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما"..."هلك المتنطعون"..."ان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهر أبقى".

"ألم تعلم أن السفر يوم الخميس مستحب ... فهلا أجلت إلى الخميس القادم ... إذ فاتك الأمس"..."ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تضع في فيَ امرأتك".

"ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليزرعها ... فكيف والساعة لم تقم ... فكيف إذا كانت الفسيلة قد آتت أكلها"... و"خيركم من طال عمره وحسُن عمله"...

"ألم تعلم أن لأهلك عليك حقا"..."ألم تعلم أن الفرار من الزحف من الكبائر ... فلعلك إذا خرجت ... والتقى الصفان ... تُولي فتهلك"...

"أنسيت قول النبي صلى الله عليه وسلم: ففيهما فجاهد"...

ويسير في طريقه بخطى ثابتة ... رغم انه يخوض مع نفسه معركة حامية الوطيس ... تكاد سهامها تمزق فؤاده وتجعله قطعا متناثرة ...

ومع ابتعاده عن بيته وغيابه عن نظره ... إلا أن الصراع لم ينته بعد ... ولا زالت جيوش مدد النفس الأمّارة تُقبل أرسالا إثر أرسال ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت